سلسلة مقالات بدون عنوان ١٤
- Islam Al Rasoul

- 31 يناير 2025
- 74 دقيقة قراءة
(346) 7/6/2015 (عندما تصبح ثوابت الدين الإلهي، ثوابت (مذهبية)
عدد المشاهدات : 242
عندما أرفض أن يكون (التراث الديني)، للفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة، حاملا لنصوص مصدر تشريعي إلهي، وسمه أئمة السلف باسم «السنة النبوية»، ليتخذ قدسية في قلوب أتباعهم، فهذا لا يعني أني أرفض حياة النبي، وأنه كان يتحرك بين الناس، وكان يعاتبه الله ويصصح له…، هذه الحياة التي ينطق بها القرآن ليل نهار!!
وعندما أرفض أن يكون التراث الديني (المذهبي)، مرجعا لثوابت (الدين الإلهي)، ولما هو «معلوم من الدين بالضرورة»، ولـ «ازدراء الأديان»…، فذلك لأن المسلمين تفرقوا (في الدين)، وأصبحوا شيعا وأحزابا دينية، رغم أن الله أمرهم بـ (الاعتصام)، وحذرهم من (التفرق)، فقال تعالى:
«وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ»
إذن، فأين هذا الدين الذي يكفر من ينكر (ثوابته)، ويُسجن ويُتهم الردة، ويقتل…، بعد أن أصبح لكل فرقة من الفرق الإسلامية، بل ولكل مذهب من مذاهب الفرقة الواحدة، مرجعية دينية خاصة بها، ومصدر تشريعي يرون أنه الذي حمل أحكام (الدين الحق) واجبة الاتباع؟!
لقد أصبحت (المرجعيات السلفية)، مصدرا رئيسا لأحكام الشريعة الإسلامية، وأصبح (أئمة السلف) هم النماذج التي يجب التأسي بها، وأصبح (أتباع) أئمة السلف، لكل فرقة من الفرق الإسلامية، هم أتباع (السلف الصالح)…، إذن فمن هم (السلف الصالح)؟!!
هل هم رسول الله وصحبه؟! أم هم بعد إضافة الخلفاء الراشدين؟! أم بعد إضافة التابعين وتابعي التابعين؟! أم هم أئمة مذاهب (أهل السنة)؟! أم (الشيعة)؟!، أم (المعتزلة)…؟!ثم من هم (أهل السنة)؟!
إذا أردت أن تقف على حجم مأساة أزمة التفرق و(التخاصم المذهبي)، فاكتب في محرك البحث، على شبكة الإنترنت، جملة مذاهب أهل السنة، وستظهر لك عدة صفحات، منها سؤال على موقع [الإسلام سؤال وجواب /- الشيخ محمد صالح المنجد]، يقول: ما الفرق بين أهل السنة والجماعة، والمذاهب الأخرى (مثل الشافعية والمالكية .. إلخ)؟!
الجواب: «أهل السنة والجماعة، لا يقابلهم المالكية والشافعية والحنابلة وأمثالهم، بل يقابلهم أهل البدع والضلال في الاعتقاد والمنهج، كالأشعرية والمعتزلة والمرجئة والصوفية وأشباههم»، انتهى!!
إن القول بأن (الأشاعرة) ليسوا من (أهل السنة)، هو قول (الحنابلة وأهل الحديث)، فتعالوا نلقي بعض الضوء، على الصراع المذهبي، بين (الأشعرية)، و(الحنابلة وأهل الحديث)، لنجيب على سؤال: هل (ثوابت الدين الإلهي) يمكن أن تكون (مذهبية)، وهل ما يحدث اليوم من تخاصم بين مؤسسة الأزهر والجماعات السلفية ليس وليد اليوم؟!
يقول شيخ أهل السنة والجماعة، (هكذا هو لقبه)، أبو الحسن الأشعري، توفي [٣٢٤ أو ٣٣٠هـ] في كتابه: (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين):
“اختلف الناس بعد نبيهم في أشياء كثيرة، ضلل فيها بعضهم بعضا، وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينين، وأحزابا متشتتين….»، ثم ذكر أن هذه الفرق عشرة أصناف: الشيع، والخوارج، والمرجئة، و(المعتزلة)، والجهمية، والضرارية، والحسينية، والبكرية، والعامة، وأصحاب الحديث، والكلابية أصحاب عبد الله بن كلاب القطان…» …. ثم ذكر عشرات المذاهب، (العقدية والتشريعية)، التي تفرعت عن كل فرقة من هذه الفرق!!
ويقول في كتابه «الإبانة عن أصول الديانة»، فصل في إبانة قول أهل الحق و(السنة)، عن مصادر التشريع فيقول:
إن قال لنا قائل: «قد أنكرتم قول (المعتزلة) والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون!!
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله عز وجل، وبسنة نبينا محمد، وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون»!!
أقول: هذا هو حال (أئمة السلف)، حتى الربع الأول من القرن الرابع الهجري، فكل فرقة تقول: التمسك بكتاب الله، وبسنة رسوله، وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث…، ثم إذا هم يختلفون في مرويات السنة، وفي عدالة الصحابة، وفي حجية قول التابعي، وفي جرح وعدالة أئمة الحديث….، فهل هذه الصراعات المذهبية التخاصمية، وما ترتب عليها من فتاوى وأحكام…، يمكن أن تكون من (ثوابت الدين الإلهي)؟!!
انظر إلى ما حدث من تخاصم، وتقاتل، وتكفير…، بين (الحنابلة وأهل الحديث)، و(الأشاعرة)، عام (٤٤٧هـ)، وقد كان سبب التقاتل، الخلاف حول مسألة (الجهر بالبسملة في الصلاة)!!
لقد توجه (الحنابلة) إلى أحد مساجد (الأشاعرة)، ونهوا إمامه عن (الجهر بالبسملة)، وتطور النزاع حول هذه المسألة الفقهية (الفرعية) إلى الاقتتال، وكان جانب الحنابلة هو الأقوي، فالتزم (الأشاعرة) البيوت، ولم يخرجوا لحضور صلاة الجمعة، ولا الجماعات، خوفا من الحنابلة. (ابن الجوزي/ المنتظم، ابن الأثير/ الكامل، ابن كثير/ البداية والنهاية)!!
ولم يكن (الحنابلة وأهل الحديث)، قبل عام (٤٦٩هـــ)، يُمكّنون (الأشاعرة) من إظهار مذهبهم على رؤوس الأشهاد، فلما جاء ابن القشيري (ت٥١٤ه)، وذم (الحنابلة) ووصفهم بالتجسيم، حدثت معارك دموية بين (الحنابلة) و(الأشاعرة)، قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الجانبين، وجُرح آخرون، وكانت هي الأخطر، منذ نشوب الصراع العقدي بين مذاهب (أهل السنة)!! [ابن أبي يعلى/ طبقات الحنابلة]
لقد نص الدستور المصري، في مادته الثانية، على أن: «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية، المصدر الرئيسي للتشريع، والأزهر الشريف هو المرجعية النهائية في تفسيرها»!!
إننا عندما نقول: إن «مبادئ الشريعة الإسلامية، المصدر الرئيسي للتشريع»، ثم نتبع ذلك بقولنا: «والأزهر الشريف هو المرجعية النهائية في تفسيرها»، فإن هذا يعني، أن دور الأزهر هو حماية هذه المبادئ، وشرحها وتدريسها في جميع المؤسسات التعليمية، ونشرها عبر جميع وسائل الإعلام، حتى ننتزع من قلوب المسلمين، هذا التخاصم، وهذا التطرف الديني، الذي زرعته «المذهبية»، و«السلفية»، ومازالت تحرسه وتدافع عنه إلى يومنا هذا!!
لقد عرفت كل الرسالات الإلهية (مبادئ) الشريعة، فهي قوانين إلهية، وليست بشرية، بداية بالوحدانية، النبوات، الحق والعدل، حفظ النفس والمال، حرية الفكر، كرامة الإنسان، السلام ونبذ العنف….، أما المذاهب (السلفية)، فاجتهادات بشرية، قام بها (أئمة السلف)، حسب توجهاتهم (العقدية والتشريعية)!!
وإن ما أراه مخالفا لدور الأزهر الدستوري، هو ما صرح به فضيلة الدكتور محمد الطيب، شيخ الأزهر، خلال الندوة التحضيرية لمؤتمر التجديد فى الفكر والعلوم الإسلامية، حيث قال:
«إن اتخاذ المذهب الأشعري لا يعني التعصب لمذهب محدد، لكننا وجدنا به انعكاسا صادقا وأمينا لما كان عليه رسول الله والصحابة، فضلا عن أن هذا المذهب ليس محدثا وجديدا كمذهب الاعتزال، الذى يسهل الباحث فيه أن يعثر على نصوص تصطدم بنصوص السنة، فى مقابل ذلك نجد فى الأشعري نصوصا تستقيم مع العقل والمنطق»!!
فهل ما ذكره شيخ الأزهر، في حديثه عن أزمة التخاصم العقدي، بين (الأشعرية) و(المعتزلة)، يعتبر تفسيرا لمبادئ الشريعة الإسلامية، حسب ما ورد في الدستور؟!
إنه على الرغم من قول شيخ الأزهر: «إن اتخاذ المذهب الأشعري لا يعني التعصب لمذهب محدد» إلا أننا نجده قد تحيز إلى ( المذهب الأشعري) فقال: «لكننا وجدنا به انعكاسا صادقا وأمينا لما كان عليه رسول الله والصحابة»!!
إن كل فرقة، من الفرق الإسلامية، ترى أن (نصوص السنة)، التي صحت عندها، هي انعكاس صادق وأمين لما كان عليه (رسول الله والصحابة)، وهذا ما أثبته فضيلته بقوله بعدها: «هذا المذهب ليس محدثا وجديدا كمذهب (الاعتزال)، الذى يسهل الباحث فيه أن يعثر على نصوص (تصطدم) بنصوص السنة»!!
إن كل فرقة تقول إن نصوص الفرق الأخرى، (تصطدم) بنصوص السنة، ذلك لأن الأزمة الكبرى، التي يعجز (علماء الحديث)، عند أية فرقة، أن يجدوا لها حلا، هي أزمة (الجرح والتعديل)، هذا العلم الذي قام على مذاهب أصحابه (العقدية والتشريعية)، المختلفة!!
إن الجماعات السلفية، (الحنابلة وأهل الحديث والوهابية)، والتي ترفع اليوم راية التمسك بالكتاب والسنة، تختلف اختلافا جذريا مع (المذهب الأشعري)، قد يصل إلى التضليل والتكفير..، استنادا إلى (نصوص السنة) التي صحت عندها!!
إن القاضي عندما يحكم في قضية، استنادا إلى المادة الثانية من الدستور، وتكون جريمة المتهم هي إنكار (ثوابت الدين)، وما هو (معلوم من الدين بالضرورة)،…، فإنه لن يخرج، في بحثه عن صحة هذا الاتهام، عن النظر في (مبادئ الشريعة الإسلامية)، التي يعلمها، ويعلمها المتهم قبل مثوله أمام القضاء، بل ويجب أن يعلمها الصغير قبل الكبير!!
إن دور الأزهر الرائد، بمؤسساته المختلفة، هو تفعيل مبادئ الشريعة بين الناس، استنادا إلى الدستور، وليس تفعيل أزمة التخاصم المذهبي، بين الفرق والمذاهب الإسلامية، علما بأن وصف هذه الفرق بـ (إسلامية)، قد أجمعت عليه جميع أمهات كتب الملل والنحل!!
«وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ» – «فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»
معلومات:
* السلفية: هم أتباع أحمد بن حنبل، وابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، الذين بدأ ظهورهم في القرن الرابع الهجري، وكانوا من الحنابلة، وزعموا أنَّ أحمد بن حنبل، هو الذي أحيا عقيدة السلف وحارب دونها!!
* الأشاعرة: هم الذين ينتمون إلى المذهب الأشعري، الذي أسسه أبو الحسن الأشعري، الذي أمضى فترة طويلة من حياته معتزليا، ثم تاب عن الاعتزال، وأعلن توبته أمام الملأ بالبصرة، (٣٠٠هـ)، وانفرد بمذهبه.

(347) 9/6/2015 (هل لـ (التقوى) مراتب، كمراتب (الإيمان)، أعلاها إمام المتقين؟)
عدد المشاهدات : 190
إن المتدبر للسياق القرآني، يجد أن هناك مواقف، تجعل (الإيمان) مراتب، منها:
«وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا» – «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً» – «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا» – «وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا» – «لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا».
أما (التقوى)، فلا يوجد في السياق القرآني، آية واحدة، تُبيّن أنها مراتب، أعلاها مرتبة (إمام المتقين)، وهذه بعض الأمثلة:
«ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى (لِّلْمُتَّقِينَ)» – «بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ (الْمُتَّقِينَ)» – «وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ (لِلْمُتَّقِينَ)» – «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ (الْمُتَّقِينَ)» – «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ (تَقِيًّا)» – «فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ (الْمُتَّقِينَ) وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا» – «إِنَّ (لِلْمُتَّقِينَ) عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ» – «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ (التَّقْوَىٰ) وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ» – «يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ (التَّقْوَىٰ) ذَٰلِكَ خَيْرٌ» – «لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى (التَّقْوَىٰ) مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ»
إن معظم هذه الآيات، تتحدث عن صفات عليا، وجزاء أوفى، لمن أسلم، وصدق إيمانه، والتزم بأحكام الشريعة، ومع ذلك لم نجد أن الله جعل المتقين منازل، أعلاها (إمام المتقين)!!
لقد أردت أن أبيّن هذه المسألة، لأن هناك من يدّعون، (ويتبعهم الآلاف)، أن التقوى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
التقوى (الفردية): وتتعلق بالعبادات – التقوى (الاجتماعية): وتتعلق بالأخلاق – التقوى (التشريعية): وتتعلق بالالتزام بالقانون ضمن حدود الله!!
ولماذا ذهبوا إلى هذا التقسيم؟! والجواب: لتصنيف أحكام الشريعة حسب هواهم، ليصلوا في النهاية إلى فصل (أحكام الشريعة)، عن منظومة (الوحدانية)، التي لا تنفصل عنها مطلقا!!
ولذلك لا مانع عندهم أن يُغيّروا منظومة (المواريث)، ويعبثوا بمنظومة (العقوبات)، ثم يُدخلون من كفروا بنبوة رسول الله محمد الجنة….، وهم يظنون أنهم على (الوحدانية)!!
إن الذي أوقعهم في هذه (المصيبة)، أنهم ظنوا أن أحكام الشريعة التي تأتي في سياق الجملة الخبرية، (كآيات سورة الفرقان ٦٣-٧٤)، وتبدأ بقوله تعالى:
«وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا»
تختلف عن تلك التي تأتي في سياق الجملة التشريعية، (كآيات سورة الأنعام ١٥١-١٥٢)، وتبدأ بقوله تعالى:
«قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا…..»
وبناء على فهمهم هذا، قالوا: إذن، فأحكام الشريعة التي وردت في الجملة الخبرية، ليست من الفرائض التي يجب على جميع المسلمين العمل بها، ولكن من عمل بها، تعلو منزلته، ويكون إماما للمتقين، استنادا إلى (الآية ٧٤) من سورة الفرقان، التي جاءت في سياق الحديث عن صفات عباد الرحمن، وقد جاءت كلها بصيغة خبرية، فقال تعالى:
«وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا»
إن (الإمامة)، في السياق القرآني، إمامة (هداية)، و(اقتداء)، وليست منصبا دينيا، يعلو به صاحبه على (المتقين)!!!
ولقد بيّن الله السبيل لنيل هذه المنزلة، فقال تعالى في سورة الأنفال (الآية ٢٩):
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن (تَتَّقُوا) اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ (فُرْقَانًا) وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ…»
وقال تعالى في سورة الحديد (الآية ٢٨):
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ (نُورًا) تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»
تدبر قوله تعالى في الأولى: «يَجْعَل لَّكُمْ (فُرْقَانًا) وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)…»
وفي الثانية: «وَيَجْعَل لَّكُمْ (نُورًا) تَمْشُونَ بِهِ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»
ودرجة (التقوى) في الآيتين واحدة!!
إن من صفات عباد الرحمن، ما ورد في (الآية ٦٨) من سورة الفرقان:
«وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا» – «يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا»
فهل لأن الله تعالى جعل هذه الصفات (خبرا)، يصبح الالتزام بها على سبيل الاستحباب، فمن عمل بها تعلو منزلته، ويكون إماما للمتقين، ومن لم يعمل بها، يكون من أهل الجنة، ولكن في منزلة أقل؟!!
هل الذين (يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ)، و(يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه)….، هل هؤلاء سيشمون رائحة الجنة أصلا؟!
والحقيقة التي يعلمها من له أدنى دراية بالمنهجية العلمية لتدبر القرآن، أنه لا فرق بين أحكام الشريعة، التي تأتي بصيغة خبرية، وتلك التي تأتي بالأمر الصريح، فهؤلاء الذين وصفهم الله بـ (عباد الرحمن)، يستحيل أن ينالوا هذه الصفة، إلا بعد أن التزموا أصلا بأحكام الشريعة القرآنية كلها، كفريضة واجبة الاتباع، على المسلمين جميعا!!
«أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا»
«أفلا تعقلون» – «أفلا تتفكرون» – «أفلا تفقهون»
«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ – أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»
(348) 14/6/2015 (المسجد الكوني الكبير)
عدد المشاهدات : 192
هل تعلم أن هذا الكون، مسجد كبير، تسجد وتسبح فيه كل ذرة من ذرات الآفاق والأنفس؟!
«تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ (يُسَبِّحُ) بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً»
«أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ (يَسْجُدُ) لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ»
لقد سجد الكون كله لله تعالى، وسجد كثير من الناس…، فهل الذين حق عليهم العذاب، هم الذين لم يسجدوا لمنظومة الوحدانية، ولم يقفوا على فاعلية السنن الكونية، ولم يستفيدوا منها؟!
إن المفهوم الحقيق للسجود والتسبيح، ليس ماديا وقوليا، وإنما سلوكا عمليا، تقوم فيه كل ذرة بالمهمة التي خلقها الله من أجلها، في إطار فاعلية السنن الحاكمة لهذا الوجود.
لقد انقسم الناس، نتيجة حرية الاعتقاد وسنة الاختيار، إلى قسمين: فريق سجد وأسلم وجهه لله تعالى، وفريق لم يسجد: «وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ – وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ»!!
إن الذين سجدوا، هم الذين وقفوا على السنن الحاكمة لهذا الوجود، فعلموا أنهم يعيشون داخل (المسجد الكوني الكبير)، فاستفادوا من سننه الساجدة المسبحة، في صنع حاضرهم ومستقبلهم!!
إن الذين سجدوا، هم الذين علموا أن المساجد لله، يجب أن تتناغم مع (المسجد الكوني الكبير) القائم على منظومة الوحدانية، فلا يشرك فيها مع الله أحد، ولا يذكر فيها إلا اسمه.
«وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا»
«فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ….»
فأين المساجد التي لا يشرك فيها مع الله أحد، ولا يذكر فيها إلا اسمه؟!!
هل من معين؟!!
«وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا – وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ – وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ – وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ»
«لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ – أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ – فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ»
(349) 15/5/2015 (عندما تصبح «الحكمة» الإلهية المنزلة، «مرويات» بشرية)
عدد المشاهدات : 185
عندما تصبح «الحكمة» الإلهية المنزلة، «مرويات» بشرية!!
عندما تحكم المناهج العشوائية الفكر الإسلامي، وتنحرف بالمسلمين عن المنهجية العلمية في تفعيل آليات التفكر والتعقل والتدبر…، فلا تسألني لماذا تخلف المسلمون، وتفرقوا وتخاصموا وتقاتلوا، وحلّ بهم غضب الله..، وهم يحملون «الكتاب الإلهي»، الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور:
«الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ»إن المنهجية العلمية، التي تحمل أدوات فهم وتدبر القرآن، تفرض علينا عدة حقائق:
أولا: لم يعرف النبي محمد، عليه السلام، ولا صحبه، في عصر الرسالة، إلا دينا واحدا، وإسلاما واحدا، وأمة واحدة، وسنة نبوية واحدة، شاهدوها بأعينهم، وتفاعلوا معها، وكانت حقيقة قرآنية، عرفها المسلمون جميعا، على مر العصور.
ثانيا: لم يشهد عصر الرسالة، ولم يكن من بين صحابة النبي، سني أو شيعي…، حنفي أو مالكي…، أشعري أو سلفي أو ماتريدي…، فمن أين جاءت هذه الفرق، وهذه المذاهب (العقدية) المختلفة، التي يكفر بعضها بعضا؟!!
ثالثا: لقد أمر الله رسوله، أن يتبرأ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ»…، وحذر المؤمنين، من أن يشركوا بالله، إن هم تفرقوا في الدين: «… وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ – مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»!!
وبناء على هذه المحاور الرئيسة، سيفرض السؤال نفسه:
بأي منطق علمي، وعلى أي أساس شرعي، يخرج علينا علماء ودعاة وأتباع كل فرقة من الفرق الإسلامية، وهم يصفون أنفسهم بأنهم (الفرقة الناجية)، المتمسكة بـ (السنة النبوية) الصحيحة، وغيرهم في النار؟!!
إن المنطق العلمي، القائم على أساس شرعي، يفرض على المسلمين، ألا يقبلوا من أي عالم من علماء الفرق المختلفة، أن يتحدث باسم (الإسلام)، ولا باسم (الأمة الإسلامية)، ولا يدافع عن (السنة النبوية)، لأنهم جميعا، لا يعلمون شيئا عن هذه الحقائق، إلا من على خلال تراثهم الديني المذهبي، الذي دوّنه أئمتهم، بعد وفاة النبي، بقرنين من الزمن، على أقل تقدير!!إن على علماء ودعاة كل فرقة من الفرق الإسلامية المختلفة، أن يعلنوا صراحة على منابر الدعوة المختلفة، من هم، ومتى نشأت الفرقة التي ينتمون إليها، ليس بالكلام المرسل، وإنما بالوثائق التاريخية، التي حفظها الله تعالى، لتكون حجة عليهم، على مر العصور!!
إن (مرويات السنة) صناعة بشرية بنسبة ١٠٠٪، ولا علاقة لها بـ (السنة النبوية) التي انتهت فاعليتها بوفاة النبي، ونزل بها قرآن يُتلى، إلى يوم الدين. ولذلك ذهب أئمة السلف، يُنقبون في كتاب الله، لعلهم يجدون دليلا، يجعلونه برهانا على حجية (مرويات السنة) التي صنعوها بأيديهم، فوجدوا ضالتهم في آيتين:
الأولى: قوله تعالى في سورة النساء (١١٣):
«…. وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ (وَالْحِكْمَةَ) وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا»
والثانية: قوله تعالى في سورة الأحزاب (٣٤):
«وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ (وَالْحِكْمَةِ) إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا»
والسؤال الذي سيفرض نفسه:
إذا كانت «الحكمة»، المنزلة والمتلوة، هي (مرويات السنة)، التي إن صحت عند فرقة، لم تصح عند أخرى، فلماذا لم يستخدم الصحابة كلمة «الحكمة»، للتعبير عن «السنة النبوية»، أو عن «الحديث النبوي»، إذا كان هذا هو مفهوم الصحابة للحكمة، ولماذا لم يتعهد الله بحفظ هذه (المرويات)؟!
إن من له أدنى دراية بعلم (السياق القرآني)، عندما يريد أن يقف على معنى كلمة من كلمات القرآن، عليه أن يبحث عن هذه الكلمة، في القرآن كله، لعله يجد معناها، ولا يكون هناك مجال للاجتهاد!!
لقد وردت كلمة (الحكمة)، في السياق القراني، بأكثر من معنى، والذي يهمنا هو المعنى المتعلق بالحكمة (المنزلة) و(المتلوة)، وهي أحكام الشريعة (الحكيمة)، التي وردت في (الآيات ٢٢- ٣٨) من سورة الإسراء، والتي قال الله تعالى بعدها (الآية ٣٩):
«ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا»
إن اسم الإشارة (ذَٰلِكَ)، يعود إلى جميع ما ذكر من الأوامر والنواهي، التي وردت في الآيات قبلها، وجاءت (من) التبعيضية (مِنَ الْحِكْمَةِ)، لبيان أن هناك أحكاما أخرى في كتاب الله، غير التي وردت في هذه السورة، وهي أيضا من (الحكمة) المنزلة!!
إذن فالحكمة (المنزلة)، التي وردت في سورة النساء: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، والحكمة (المتلوة)، التي وردت في سورة الأحزاب: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)، هي مجموع أحكام الشريعة (الحكيمة)، التي حملتها آيات الذكر الحكيم.
ونلاحظ أن قوله تعالى: «مَا يُتْلَى» ثم قوله بعدها «مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ»، يُبيّن أن (المتلو) عبارة عن آيات وحكمة، ومعلوم أن (التلاوة)، لم تذكر في سياق التنزيل، إلا وقصد بها تلاوة آيات الذكر الحكيم.
إن «الحكمة» المتلوة، التي وردت في سورة الأحزاب، هي ما يجب أن يُتلى في بيوت المسلمين، من أحكام الشريعة، أسوة ببيوت النبي، فقوله تعالى: (وَاذْكُرْنَ)، أمر بمذاكرة وتذكر (مَا يُتْلَى) من آيات الله، وخاصة ما حملته من أحكام الشريعة، القاعدة الأساس، التي تقوم عليها تزكية النفس.
إن «الحكمة» المنزلة، في (الآيات ٢٢-٣٩) من سورة الإسراء، بدأت بالإقرار بـ (الوحدانية): «لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً» وانتهت بتأكيد الإقرار بالوحدانية (الآية ٣٩): «ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً»
فهل يُعقل، أن تتساوى حجية هذه الأحكام الحكيمة، قطعية الثبوت عن الله تعالى، قطعية الدلالة، والمحاطة بـ (الوحدانية) من كل جانب…، مع (مرويات السنة)، التي صنعها المحدثون بأيديهم، حسب مذاهبهم (العقدية والتشريعية)، ومدارسهم في الجرح والتعديل؟!
إنه يستحيل أن تكون «الحكمة» المنزلة، مصدرا تشريعيا مستقلا عن «كتاب الله»، ثم لا يأمر الله النبي بتدوينها كما دوّن «الكتاب»، ويترك هذه المهمة، للذين «فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا»؟!!
إن عطف (الحكمة) على الكتاب، في سورة النساء: (الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، وعطف الحكمة على الآيات في سورة الأحزاب: (آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)، هو ما يُعرف في علم (السياق القرآني) بعطف الخاص، الذي هو (أحكام الشريعة) على العام، الذي هو (كتاب الله)!!
إن «الحكمة» المنزلة، هي القواعد والأحكام القرآنية (الحكيمة) المنظمة لحياة المسلم!!وإن «الفرقان» المنزل، هو آلية التفريق بين الحق والباطل!!
وإن «النور» المنزل، هو المنهج الهادي إلى صراط الله المستقيم!!
وإن «الميزان» المنزل، هو القاعدة التي يقيم المسلم حياته عليها، بقيم الحق والعدل!!
وإن كل هذه الصفات، صفات (بيان) لآيات الكتاب الحكيم.
لقد دعا إبراهيم، عليه السلام، ربه فقال:
«رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ…»
فهل كان إبراهيم يقصد، أن يعلم النبي أصحابه، علوم الحديث، وكيف يُميّزون (بعد وفاته)، بين الحديث الصحيح والضعيف، حسب اجتهادات جهابذة علماء الحديث؟!
إن المنهج (المتلو)، الذي يتعلم منه الناس دينهم، هو آيات الكتاب: «يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ»، ولا يستطيع أن يخرج القائم على العملية التعليمية، عن المنهج الإلهي (المتلو)، ولذلك قال تعالى: «(وَيُعَلِّمُهُمْ) الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ»، لبيان أن «الحكمة» المنزلة، هي من علم (الكتاب)!!
واللافت للنظر، أن من «الحكمة»، التي أوحاها الله إلى رسوله، قوله تعالى في (الآية ٣٦) في سورة الإسراء: «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً»
والقفو: الاتباع، والاتباع المحرم هو الاتباع بغير علم، فهل اتبع المسلمون «الحكمة» الإلهية المنزلة، أم اتبعوا (مرويات السنة) المذهبية المُصنّعة؟!
لذلك لا تتعجب، عندما ترى المسلمين، بين سني وشيعي، ومعتزلي وأباضي، وحنفي ومالكي…، وأشعري وسلفي …، إلى آخر عشرات الفرق، وعشرات المذاهب، والجماعات، والتنظيمات الإرهابية، المتفرعة عنها!!
ولا تتعجب، عندما تكتشف، أن معظم أحكام الشريعة الإسلامية، التي يدّعي أنصار (الفُرقة والمذهبية)، أنه لولا (السنة النبوية)، ما عرفناها، ولا عملنا بها…، هي في الحقيقة مرويات وفتاوى أئمة المذاهب الفقهية، التي جعلوها وحيا إلهيا، وألبسوه لباس «الحكمة» المنزلة، لتأخذ قدسية في قلوب أتباعهم!!
لذلك ليس بمستغرب، أن نجد قائمة طويلة، بأسماء (القنابل البشرية)، التي تنتظر دورها لتفجر نفسها وسط المخالفين لها في المذهب، لأن الجنة ستكون في انتظارهم، يدخلونها بغير حساب، بفتوى إمام أو أمير، مرجيعته هي المصدر الثاني للتشريع!!
حقا … إن (المذهبية)، غشاوة على القلوب، تجعل أصحابها لا يفكرون، ولا يتعقلون، ولا يتدبرون!!
«وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ -ـ- فَأَعْرَضَ عَنْهَا ـ- وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ـ- إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ـ- وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ـ- وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ ـ- فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا»
معلومات:* الفرقة الناجية: وضع الرواة رواية نسبوها إلى النبي، تقول إن أمته ستنقسم إلى ٧٣ فرقة، كلها في النار، إلا فرقة واحدة…، فخرجت كل فرقة من هذه الفرق تقول لأتباعها، نحن الفرقة الناجية!!* جهابذة علم الحديث: هم أئمة ما يُسمى بعلم الحديث، الذين اصطلح أئمة السلف على تسميتهم بالمحدثين، حسب التوجه (العقدي والتشريعي) للفرقة التي ينتمون إليها، والذين ظهروا في القرن الثالث والرابع والخامس الهجري!!
محمد السعيد مشتهري
رابط المقال

(350) 17/6/2015 (بدون عنوان)
عدد المشاهدات : 230
لمزيد من المعلومات عن الشبهات حول “وقت الإفطار”، برجاء الاطلاع على ما نشرته على هذه الصفحة بداية من المنشور بتاريخ ٣٠- ٦- ٢٠١٤

(351) 24/6/2015 (عندما تكون «الفرقة الناجية» خلية نائمة)
عدد المشاهدات : 279
لم يتعلم المسلمون الدرس، بعد أحداث «الفتن الكبرى»، وظلوا يسفكون دماء بعضهم البعض، بسبب انتماءاتهم العقدية، حتى لا تحكم البلاد بعقيدة غير التي عليها الطائفة المنتصرة، وهم بذلك قد أعطوا ظهورهم لتحذير الله لهم من الشرك، إن هم تفرقوا في الدين!!
لقد أصبح المسلمون على شفا حفرة من النار، بعد أن أنقذهم الله منها، وقت أن كانوا معتصمين بحبل الله جميعا، أمة واحدة، لقد تمزقت أوصالهم، وأصبحوا فرقا وجماعات، تدعى كل طائفة أنها المتبعة لكتاب الله وسنة رسوله، وتعتبر المخالف لمذهبها العقدى حلال الدم!!
لقد امتدت أزمة «التخاصم والتكفير» بين المسلمين، وتشعبت جذورها وتفرعت، حتى وصلت اليوم إلي قلب كل مسلم ينتمي إلى مذهب آبائه الديني، العقدي أو التشريعي، الإرهابي وغير الإرهابي، ويعتبر أن مذهبه هو مذهب «الأمة الإسلامية»، وأنه المتحدث الرسمي باسم «الإسلام»!!
لقد شهد تاريخ الصراع المذهبي بين المسلمين، منذ أحداث «الفتن الكبرى» وإلى اليوم، أن القلوب «المسالمة»، التي تشربت أزمة «التخاصم والتكفير»، تتحول إلى قلوب «عدوانية»، عندما تشتعل نار الفتنة المذهبية بين المسلمين، وعندها لن تكون هناك حرمة للدماء!!
لقد شهد تاريخ الصراع المذهبي بين المسلمين، أن أزمة «التخاصم والتكفير»، وما تسفر عنه من تصرفات عدوانية تجاه الآخر، تظل كامنة «خلية نائمة»، حتى يأتي وقت اشتعالها، الأمر الذي يجب أن نراه ببصائرنا، قبل أن نشاهده بأبصارنا!!
فهل كان يُتصور، أن يأتي يوم على العراق، تُهدم فيه بيوت بأكملها، امتزجت فيها دماء الأولاد بمذهبي السنة والشيعة، واستمروا يعيشون في سكن الزوجية في سلام، سنوات وسنوات، حتى اشتعلت «الخلية النائمة»، فهُدمت البيوت؟!
وهل كان يُتصور، أن يأتي يوم في مصر، تتحالف فيه المؤسسات الدينية المختلفة، الرسمية والأهلية، مع نظام جاء إلي سدة الحكم، على أكتاف عاطفة الشعب الدينية، في الوقت الذي يشهد تاريخه، أنه يسعى إلى إقامة دولة الخلافة، على أساس توجهه العقدي، وإن طال الزمن؟!
لماذا لم يتعلم النظام الحاكم في مصر الدرس، بعد أن تبين له حجم الدمار الذي كان ينتظر البلاد والعباد، وراح يسمح لأنصار دولة الخلافة، أن يعيدوا ترتيب أوراقهم من جديد، ليعيدوا الكرة مرة أخرى، تحت رعاية مؤسسات الدولة الدينية؟!!
إنني لا أتحدث عن أزمة يراها كل من له عين يبصر بها، وإنما أتحدث عن جذور أزمة تأصلت في قلوب أتباع الفرق والمذاهب المختلفة، جيلا بعد جيل، ولا يراها إلا من نظر إلى حال المسلمين بعين البصيرة، ليقف على جذور هذه الأزمة، التي تظل «خلايا نائمة»، تلبس ثوب «التقية»، إلى أن يأتي الوقت الذي تثور فيه!!
ولكن هل تعلم، أن أصل هذه الأزمة، هو إيمان كل طائفة، أنها هي «الفرقة الناجية» التي بشرها النبي بدخول الجنة، وأن ما دونها في النار؟!
إن من الروايات المنسوبة إلى النبي، عليه السلام، والتي أصبح يحفظها الصغير قبل الكبير، رواية تقول: «تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة!! وزيد في رواية أخرى: «كلهم في النار إلا ملّة واحدة»، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي»!!
وعلى الرغم من أن بعض أئمة السلف يرى أن في أسانيد هذه الرواية ضعف، إلا أنهم اعتبروها أصلا من أصول الدين، فيقول ابن تيمية: «وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي «الفرقة الناجية»، هم أهل (الحديث والسنة)، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها»!! [مجموع الفتاوى – عبد القاهر البغدادي/ الفرق بين الفرق]
تدبر قول ابن تيمية، وهو يصف المحدثين فيقول: «وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها»!!فإذا أخذنا بهذا الميزان، الذي يُميّز به الفرقة الناجية عن غيرها، ووزنا به المحدثين من الفرق الإسلامية الأخرى، التي ذكرها شيخ أهل السنة والجماعة، الإمام الأشعري (ت٣٣٠هـ) في كتابه «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» لوجدنا كل هذه الفرق ناجية، لأن الآليات التي تُميّز صحيح الحديث من سقيمه، كلها وجهات نظر!!
فما هي هذه الفرق، التي ذكرها الإمام الأشعري في كتابه «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين»، والتي تعتبر كل فرقة منها أنها «الفرقة الناجية»؟!
يقول: «اختلف الناس بعد نبيهم، صلى الله عليه وسلم، في أشياء كثيرة، ضلل فيها بعضهم بعضا، وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينين، وأحزابا متشتتين»!!
ثم قسم فرق المسلمين إلى: الشيعة، الخوارج، المرجئة، المعتزلة، الجهمية، الضرارية، الحسينية، البكرية، العامة، أصحاب الحديث، الكلابية!!
وقسم الشيعة ثلاثة أصناف، وما تفرع عنها من طوائف، وذكر ذلك في (٨٩ صفحة)!!
ثم تكلم بعدها في عشرات الصفحات عن طائفة الخوارج وأصنافهم، ثم تحدث عن فرق المرجئة، وهم اثنتا عشرة فرقة، وبعد ذلك تحدث عن المعتزلة وفرقها، وعن الجهمية والضرارية والبكرية، والحسينية، والعامة …ثم تكلم عن «أهل السنة والجماعة»!!
كان هذا هو حال المسلمين حتى منتصف القرن الرابع الهجري، ونحن اليوم في القرن الخامس عشر الهجري…، أي أن المذهب العقدي والتشريعي الذي تنتمي إليه مؤسسة الأزهر، والذي هو المذهب الأشعري، يرجع إلى القرن الرابع الهجري، وليس إلى ما كان عليه الرسول وصحبه، ولا الخلفاء الراشدون!!
وهنا تكمن الأزمة…، لأنه سيخرج علينا من يقول: إن الأشعري لم يأت بمذهبه من عنده، وإنما هو متبع لما كان عليه الرسول وصحبه والخلفاء الراشدون، وهو (الإسلام الوسط)!!
فهل لا يعلم هؤلاء، أن جميع الفرق التي وصفها الأشعري بالإسلامية، تقول إنها تتمسك بما كان عليه الرسول وصحبه؟!! وهل يعلم الذين يتحدثون عن (الإسلام الوسط)، وعن (الأمة الوسط)، ما هو (الإسلام)، وأين هي (الأمة الوسط)؟!
وهل عندما قال الله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً»، كان المقصود بهذه الأمة (أهل السنة والجماعة)؟! أم المذهب (الأشعري)؟!
هل كان المقصود (الجماعة السلفية) بمساجدها، أم (الجماعة الإسلامية) بمساجدها، أم (أنصار السنة) بمساجدها، أم (الجمعية الشرعية) بمساجدها…، إلى آخر الفرق والطوائف التي ذكرها الإمام الأشعري؟!
هل عندما يرفع أنصار (الفُرقة والمذهبية) سلاح (إجماع الأمة) في وجه المخالف لهم، فماذا يقصدون بكلمة الأمة؟!! هل يقصدون الأمة التي لا وجود لها، أم أمة مذاهبهم العقدية والتشريعية؟!
وإذا كان رسول الله، وهو إمام «الأمة الوسط»، قد شهد على معاصريه، ثم شهد صحابته على معاصريهم، وشهد التابعون…، وكان من المفترض أن تتحرك الشهادة على مر العصور، والمسلمون أمة واحدة، فأين هذه الأمة اليوم؟!
وإذا كان تقصير علماء الفرق والمذاهب المختلفة، في تحمل مسئولية الشهادة على الناس، أمة واحدة، يعتبر معصية لله ورسوله، فيجب أن يكون أول عمل يشغلهم، هو الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله، وذلك بسبب مخالفتهم لـ «السنة النبوية” الكبرى، سنة النبي في الشهادة على الناس!!
إن سفك دم امرئ بغير حق، مهما كانت ملته، ومهما كان توجهه السياسى، عظيم عند الله تعالى، فإذا كان هناك من لا يبالون بعظم هذه الكبيرة، فسفكوا الدماء بغير حق، فعلى النظام الحاكم أن يقتلع الجذور العقدية والتشريعية، التي قامت عليها هذه «الفرق الناجية»، والتي تدفع أتباع كل فرقة إلى تفجير أنفسهم، وسط عشرات الأبرياء، من الفرق الأخرى، وقتل جنود أبرياء، عملهم هو حماية مؤسسات الدولة؟!
إن قتل الإرهابيين لن يقتل الفكر الإرهابي، وعندما نطالب بثورة على الإرهاب، يجب أن نعلم أن هذه الثورة، يجب أن تكون في المقام الأول، ثورة على الأفكار وليس على الأبدان، وعلى جذور المذهبية وليس على ما عُلم منها بالضرورة، وعلى تصحيح مفهوم ثوابت «الدين الإلهي»، وليس ثوابت «الدين المذهبي»!!
إن أزمة التفرق والتخاصم في الدين، بين طوائف المسلمين، متصلة الحلقات، ولن تنفك بالمناورات السياسية، ولا بمبدأ «التقية»، الذي تحاول معظم هذه الطوائف الدينية التجمل به، لإعطاء صورة مشرقة أمام الناس، لتحظى برضاهم وتأييدهم، في الانتخابات البرلمانية القادمة!!
إن المسلمين أمام خطر محو هويتهم، ولن ينجوا من هذا الخطر، إلا إذا خلعوا ثوب الفُرقة والمذهبية التخاصمية التكفيرية، فلن ينفعهم يوم القيامة مذهب آبائهم السني أو الشيعي أو المعتزلي أو الخارجي، وما تفرع عن كل فرقة من هذه الفرق من طوائف متصارعة…، فالسفينة إذا غرقت ستغرق بمن عليها!!
«وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ – فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»

(352) 30/6/2015 (عندما يكون «الرجم» شريعة يهودية، لبست ثوب السنة النبوية)
عدد المشاهدات : 183
يرجع موقفي من «عقوبة الرجم» إلى عام ١٩٧٢م، وقت أن كنت داعياً (سلفيا)، أحمل لطلاب الكليات والمعاهد العليا ثقافة التكفير والتخاصم المذهبي، وأفتي في مسائل الحلال والحرام على أنها أحكام الشريعة الإسلامية، قطعية الثبوت عن الله تعالى….، وكان لي درس يوم الجمعة، بمسجد الجمعية الشرعية الرئيسية، بشارع الجلاء، رمسيس، القاهرة!!
وفي هذا العام، وأثناء انعقاد ندوة التشريع الإسلامي المنعقدة بمدينة البيضاء، ليبيا، خرج الشيخ محمد أبو زهرة على الحضور قائلا: إن الرجم كان شريعة يهودية، أقرها الرسول في أول الأمر، ثم نُسخت بعقوبة الجلد، بعد نزول سورة النور..، وأنه كتم هذا الرأي في نفسه عشرين سنة، وآن له أن يبوح به، قبل أن يلقى الله ويسأله: لماذا كتمت ما لديك من علم، ولم تبينه للناس؟!
لقد أصابني هذا الموقف بالذهول، فقد كنت أرى، كما يرى علماء المسلمين، أن منكر «الرجم» كافر، خارج من ملة الإسلام، فكيف يأتي عالم أزهري، صاحب مدرسة فكرية لها وزنها العلمي، وينكرعقوبة «الرجم»، أمام نخبة من علماء العالم الإسلامي؟!
لقد دفعني هذا الموقف إلى إعادة النظر في تديني الوراثي، ودراسة حجية أحكام الشريعة، في ضوء هذه الخلافات الفقهية، ولقد انتهيت من هذه الدراسة في أوائل الثمانينيات، وظهرت أمامي البراهين الدالة على أن عقوبة «الرجم» مفتراة على الله ورسوله!!
فهل يُعقل، أن تنسخ عقوبة (الرجم)، التي جاءت بـ «رواية مذهبية»، عقوبة (الجلد) التي جاءت بـ «آية قرآنية»، لتصبح ثقافة «الرواية»، حاكمة على فقه «الآية»؟!
وهل يُعقل، أن السورة التي سماها الله بـ (النور)، ووصف آياتها بـ (الآيات البيّنات)، هي التي يُفترى على أحكامها الكذب، ويتحول (نورها) إلى ظلمات، وتتحول (آياتها البيّنات) إلى روايات؟!
وهل يعقل، أن تأتي الآية البيّنة بعقوبة (الجلد)، أي العقوبة (المخففة)، ثم تأتي الرواية المذهبية بـ (القتل)، وهي العقوبة (الأشد)، بدعوى أن الله تعالى فوض رسوله أن يستقل بهذا التشريع؟!
وهل يعقل أن يقول الله تعالى: «اجلدوا»، ثم يقول الرسول: «ارجموا»، بدعوى أن (السنة النبوية) مبينة للقرآن؟!
أليست هذه مؤامرة على الشريعة القرآنية، شارك فيها كل من آمنوا بهذه العقوبة، من الأئمة، والعلماء، والشيوخ، والدعاة، المتقدمين والمتأخرين؟!
فماذا أقول في قوله تعالى، في أول آية من سورة النور:
«سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»
والتي أعقبها الله بقوله:
«الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ»
أولا: لقد تحدثت الآية عن فعل (الزنا)، على إطلاقه، لم تفرق بين محصنة وغير محصنة، ولا بين محصن وغير محصن، فقال تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي»!!
ثانيا: لقد نصت الآية على عقوبة (الزنا)، وهي تحديدا (الجلد)، ولم تتركها لبيان النبي، فقال تعالى: «فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»!!
ثالثا: عندما اشترط الله الإشهاد على العقوبة، وصفها بـ (العذاب)، فقال تعالى: «وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ»!!
رابعا: عند الحديث عن أحكام اللعان، وهي أحكام خاصة بالمرأة التي اتهمها زوجها بالزنا، بيّنت الآية (٨)، أن عقوبة هذه المرأة (العذاب)، المعرف بأل العهدية، فقال تعالى: «وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ…»، إشارة إلى (العذاب) الذي بينته الآية (٢)، وهو (الجلد): «وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ»!!
خامسا: فإذا ذهبنا إلى سورة النساء، وجدنا أن الأمة (المتزوجة) إذا زنت، فعليها نصف عقوبة (الحرة) فقال تعالى: «فَإِذَا (أُحْصِنَّ) فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى (الْمُحْصَنَاتِ) مِنْ الْعَذَابِ»
فإذا (تزوجن) الإماء، فعليهن نصف ما على (الحرائر) من العذاب، أي أن عقوبة (الأمة) نصف عقوبة (الحرة)، خمسون جلدة، وليس «القتل» رميا بالحجارة!!
فمن أين جاء أئمة، وعلماء، وشيوخ، ودعاة المسلمين، أن الزانية (المحصنة) تُرجم؟!
قالوا: جئنا بها من المصدر الثاني للتشريع!! هذا المصدر الذي صنعه أئمة الفرق والمذاهب المختلفة بأيديهم، ووسموه باسم (السنة النبوية)، ليأخذ قدسية في قلوب أتباعهم، وليخدم توجهاتهم العقدية والتشريعية المختلفة، فمن أراد أن يقتل نفسا بغير حق، أخرج من خزانة هذا المصدر ما يبيح له فعل ذلك!!
فإذا سألتهم: وهل يُعقل أن تقتل النفس التي حرم الله بـ (رواية)، والله تعالى يقول: (إلا بالحق)؟!
قالوا: إن مرويات (السنة)، تخصص، وتقيد، وتنسخ، أحكام القرآن، وهذا هو (الحق) الذي نصت عليه الآية!!
فإذا سألتهم: وكيف تنسخ (الرواية) البشرية (الآية) القرآنية؟!
أخرجوا لك من خزانة مصدرهم التشريعي المفترى، القواعد التي صنعوها بأيديهم، ليقيموا عليها أحكام شريعتهم المذهبية، ومنها قاعدة (النسخ) في القرآن، الذي صنّفوه إلى ثلاثة أصناف:
أولا: ما نُسخ تلاوته وحكمه، أي الآيات التي لا وجود لها في المصحف!!
ثانيا: ما نُسخ تلاوته وبقي حكمه، أي الآيات التي لا وجود لها في المصحف، ولكن حكمها باق!!
ثالثا: ما نُسخ حكمه وبقيت تلاوته، أي أن الآيات موجودة في المصحف، ولكن لا يُعمل بأحكامها!!
وبهذه القواعد المفتراة على الشريعة القرآنية، استطاعوا أن يجدوا مخرجا لكل الإشكالات التي تواجه مصادرهم الثانية للتشريع، وما حملته من مرويات، يدّعون أنها (السنة النبوية) واجبة الاتباع!!
فإذا سألتهم: ولماذا لم يُدوّن الصحابة (آية الرجم) في كتاب الله؟! قالوا: لأنها نسخت تلاوة (أي لا تكتب في المصحف)، وبقيت حكما (أي ويبقي حكمها معمولا به إلى يوم القيامة)، وهو الصنف الثاني من النسخ!!
فهل هذه شريعة إلهية؟! هل هؤلاء عرفوا قدر ربهم؟! هل هؤلاء أسلموا وجوههم لله تعالى؟!فإذا سألتهم: وما دليلكم على وجود ما يُسمى بـ (آية الرجم) أصلا؟!
أخرجوا لك من خزانة مرويات (السنة)، ما رواه البخاري ومسلم، عن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب، وهو جالسٌ على منبر رسول الله:
إن الله قد بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه (آية الرجم)، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن (الرجم) في كتاب الله حق، على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البيّنة، أو كان الحَبَلُ، أو الاعتراف!!
فها هم يدّعون أن عمر بن الخطاب، الخليفة الثاني، شهد أن الله أنزل على رسوله (آية الرجم)، وقد قرأها الصحابة…، فإذا بحثت في كتب المرويات، تجد أن (آية الرجم)، جاءت من طريق واحد هو سفيان بن عيينة، الذي قال فيه النسائي في سننه الكبرى: (لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم»، غير سفيان، وينبغي أنه وهم، والله أعلم)
فإذا نظرنا في كتاب الله، فلن نجد لهذه الآية «الشيخ والشيخة…» أي أثر، وإذا كان السبب هو أنها نُسخت تلاوة، فلماذا اختلف المحدثون على صحة متنها اختلافا كبيرا، وقالوا إن (آية الرجم) كانت في صحيفة تحت سرير عائشة، فدخل داجن فأكلها؟! (الداجن: كل مستأنس من حيوان وطير)
إنني لن أضيع وقت القارئ في خلاف (عقيم) حول صحة هذه الرواية، وسأكتفي بنقل ما قاله الشيخ محمد بن صالح العثيمين، عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، عند شرحه لكتاب «زاد المستنقع – كتاب الحدود»، حيث قال:
«إن حكم الرجم مناط بـ (الإحصان)، وليس بـ (الشيخوخة)، كما في الآية المذكورة، فالشاب المحصن يرجم، والشيخ غير المحصن لا يرجم، وإن بلغ من العمر عتيًّا، وهذا لا يفيده ظاهر الآية»!!
فالشيخ ابن العثيمين، يشكك في صحة (آية الرجم)، لمعارضتها لقول عمر بن الخطاب: «وإن الرجم في كتاب الله حق، على من زنى إذا (أحصن) من الرجال والنساء»، فيسأل ما علاقة الشيخوخة بالإحصان؟!
والغريب، أن هناك رواية في صحيح البخاري، عن عبد الله بن أوفى، أنه سُئل عن الرجم، وهل كان بعد نزول سورة النور أم قبلها، فقال: (لا أدري)!!
وعلى فرض أن النبي (رجم)، قبل نزول آيات سورة النور، فيستحيل أن يستمر في (الرجم)، وقد نزلت آيات مبينات، قطعية الدلالة، تنص على أن عقوبة الزنا هي (الجلد)؟!
فماذا أقول في العلماء والشيوخ والدعاة، الذين يؤمنون أن (الرجم) من أحكام (السنة النبوية)، فيسفكون بذلك الدماء بغير حق، في الوقت الذي أراهم يصدرون بيانات الإدانة والشجب، عندما تسفك الجماعات الإرهابية الدماء بغير حق، وكأن القضية تتعلق بهوية القتلة، وليس بأمهات الكتب، التي يأخذ منها القتلة الدليل والفتوى على شرعية أعمالهم الإجرامية؟!!
«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»
معلومات
المحصنة: المحصنة في السياق القرآني تعني إما العفيفة: {والمحصنات مِنَ المؤمنات}، أو الحرة: {فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب}، أو المتزوجة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم … إلى قوله {والمحصنات مِنَ النساء}.
اللعان: يكون بين الزوجين، فيحلف الزوج أربع شهادات بالله أنه شاهد امرأته تزني، ويقول في الخامسة (أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ)، ثم تحلف امرأته أربع شهادات بالله أنه كاذب، وتقول في الخامسة (أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ).

(353) 14/7/2015 (لهذا شق المسلمون عصا الطاعة، وقاتلوا الخلفاء)
عدد المشاهدات : 233
لهذا شق «المسلمون» عصا الطاعة، وقاتلوا «الخلفاء»!!
إن أكبر مصيبة ابتُليت بها التيارات الدينية المختلفة، هي «الانتماء المذهبي»، القائم على «البيعة»، و«السمع والطاعة»، و«الولاء والبراء»، و«الجهاد والخروج في سبيل الله»!!
إن هذه «العقائد المذهبية»، لا علاقة لها أصلا بكتاب الله، ولا بتفعيل النبي لآياته، وإنما ظهرت بعد أحداث «الفتن الكبرى»، ودُوّنت في أمهات كتب الفرق والمذاهب المختلفة، بعد قرن ونصف القرن من وفاة النبي، وأخذت مساحة كبيرة من هذه الكتب، تصل إلى آلاف الصفحات!!
لذلك، فإن المجرم الحقيقي وراء كل الأعمال الإرهابية، التي تحدث في العالم باسم الإسلام، وتحت راية «لا إله إلا الله – محمد رسول الله»، يعيش آمنا، يخاطب الناس على منابر الدعوة، المحلية والفضائية، ويحمل سيف «إنكار السنة»، يضعه على رقاب كل من تسول لهم أنفسهم إنكار هذه «العقائد المذهبية»!!
إن المسلم الذي يفجر نفسه، لا يفعل ذلك من أجل «الإسلام»، وإلا ما فعل!! ولا بناء على فهم واع لآيات الذكر الحكيم، وإلا ما فعل!! وإنما يفعل ذلك من أجل شيء مقدس عنده، وهو «السمع والطاعة» لأمير الجماعة، الذي بايعه على ذلك!!
فإذا سألنا الأمير: كيف تبيح قتل المسلمين بغير حق، والله تعالى يقول:«وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً»؟! أخرج لك من خزانة مصدره الثاني للتشريع، الروايات والفتاوى التي تبيح له ذلك، وطبعا حسب التكييف الشرعي للمذهب العقدي الذي ينتمي إليه، والقائم على عشرات «الأحاديث» المنسوبة إلى النبي، التي تأمر بالطاعة المطلقة للإمام، ومن هذه «الأحاديث»، ما ورد في صحيح البخاري:
١- عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا ميتة جاهلية»!!
٢- عن عجرفة قال: قال سمعت رسول الله يقول: «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جمع، فاضربوه بالسيف، كائنا ما كان».
فتعالوا نفكر سويا: إذا كانت هذه الروايات، قد حملت «السنة النبوية» التي تأمر المسلمين بطاعة الأمراء وولاة الأمور طاعة مطلقة، فلماذا لم يهتد بها كبار الصحابة، ومعهم أم المؤمنين عائشة، ومعاوية الذي كان يملك جيشا من أقوى الجيوش الرادعة…، وتركوا خليفة المسلمين، عثمان بن عفان، يحاصره القتلة أربعين يوما، حتى قتلوه؟!
ولماذا شقت السيدة عائشة عصا الطاعة، وخرجت بجيشها تطالب خليفة المسلمين علي بن أبي طالب بالقصاص من الذين قتلوا عثمان؟! فهل المطالبة بدم عثمان، يمكن أن تكون مبررا شرعيا لاشتعال المعارك الدموية، التي استمرت إلى يومنا هذا؟!
وهل من ماتوا من جيش السيدة عائشة ماتوا ميتة جاهلية؟! وهل إذا ضرب خليفة المسلمين عليّ كل الرقاب التي خرجت عليه، يكون متبعا لـ «السنة النبوية»، حسب ما ورد في هذه الروايات؟!
إذن نحن أمام إشكالات كبيرة وخطيرة، ومنها:
أولا: كيف تشارك أم المؤمنين عائشة، وكبار «الصحابة»، في معارك دموية استمرت أياما، وسُفكت فيها الدماء عمدا مع سبق الإصرار والترصد، ومنهم «مبشرون بالجنة»، والله تعالى يقول: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً»؟!
ثانيا: كيف قبل «المحدثون» مرويات الذين اشتركوا في أحداث «الفتن الكبرى» من الجانبين، ألا يُدخلهم ذلك دائرة «الجرح»، فلا تُقبل شهاداتهم، ولا «أحاديثهم»، حسب ميزان الجرح والتعديل؟!
ثالثا: ماذا ستفعل المؤسسات الدينية الرسمية، مع أمهات كتب الحديث والفقه، التي تحمل هذه الألغام والقنابل الموقوتة: الإمارة – والخلافة – والبيعة – والسمع والطاعة – والجهاد والخروج في سبيل الله… ، وهي «القاتل الرسمي» وراء جميع الأعمال الإرهابية، التي تحدث في العالم تحت راية «لا إله إلا الله – محمد رسول الله»؟!
رابعا: ماذا ستفعل الدولة مع القنوات الفضائية، الذي تستضيف رموز التيارات السلفية، الذين يُدّعمون أزمة «التخاصم والتكفير» بين المسلمين؟! فهل يُعقل أن يخرج علينا أحد أقطاب الفكر السلفي، وعند حديثه عن الصراع بين السنة والشيعة يقول على إحدى هذه القنوات: «إذن نحن أمام صراع سني شيعي، لن يُحل إلا بأمرين: البلاد التي تحكمها أغلبية سنية تعتبر الشيعة زي اليهود والمسيحيين، مواطنون لهم الحق في كل الحقوق…»!!
والغريب، اللافت للنظر، أنه للخروج من هذه الإشكالات الخطيرة، التي تهدد «علم الحديث» بالسقوط من قواعده…، ذهب أئمة السلف إلى آية في سورة الحجرات، ظنوا أنها المخرج من إشكال سفك المؤمنين دماء بعضهم، عمدا مع سبق الإصرار والترصد، وأن ما فعلوه لا يخرجهم من ملة الإسلام، ولا يخلع عنهم صفة «الإيمان»، لأن الله تعالى يقول:
«وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا» – «فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ» – «فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا» – «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»
وبناء على ذلك أخرج «أهل السنة» جميع «الصحابة» من دائرة «الجرح»، ووضعوا أصلا جديدا من أصول الدين اسمه «عدالة الصحابة»، من مسهم بسوء فقد مس أصول الدين وثوابته، يُحكم عليه بالردة، وكذلك فعل «الشيعة»، وقالوا بـ «عصمة الأئمة»!!
فإذا ذهبنا إلى هذه الآية، وتدبرنا سياقها، وجدناها لا تتحدث مطلقا عن معارك دموية، وإنما عن «اقتتال»، أي عن تنازع، عن «خناقة»، قد تستمر ساعات على الأكثر، ولكن ليس أياما، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى حكاية عن موسى، عليه السلام: «فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ»، أي يتعاركان بالأيدي، بدليل أن موسى كان يستخدم يديه لفض هذا الاشتباك!!
صحيح، قد يتحول «الاقتتال» إلى «قتل»، ولكنه في هذه الحالة يكون قتلا خطأً، كما حدث مع موسى: «فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ»، و«الوكز»: هو الضرب باليد بجمع أصابعها!!
إن سياق الآية، لا علاقة له بالقتل العمد، بدليل قوله تعالى: «فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا»، وقوله بعدها: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»!!
ولكن، إذا أصرت طائفة على التوسع في «الاقتتال»، وتجاوزت الحدود: «فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى»، فهنا على الدولة، «الطرف الثالث في الآية»، أن تتدخل: «فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ» – «فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا»!!
إن قوله تعالى «فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا»، دليل على أن «الاقتتال» لم يكن في أصله مواجه بالأسلحة القاتلة، كما حدث في أحداث «الفتن الكبرى»، ذلك أن المؤمنين لا يتعمدون سفك دماء بعضهم أصلا، فالله تعالى يقول: «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا» – «فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا» – «وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ» – «وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا»!!
لذلك، فإن آية سورة الحجرات، لا تصلح مطلقا، أن تكون هي «الشماعة» التي يعلق عليها أئمة السلف والخلف، نتائج أحداث «الفتن الكبرى»!!
لقد كانت نتائج أحداث «الفتن الكبرى»، وراء كل الفتن والمصائب التي فرقت المسلمين إلى مؤسسات وجماعات وأحزاب دينية، حتى أصبح في كل شارع من شوارع البلاد مسجد حاضن للتطرف الديني، يتبع مؤسسة دينية، رسمية أو غير رسمية، الأمر الذي بات يمثل تهديدا حقيقا لأمن البلاد والعباد، بل ولأمن العالم!!
إننا يستحيل أن نقضي على الإرهابيين بالسلاح وحده، فهم يولدون كل يوم في جميع أنحاء العالم، فإذا استطعنا أن نقضي عليهم في بلد، لن نستطيع أن نقضي عليهم في العالم!!
والإرهابيون يستحيل أن يقضوا على الشعوب، إذا آمنت هذه الشعوب أن «الإرهاب» فكر يدخل القلوب، قبل أن يكون جسدا يتحرك بين الناس، وأن هذا الفكر يُقدم للناس على طبق من عسل، بداخله «سم» قاتل، لا يظهر مفعوله إلا بعد عقود من الزمن!!
و«الفكر الإرهابي» يستحيل أن نقضي عليه، دون إصدار تشريعات جريئة، تحاصر منابعه، وتحقق الأهداف التالية:
١- اقتلاع جذور الفكر الإرهابي من أمهات كتب التراث الديني، التي لبست ثوب «السنة النبوية»، لتأخذ قدسية في قلوب أتباع التيارات الدينية المختلفة!!
٢- الرقابة الناجزة على المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية، وعلى المساجد الحاضنة للفكر الإرهابي، والمخترقة من الإرهابيين وأنصارهم، وعلى منابر الدعوة المحلية والفضائية!!
٣- وضع المناهج التربوية، التي تبين حقيقة الإسلام، من الألف إلى الياء، بحيث تكون مناهج رئيسة، تدرس في جميع المؤسسات التعليمية، من الحضانة إلى الجامعة!!
والسؤال: هل تجرؤ المؤسسات الدينية الرسمية، أن تصدر بيانا باسم هيئة كبار العلماء، يعتبر منفذي الأحداث الإجرامية كفارا، خارجين من ملة الإسلام؟!
الجواب: لن تجرؤ!! لأن هذا معناه، حذف آلاف الصفحات التي حملت هذه «العقائد المذهبية» من أمهات كتب التراث الديني، والحكم على «أحاديث» كثيرة بالبطلان، وقد وردت في أصح كتب الحديث، وهذا كله عندهم من المقدس الذي يحرم المساس به!!
لذلك سيبقى الوضع على ما هو عليه، وسيظل «الإرهاب» قائما بيننا، يعيش في سلام وأمان، تحميه المؤسسات الدينية!!
«إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»
معلومات:
* المبشرون بالجنة هم: أبو بكر – عمر – عثمان – عليّ – الزبير – سعد – أبو عبيدة – طلحة – عبد الرحمن بن عوف – سعيد بن زيد، وهذا الخبر ورد في كتب التراث الديني، ولكن أحداث «الفتن الكبرى» تكذبه!!
* حقيقة الإسلام: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» – «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ»، والمرجع الوحيد لبيان حقيقة «الإسلام» هو كتاب الله: «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا»!!

(354) 20/7/2015 (الرسول جمع القرآن وليس أبوبكر وعثمان)
عدد المشاهدات : 225
الرسول جمع القرآن وليس أبوبكر وعثمان
إن المرجعية الرئيسية التي يستقي منها الإرهابيون شرعية أعمالهم، وشرعية سفك الدماء بغير حق…، هي «المصدر الثاني للتشريع»، الذي فتح باب التطرف الديني علي مصراعيه، ليستقي منه الفكر الإرهابي الدموي شرعيته، وليجد من يريد أن يفتري على الله ورسوله الكذب ضالته!!
وإن من افتراء الكذب علي الله ورسوله، الذي حمله هذا «المصدر الثاني للتشريع»، القول إن آيات القرآن لم تُجمع في حياة النبي، وإنما جمعها الصحابة بعد وفاته من على الرقاع، والعسب، واللخاف، والأدم، والأكتاف…، حتى جاء الخليفة الثالث عثمان بن عفان وجمعه الجمعة الأخيرة!!
ولكن لماذا يفترون على الله الكذب، في مسألة تعتبر آية من آيات الله الظاهرة ظهور الشمس في كبد السماء، وهي نصوص «الآية القرآنية»؟! والجواب: لأنهم يريدون إعطاء شرعية لأحاديث المصدر الثاني للتشريع، فذهبوا يقولون: لقد نُقلت الأحاديث بالرواية، وكذلك نُقل القرآن!!
فإذا قلت لهم: ولكن الأحاديث قد آتاها الباطل من بين يديها ومن خلفها، ووصلت إلينا عن طريق «خبر الواحد»، أما القرآن فقد وصلنا بحفظ الله له، دون أن تمسه أيدي البشر؟! قالوا: إذا كانت الأحاديث قد نُقلت عن طريق «خبر الواحد»، فكذلك القرآن نُقل عن طريق «خبر الواحد»!!
إن القول إن الذين نقلوا القرآن، هم الذين نقلوا «الأحاديث»، وإن «الرواية البشرية» يمكن أن تكون حاكمة على «الآية القرآنية»، تنسخها، وتقيدها، وتخصصها، إلى آخر ما هو مفصل في «علوم القرآن»، إن هذا القول مصيبة كبرى حلت بتدين المسلمين، واعتقادهم بوجود مصدر تشريعي غير القرآن، ألبسه أئمة السلف لباس «السنة النبوية» ليأخذ قدسية في قلوبهم، وتُسفك الدماء بغير حق استنادا إلى «رواية بشرية» لها قدسيتها!!
إن إشكاليات «علوم القرآن» تُكتب فيها المجلدات، وسأضرب مثالا واحدا يُبيّن حجم هذهالمصيبة: لقد جعلوا قصة زيد بن ثابت، في جمع القرآن، دليلا على أن القرآن نُقل إلينا بأخبار الآحاد، وهذا ما أثبته البخاري في صحيحه، حيث روى عن زيد قوله: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، ولم أجدها مع غيره، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر.
والسؤال: ما معنى قول زيد بن ثابت، إنه لم يجد بعض آيات القرآن إلا عند رجل واحد هو أبو خزيمة الأنصاري؟! هل يريد أن يُحمل أبي بكر وعمر وحفصة مسئولية ضياع آخر سورة التوبة من مصاحف باقي الصحابة؟! أم يريد أن يثبت أن القرآن نُقل بخبر الواحد، كما نُقلت «الأحاديث»، وبذلك تتساوى حجية «الأحاديث» مع حجية القرآن؟!!
وينقل السيوطي عن الليث بن سعد قال: وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل، وإن آخر سورة براءة لم يجدها إلا مع خزيمة بن ثابت، ذي الشهادتين، فقال: اكتبوها فإن رسول الله جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتب، وأن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده!! [الإتقان في علوم القرآن]
والسؤال: إذن فما المانع أن يأتي المنافقون بشاهدي عدل، على أن ما معهم من آيات «مفتراة» قد كُتبت بين يدي رسول الله؟! وإذا كانت آية الرجم لم تُقبل من خليفة المسلمين عمر، لأنه كان وحده، فلماذا ظلت عقوبة الرجم «سنة نبوية» إلى يومنا هذا؟!
إن الإشكاليات التي وردت في أمهات كتب «علوم القران»، والتي حملها «المصدر الثاني للتشريع»، باسم «السنة النبوية»، لا تقل خطورة عن إشكاليات أمهات الكتب التي حملت الفكر الإرهابي الدموي، فإذا كان الإرهاب يقتل مجموعة من الأفراد، فإن التغييب العقلي التي تحدثه مرويات هذه الكتب يقتل شعوبا بأكملها، وتجعلها في ذيل التقدم الحضاري!!
لقد تعامل أئمة وعلماء السلف والخلف مع القرآن، باعتباره كتابا إلهيا، كالتوراة والإنجيل، بمعزل عن «الآية الإلهية»، التي حملها كتاب الله، والتي جمعت «الآيات الحسية»، التي أيد الله بها الرسل السابقين، ورآها الناس بأعينهم، كعصى موسى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله،… لذلك يستحيل أن يتوفى رسول الله قبل أن تُجمع نصوص «آيته القرآنية» في كتاب، هو نفسه الكتاب الذي بين أيدينا اليوم، وبرهان ذلك ما يلي:
أولا: لقد كان من شدة حرص النبي على أن لا ينسى شيئا من الآيات التي كانت تتنزل عليه، أنه كان يُسرع بإعادة قراءة الآيات أكثر من مرة، فأنزل الله: «لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» – «سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى» – «إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ» – «فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ» – «وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا»
لقد جمع الله تعالى القرآن في قلب النبي، فقال تعالى: «فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ»، ولا شك أنه كان مجموعا أيضا في قلوب كثير من الصحابة، ومع ذلك لم يكتف الله بجمع القرآن في القلوب، وأمر رسوله أن يُدوّنه في كتاب، وهذه سنة الله مع جميع الأنبياء..، فهل يُعقل أن يعصى الرسول ربه، ويترك سور الكتاب للصحابة، يختلفون في جمعها بعد وفاته، ويأتون بالشهداء يشهدون هل هذه الآية من القرآن أم ليست من القرآن؟!
ثانيا: إن اسم الإشارة الذي ورد في قوله تعالى في أول سورة البقرة: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ» جاء في سياقه المحكم، فـ «ذلك» يشير إلى الموضوع القريب، وهو ما نزل من آيات قبل سورة البقرة، وكذلك إلى البعيد، وهو ما سيلحق بها من آيات، كما يُستعمل لبيان علو شأن هذا الكتاب، وأنه في منزلة تجعله بعيدا عن أيدي البشر، لذلك قال تعالى بعدها: «لَا رَيْبَ فِيهِ»!!
إن إطلاق لفظة «الكتاب» على الآيات المنزلة، كالحاضر المشاهد، مع أن الكتاب لم يكن قد اكتمل بعد، يشير إلى ما ستؤول إليه هذه الآيات، وأنها في النهاية ستكون بين دفتي كتاب، يستحيل أن يتوفى النبي ولا يعلم صحابته أوله من آخره، ولا ترتيب سوره!!
ثالثا: إن «الآية القرآنية»، التي جعلها الله دليلا على صدق نبوة رسوله محمد، لا علاقة لها بالماضي، أي لا علاقة لها بأئمة السلف ومصادرهم التشريعية، لأنها ليست خبرا ماضويا ينقله الأموات عن الأموات، كما هي الحال مع «الأحاديث» المنسوبة إلى النبي، وإنما هي آية يراها الناس حاضرة أمامهم اليوم وليس الأمس، فنحن عندما ننظر إلى «آية الشمس»، هل ننظر إليها بمنظار الأمس!!
إن «الآية القرآنية» ليست «آية حسية» يراها الناس تمشي على الماء، وتسبح نصوصها في الهواء…، وإنما هي «آية عقلية»، تراها القلوب، عن طريق تفعبيل «العلماء» من كل التخصصات العلمية، لآليات عمل القلب: آليات التفكر والتعقل والتدبر والنظر!!
إن الدين الإسلامي الذي ارتضاه الله للناس جميعا: «وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا»، والذي لن يقبل الله غيره: «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ»، هو دين «الآية القرآنية»، وليس دين «الرواية البشرية»: «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ»!!
إن «الخطاب الديني»، الذي أمر الله الناس باتباعه، هو خطاب «الآية القرآنية»، وليس خطاب «الرواية البشرية»، لذلك فإن أزمة الخطاب الديني، المثارة على الساحة الفكرية والسياسية اليوم، ليست أزمة تجديد ولا تطوير ولا تنقية للخطاب الديني، هذا الخطاب القائم على «المصدر الثاني للتشريع»، للفرق والمذاهب المختلفة، وإنما هي أزمة «تأصيل الخطاب الديني»، وفصل «الخطاب الإلهي» عن «الخطاب البشري»!!
لقد قضيت معظم عمري أفكر، أبحث، أدرس، أكتب، أتكلم…، فتعلمت أن الإسلام منظومة متكاملة، «علم + عمل»، وأن العلم يجب أن يتحول إلى عمل، وكلما اقتربت من دائرة العمل، وتفعيل «أحكام الشريعة القرآنية» بين الناس، هجرني البعض…، فإذا أردت تفعيل ما أمر الله به من «ملة الوحدانية» هجرني الكل، إذن فمتى نحول العلم إلى عمل، بما يرضي الله تعالى، دون أن يهجرنا أحد؟!
عندما تُسفك الدماء بغير حق باسم الإسلام، والمسلمون يقفوف متفرجين بدون عمل، وعلماؤهم وشيوخهم يكتفون بإصدار بيانات إدانة الإرهاب، وهم الذين صنعوا الإرهابيين بأيديهم، بتقديسهم لأمهات الكتب التي يستقي منها الإرهابيون شرعية أعمالهم الإجرامية، إذن فلا تحدثني عن «الإسلام»، ولا عن «العلم»، ولا عن «العمل»، وإنما حدثني عن «المنافقين»، الذين يقولون ما لا يفعلون، لذلك ميزهم الله بميزة خاصة في جهنم، فقال:
«إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا»!!
معلومات:
* الرقاع: جمع رقعة وهي القطعة من النسيج أو الجلد، والعسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل، واللخاف: جمع لخفة وهي صفائح الحجارة الرقاق، والأدم: جمع أديم وهو الجلد المدبوغ، والأكتاف: جمع كتف وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان.
* زيد بن ثابت: شارك مع رسول الله في معاركه، بداية من غزوة الخندق، سنة خمس من الهجرة، وشهد غزوة تبوك، وكان من كتبة الوحي، وأحد أصحاب الفَتْوى الستة، توفي عام ٤٥هـ.:

(355) 24/7/2015 (كيف تكون المرأة «زوجة» عند الله، و«مطلقة» عند أئمة السلف؟)
عدد المشاهدات : 190
كيف تكون المرأة «زوجة» عند الله، و«مطلقة» عند أئمة السلف؟!!
إن قرار الطلاق قرار مصيري، لا يقوم على انفعالات، تصحبها «أيْمان»، تخرج على اللسان، في لحظة انفعال طارئة، وإنما على الفهم الواعي لحقيقة الزواج، وأنه آية من آيات الله، يجب أن تعيش في وجدان الزوجين، فلا تنفك عرى الزوجية إلا والزوجان في أعلى درجات اليقظة، والهدوء والسكينة.إن قرار الطلاق ليس قرارا فرديا، وإنما هو قرار المؤسسة المعنية بشئون الطلاق، بعد فشل محاولات الإصلاح، ،انتهاء فترة «العدة»، وبعد بحث أسبابه الاجتماعية والنفسية والمالية، وهذا ما بينته الشريعة القرآنية، فيما يتعلق بهذا القرار المصيري، بتوجيه الخطاب إلى رسول الله محمد، عليه السلام، بصفته ولي أمر المسلمين، فقال تعالى في سورة الطلاق: «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ…».إن ضمير الجمع في قوله تعالى: «إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ»، وما بعده من الضمائر: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ»، «وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ»، يُبيّن مدى القيود التي فرضتها الشريعة القرآنية على قرار الطلاق، لتضييق دائرته إلى أقصى درجة!!إن كلمة «إذا»، في قوله تعالى: «إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ»، تتعلق بإرادة الطلاق، ثم جاءت جملة «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» لتبين متى يقع الطلاق، إذ لا معنى لتحقق الطلاق بعد وقوعه، فهو كقوله تعالى: «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ…»، أي إذا أردتم الصلاة فاغسلوا…، ومعلوم أن وقوع الصلاة يكون بعد الوضوء وليس قبله، ولذلك يجب أن نفرق بين إرادة الطلاق، وتوقيت وقوعه.أولا: «إرادة» الطلاق، وعلى أساسها يبدأ إحصاء العدة، وخلال فترة العدة قد يُغير الزوج موقفه من هذه الإرادة، وتعود المياه إلى مجاريها، ويتوقف الإحصاء، ولا «يقع» الطلاق، لأن الله تعالى يقول في سورة البقرة: «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا».والبعل: اسم زوج المرأة الذي من حقه ردها، وكلمة «بِرَدِّهِنَّ» تعني إلى الحالة التي كانت عليها قبل بدأ العدة، وقوله تعالى «فِي ذَلِكَ»، أي في فترة العدة «إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا»، فتعود الحياة الزوجية إلى ما كانت عليه، ولا تُحسب «إرادة» الزوج طلقة، لأنه ردّ زوجته قبل وقت «وقوع» الطلاق.ثانيا: «وقوع» الطلاق، يقع الطلاق بعد فشل محاولات الإصلاح، وانقضاء فترة العدة، لقوله تعالى: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ»، فاللام في كلمة «لِعِدَّتِهِنَّ»، تدخل على فترة زمنية لها بداية ونهاية، كقوله تعالى: «وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا»، ولقد بيّن الله هذا الميقات بقوله: «فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»، أي أن الميقات انتهى بانتهاء الأربعين ليلة. كذلك فإن ميقات عدة المرأة ينتهي بانتهاء القروء الثلاثة، قال تعالى في سورة البقرة: «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ»، وقد سماهن الله مطلقات قبل انتهاء القروء الثلاثة، وذلك بالنظر إلى ما سيؤول إليه حالهن في نهاية العدة، ولأنهن بدأن السير في الإجراءات التي توصل في النهاية إلى الطلاق، كما نطلق كلمة «مسافرات» على من بدأن إجراءات السفر!!ولذلك فإن الطلاق لا يقع إلا في نهاية ميقات العدة، لقوله تعالى: «فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ». إن قوله تعالى: «فَأَمْسِكُوهُنَّ» يُبيّن أن الزوج قبل انتهاء العدة مازال يُمسك بزمام العلاقة الزوجية، لم يطلق زوجته بعد، وقوله تعالى «أَوْ فَارِقُوهُنَّ» يُبيّن أن الزوج عليه أن «يوقع» الطلاق بعد انقضاء العدة!!ثالثا: عدة المرأة، إن عدة المرأة ثلاثة قروء، والقَرْء: هو الفترة بين الطهر والحيض فتكون عدة المرأة: «طهر ـ- حيض»، يليه «طهر ـ- حيض»، يليه «طهر ـ- حيض»، ومعلوم أن براءة رحم المرأة تحصل بقرء واحد، فلماذا الانتظار ثلاثة قروء؟! ذلك لإعطاء الزوجين والمؤسسة المعنية بشئون الطلاق، مزيدا من الوقت للإصلاح بين الزوجين، فإذا انقضت فترة العدة تصبح المرأة «طالقا» طلاقا رجعيا، يرجع إليها مطلقها بعقد جديد.رابعا: «وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ»، لقد أمر الله بإحصاء العدّة للمحافظة على حقوق الزوجين، ولا يُترك هذا الإحصاء لهما فقط، فعلى المؤسسة المعنية بشئون الطلاق أن تسجل موعد بداية العدة، وموعد نهايتها لأن المطلقة بعد انتهاء عدتها تنقطع عنها النفقة، وتستطيع أن تتزوج فور طلاقها!!خامسا: «لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ»، إن المرأة في فترة العدة مازالت زوجة، لها حقوقها الزوجية، فإن ماتت يرثها زوجها، والعكس، فمن الخطأ الكبير أن تترك الزوجة بيتها، فتتدخل أطرف أخرى، فتتسع دائرة الخلاف!!إن استخدام السياق القرآني لكلمة «بُيُوتِهِنَّ»، يُبيّن كيف تحافظ الشريعة القرآنية على كرامة المرأة وحقوقها، وأن وجودها في بيتها قد يُحدث تحولا إيجابيا في العلاقة بينها وبين زوجها، والله تعالى يقول في نفس السياق: «لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا»!!سادسا: «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ»، لقد أمر الله الزوجين، والمؤسسة المعنية بشئون الطلاق، الإشهاد على كل القرارات التي يتخذها الزوج، سواء كان ذلك عند بداية إحصاء العدة، أو في حالة ردِّ الزوجة، أو عند إيقاع الطلاق في نهاية العدة، وكل ذلك حرصا على حفظ وتوثيق حقوق الزوجين.إنّ قوله تعالى «وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ»، يُبيّن وجوب أن يقيم الشاهدان الشهادة على أكمل أحوالها، كما يفعل من يريد إقامة شيء ليصير واقفاً بنفسه، غير محتاج إلى ما يدعمه!!ومع هذا البيان الواضح، وهذا الشرط القطعي الدلالة «وَأَشْهِدُوا» ، «وَأَقِيمُوا»، نجد جمهور الفقهاء لا يشترطون الإشهاد على الطلاق!!لقد تعدى أئمة السلف والخلف على أحكام الشريعة القرآنية، باتخاذهم مرويات وفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، فهدموا أسرا بأكملها، بدعوى اتباع «السنة النبوية»، والله تعالى يقول في أول سورة الطلاق: «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ»، ويقول في سورة البقرة، في سياق بيان أحكام الطلاق: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»!!إن حدود الله قد بيّنها الله في كتابه، فقال تعالى بعد بيان أحكام الطلاق في سورة البقرة: «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»، لذلك فإن كل حكم فقهي، جاء خارج حدود النص القرآني، فليس حجة في دين الله، وإن أجمع عليه الناس جميعا، وأصبح عرفا سائدا بينهم!!لقد قسم أئمة المذاهب الفقهية الطلاق إلى ثلاثة أنواع: «سني»، و«بدعي»، وما ليس بـ «سني ولا بدعي»، ثم قسموا الطلاق «السني» إلى سني حسن وسني أحسن، وقسموا »البدعي« إلى حرام ومكروه، إلى آخر ما مُلئت به آلاف الصحف من الأصول العقدية والتشريعية، ومسائل الأحكام، والتفريعات على المسائل، والتفريعات على التفريعات، والفتاوى…، هذه المنظومة الفقهية التي من أراد أن يقف عليها، فعليه أن يسبح في بحر وصفه الله بقوله:«أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ»!!ومن عينة هذه الظلمات، مما أجمع عليها جمهور الفقهاء:– ـ إذا طلق الزوج امرأته وهي حائض، أو نفساء، أو في طهر جامعها فيه، يكون قد ارتكب محرما واثما كبيرا، إلا أن الطلاق يقع وتُحسب طلقة!! والحقيقة أن الطلاق لا يقع، ولا تُحسب طلقة، حسب ما ورد في الشريعة القرآنية!!– ـ إذا طلق الزوج امرأته ثلاثا دفعة واحدة، فقال لها: «أنت طالق ثلاثا»، أو كرر لفظ «أنت» ثلاث مرات، وقال: أنت طالق . أنت طالق . أنت طالق، فلا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، حتى ولو كان لا يقصد بالثلاثة أن تكون بائنة منه بينونة كبرى!! والحقيقة أن الطلاق لا يقع، لا بينونة صغرى ولا كبرى، حسب ما ورد في الشريعة القرآنية!!– ـ إذا تلفظ الزوج بكلمة الطلاق، ولم يكن ينوي الطلاق، سواء كان لغوا أو تمثيلا أو تهديدا…، فإن الطلاق يقع، حتى ولو لم يقصد وقوعه!! فقد تتعود الزوجة أن تخرج من بيتها دون إذن زوجها، فإذا كره الزوج منها ذلك، وأراد تهديدها، فقال لها: «إن خرجت من البيت بغير إذني فأنت طالق» ثم خرجت، وقع الطلاق!! والحقيقة أن الطلاق لم يقع، حسب ما ورد في الشريعة القرآنية!!وخلاصة القول: أن من «أراد» أن يطلق امرأته، عليه أن ينتظر حتى تطهر، ويبدأ في إحصاء العدة، فإن أراد ردّها أمسكها قبل انتهاء العدة، ولا تُحسب هذه الإرادة طلقة، وإن أصر على طلاقها ففي نهاية العدة «يوقع» الطلاق، وهنا تُحسب طلقة، ويُشهد على ذلك كله شاهدي عدل، ويوثق ذلك عن طريق المؤسسة المعنية بشئون الطلاق.معلومات:* الأيْمان: إن معظم المذاهب الفقهية جعلت «الأيْمان» طلاقا، حتى ولو كانت لغوا، فهدموا أُسرا بغير حق، انتصارا لمذاهبهم، واتباعا لأهوائهم، والله تعالى يقول: «لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ»!!

(356) 28/7/2015 (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)
عدد المشاهدات : 219
يعتقد البعض، أن معنى «الإحسان» في سياق قوله تعالى في سورة الإسراء: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا» لا يعني طاعتهما، وأنه لا يوجد نص في كتاب الله يأمر الأبناء بطاعة الوالدين، وإنما «الإحسان» إليهما فقط …، لذلك وجب البيان.
لقد ورد الأمر بالإحسان إلى الوالدين في ثلاثة مواضع: (البقرة ٨٣ – النساء ٣٦ – الأنعام ١٥١) دون بيان لمعنى الإحسان المقصود في سياق هذه الآيات، ثم جاء هذا البيان في سياق (الآية ٢٣) من سورة الإسراء فقال تعالى:
«وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا – إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا – فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا – وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»
إن قوله تعالى: «فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا» يُبيّن أنه يستحيل أن تكون هذه التصرفات من الأبناء بدون سبب، أكيد بسبب طلب أراده الأب أو الأم من الأبناء، فجاء رد فعلهم سيئاً، لذلك حملت هذه الجملة القرآنية الأمر الحاسم للأبناء، بوجوب عدم إظهار أي ضيق أثناء تنفيذ هذا الطلب، وبيان أن طاعة الوالدين في تنفيذ أوامرهم طاعة مطلقة، باستثناء حالة واحدة فقط، نص عليها القرآن صراحة، وهي قوله تعالى في سورة العنكبوت:
«وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ (حُسْنًا) – وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ – (فَلَا تُطِعْهُمَا) – إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ».
وقوله تعالى في سورة لقمان:
«وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (فَلَا تُطِعْهُمَا) وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا»
إن قوله تعالى: «فَلَا تُطِعْهُمَا» هو البرهان القطعي الدلالة، على أن الأصل هو طاعة الأبناء الوالدين طاعة مطلقة، وأن الاستثناء من هذه الطاعة هو حالة الدعوة إلى الشرك!!
إن قول الله تعالى في سورة الإسراء: «وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»، وقوله تعالى في سورة لقمان: «وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا»، يُبيّن أن «الإحسان» مرتبة أعلى من «الطاعة»، فقد يطيع الأبناء الوالدين مكرهين، فأمرهم الله أن يتذكروا ماذا فعل الوالدان من أجلهم، لتأتي الطاعة عن حب، فيصاحبها القول الكريم، والصحبة بالمعروف!!
إذن، فموقف الأبناء من الوالدين يبدأ بالطاعة المطلقة لهما، باستثناء الدعوة إلى الشرك، ثم «الإحسان»، ثم تأتي المرتبة الأخيرة وهي «البر»، وهي مرتبة تصل إليها القلوب بتقوى الله، إذا أخلصت دينها لله تعالى، قال تعالى عن يحي عليه السلام: «وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا»، إن هذا «البرور» بوالديه، كان ثمرة «التقوى» التي أشارت إليها الآية قبلها: «وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا»!!
وإن مما يزيد الأمر وضوحا، ويؤكد أن طاعة الوالدين فريضة شرعية على الأبناء، قوله تعالى مبينا مفهوم «البر» عند يحي عليه السلام، من حيث الطاعة والمعصية: «وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا»!!
(357) 29/7/2015 (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، ثم وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)
عدد المشاهدات : 226
كشف منشور الأمس «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا»، عن خلل كبير في منظومة تدبر القرآن، عند أصحاب القراءات القرآنية الشاذة، الذين سبق أن قلت إنهم أشد خطرا على الإسلام من السلفيين، وذلك لجهلهم بعلم توظيف «اللسان العربي» في «سياقه القرآني»، وسأضرب مثالا على ذلك، وهو قول الله تعالى:
«وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا» – «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا»
أولا: عندما يكون الأصل الأول من أصول الشريعة القرآنية هو الطاعة المطلقة لله تعالى «أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ»، ثم يأتي الأصل الثاني معطوفا على الأول بواو العطف «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا»، فلا يُعقل أن نفهم من ذلك، أن «الإحسان»، في هذا السياق، يعنى ألا نطيع الوالدين، وإنما (نخدهم على أد عقلهم)، ونعمل احنا إلي في دماغنا…، هو انت فاكر إنك لما تضحك على نفسك، حتضحك على ربنا؟!
ثانيا: عندما يقول الله تعالى: «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا» فهل هذا يعني أن قبل بلوغ الوالدين الكبر، يحل للإبن أن يقول لهما «أف» و«ينهرهما»؟! تصوروا … هكذا يفهم أصحاب القراءات الشاذة السياق القرآني، ويقولون نعم يحل للأبناء ذلك لأن الله قيّد هذا الحكم التشريعي ببلوغ الكبر!!
ثالثا: وبناء على ثانيا، فعندما يقول الله في سورتي العنكبوت ولقمان، في سياق الحديث عن نهي الأبناء عن الشرك بالله، فيقول تعالى: «فَلَا تُطِعْهُمَا»، فهل يُفهم من هذا النهي، عدم طاعة الوالدين مطلقا، أم فقط في حالة الشرك؟!
الجواب: فقط في حالة الشرك، نفهم من ذلك أن الأصل هو الطاعة المطلقة، ولقد ذكرت ذلك في المنشور السابق عندما قلت: «إن قوله تعالى: «فَلَا تُطِعْهُمَا» هو البرهان القطعي الدلالة، على أن الأصل هو طاعة الوالدين طاعة مطلقة»، وأزيد فأقول: إن معصية الوالدين كبيرة من الكبائر!!
رابعا: عندما يُبيّن الله مفهوم «الإحسان» في سياق تشريع حقوق الوالدين، فيقول: «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا»، ثم يُعقب بـ (الفاء) الرابطة لجواب الشرط فيقول: «فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا»، ثم يقول: «وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»، فهنا يجب أن نقف على الحكمة من هذا البيان، وهل هذه الحقوق عند بلوغ الكبر فقط؟!!
إن بلوغ الكبر يصاحبه مشقة القيام برعاية شؤون الوالدين، وخاصة الاستجابة لطلباتهما، وهذه مسألة لا تحتاج مني إلى بيان!! فإذا كان الله قد أمر الأبناء برعاية حقوق الوالدين عند بلوغ الكبر، مع ما في ذلك من مشقة كبيرة عليهم، فيستحيل أن يأمرهم بذلك وهم لم يتربوا عليه أصلا، ولم يتعودوا فعله طوال حياتهم الأسرية!!
إن التعقيب بـ (الفاء) الرابطة لجواب الشرط، في قوله تعالى: «فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا» يُبيّن بالدلالة القطعية، أن مجرد التضجر، الذي تعنيه كلمة (أف)، والذي أدناه الأذى باللسان، يُفهم منه، بطريق فحوى الخطاب بالأوْلى، النهي عن معصيتهما أصلا، وذلك بعدم تنفيذ طلباتهما، لذلك عقب بعدها بقوله «وَلَا تَنْهَرْهُمَا»، ويستحيل أن يكون ذلك عند بلوغ الكبر فقط!!
خامسا: ثم يُبيّن الله تعالى بعد ذلك الحكمة من أن يأتي الأمر برعاية حقوق الوالدين بعد الأمر بوحدانيته مباشرة، فيقول تعالى:
«وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا»
عندما يأمر الله الأبناء بالتواضع للوالدين تواضعاً يبلغ حد (الذل)، فماذا يعني هذا الأمر؟! وكيف يُحقق الأبناء ذلك عمليا ونفسيا، عند بلوغ الوالدين الكبر؟!
إن الوالدين يريدان دائما أن يكونا هما مصدر العطاء لأولادهم، ويعز عليهما أن يعجزا عن ذلك عند بلوغ الكبر، وهذا الضيق النفسي الذي يشعران به، لا يزول إلا عندما ينطلق هذا (الذل) من قاعدة «الرحمة» التي تشربتها قلوب الأولاد، ثمرة التربية الصالحة، التي شارك فيها الوالدان، والتي أثرت في قلوبهم، فدعوا الله لهما بالرحمة: «وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا»!!
إن الذي يعصى والديه، سيجني ثمرة هذه المعصية في الدنيا قبل الآخرة، حتى ولو كانوا مشركين، لأنك منهي عن طاعتهما في الشرك فقط، وما عدا ذلك: «وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفً»!!
إن المصالح الدنيوية لا تقاس ولا تقارن بحقوق الوالدين، لذلك عليك أن تسعى لإرضائهما بطريقة أو بأخرى، لتحقيق ما ترى أن فيه المصلحة، وأن تعلم أنك «مُبتلى»، وأن نجاحك في اجتياز هذا الابتلاء متوقف على مدى «تقواك»: «وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا» – «وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» – «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ»!!
إن أحكام الشريعة القرآنية ليست مسئولة عن فساد منظومة تربية الأولاد، الذين هم آباء وأمهات المستقبل، ولا عن فساد منظومة الزواج، فلا يعرف الزوج (المرأة أو الرجل)، حقوق الوالدين، ولا حرمة تقطيع الأرحام…، ولذلك فنحن في أشد الحاجة إلى إعادة بناء إيمانا حسب ما أمرت به الشريعة القرآنية، ويومها سيعرف كل ذي حق حقه!!
وأخيرا أقول:
إن تدبر القرآن، يستلزم منهجية علمية، تحمل أدوات لفهم القرآن، في مقدمتها: علم «اللسان العربي»، وعلم «السياق القرآني»!!
إن معرفة الفروق اللسانية بين معاني الكلمات (كالفرق بين الطاعة والإحسان) لا قيمة لها، إذا لم تُوظف هذه المعرفة توظيفا صحيحا في «سياقها القرآني»!!
إن الأصدقاء الذين يمرون على هذه الصفحة مرور الكرام (ترانزيت)، برجاء أن يحاولوا فهم مشروعي الفكري، وما يحمله من أدوات لفهم القرآن، حتى لا تأتي تعليقاتهم عشوائية، تحمل كلاما مرسلا، لا علاقة له بالمنشور!!
(358) 2/8/2015 (يسأل الصديق بدر حداد)
عدد المشاهدات : 204
«أمي لا تريد أن أتزوج، وفي حالة تزوجت تريد أن أطلق، ماذا أفعل؟!» ويقول: ابن إبراهيم أطاع أباه في ما يرضي الله، أعطني أباً مثل إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وأنا أطيعه طاعة عمياء؟! أما الآن رضا الوالدين يكمن في المال، أعطيت المال فأنت بار، حتى ولو كان من الحرام، أليس هذا شرك بالله حب المال أكثر من الله»؟!!
أقول: هناك حقائق يجب أن نعلمها قبل الإجابة على هذه الإشكاليات:
أولا: أن الشريعة القرآنية ليست مسئولة عن فساد منظومة تربية الأولاد (الذين هم آباء وأمهات المستقبل)، فإذا حدث عقوق من أحد الجانبين تجاه الآخر، فالمسئولية تقع على التربية وليس على الشريعة!!
ثانيا: عندما يطلب الوالدان من الأبناء شيئا، فهذا الطلب إما أن يواجه بطاعة أو بمعصية، والطلب الوحيد الذي رخص الله للأبناء معصية الوالدين فيه هو الشرك بالله، وهذا يعني وجوب الطاعة في كل طلب باستثناء الشرك!!!
ثالثا: لقد وصل النهي عن معصية الوالدين إلى درجة تحريم النطق بكلمة «أف»، أي إشعارهما بالتضجر من طلباتهما (حتى في حالة شركهما)، فلم يقل الله للأبناء: اهجروهما وشوفوا مصالحكم الدنيوية، أو أحسنوا إليهما بوضعهما في دار للرعاية وريحوا مخكم…، لا، قال: «وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا»، أي حسب ما هو معروف في رعاية حقوق الوالدين!!
رابعا: إن نسبة الأمهات والآباء الذين يقفون عقبة في سبيل تعليم وزواج وتقدم أبنائهم، نسبة شاذة لا تكاد تذكر، ومرجعها أصلا إلى التربية، وليس إلى الشريعة القرآنية، فهل من الطبيعي أن يرضى الوالدان المؤمنان العاقلان بالمال الحرام دليلا على إحسان الأبناء إليهما؟!
خامسا: إن مثل هذه التحديات، التي أثارها بعض أصدقاء الصفحة، ردا على موضوع «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا»، هي في حقيقتها حالات شذت عن النظام الاجتماعي المتوازن الذي قام عليه هذا الوجود البشري، وعن منظومة بر الوالدين على مر العصور..، وذلك ثمرة غياب التربية الصالحة للأبناء، الذين هم آباء وأمهات المستقبل، فتدبر:
«وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» – «وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا»
سادسا: إن علينا أن نتعامل مع مثل هذه التحديات باعتبارها «إبتلاءً» يجب على الأبناء إدارته بسياسة وحكمة، فالله لم يجعل الزواج فريضة، علينا أن نعصي الوالدين من أجلها، ولكنه جعل مقام «الإحسان» إلى الوالدين فريضة، وأصلا ثانيا من أصول الشريعة القرآنية بعد الوحدانية!!
«وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا» – «وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» – «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ».
(359) 3/8/2015 (الأطفال مأمورون بطاعة الوالدين قبل بلوغ الحلم)
عدد المشاهدات : 206
يعتقد البعض أن الولد قبل بلوغ النكاح غير مكلف بأحكام الشريعة، فله أن يلهو ويلعب ويتعامل مع الإنترنت دون أي ضوابط شرعية، ولا يصلي ولا يصوم لأنه لم يبلغ الحلم، ويصفع أبويه على وجههما، ويشتمهما، والكل يضحك وسعيد لأن الولد كبر، ويغضب ويبكي إذا لم تنفذ طلباته فورا فيتم تنفيذها، ويشاهد العورات على التلفاز أو على الأجهزة المحمولة…، إلى آخر ما تشهد به منظومة التربية الفاسدة، التي أصبحت هي السمة المميزة لمعظم بيوت المسلمين، وغير المسلمين!!
أما الشريعة القرآنية، فلا تنتظر حتى يبلغ الطفل الحلم، ثم بعد ذلك تكلفه، هذا الفهم غير صحيح على الإطلاق، وإنما تقوم بإعداد الطفل وتربيته منذ الصغر على طاعة الله تعالى، وطاعة الوالدين القائمين على تنفيذ شريعة الله بينهم!!
لقد وضعت الشريعة القرآنية القاعدة التي تقوم عليها مناهج تربية الأطفال منذ الصغر، ولم تنتظر حتى بلوغهم الحلم حتى تكلفهم، وجعلت هذه القاعدة تتعلق بأخطر قضية أخلاقية تهدم منظومة القيم في أي مجتمع تحل فيه، وهي قضية (العورات)، فهل يُعقل أن تحرم الشريعة القرآنية أن ينظر الأولاد إلى عورة الوالدين، وهم لم يبلغوا الحلم بعد؟!
نعم …، يحرم على الأولاد (الذين لم يبلغوا الحلم) النظر إلى عورة الوالدين، أو إلى أي سلوكيات تتعلق بالعلاقة الزوجية الحميمة الخاصة، ولكن هذا التحريم موجه في الأصل إلى الوالدين، لتنشئة أطفالهم عليه منذ الصغر، فقال تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»
فهذا حكم تشريعي، يأمر الوالدين بتعليم أطفالهم (الذين لم يبلغوا الحلم)، أي الذين لم يُكلّفوا بعد، تعليمهم آداب الاستئذان، وأنه لا يصح أن يدخلوا عليهما حجرة نومهما بدون استئذان، في هذه الأوقات:
«مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ»
وهذا معناه، وفي سياق أصول التربية المنطلقة من هذا الحكم الشرعي، أن على الوالدين تربية الأولاد على ذلك، وبيان أن هذا الفعل لا يصح، لأن الله حرّمه، بأسلوب ولغة يدركها الطفل في هذا السن، وبذلك نعلم حكمة التشريع القرآني في حماية الأولاد من رؤية ما قد يصيبهم بأمراض نفسية وعصبية يصعب شفاؤهم منها، كما قرر ذلك علماء النفس!!
إن هذه الآية، وما حملته من حكم شرعي، وفي إطار علم السياق القرآني، تعتبر تأسيسا لمنهج تربوي للأطفال، على الالتزام بأحكام الشريعة القرآنية، بوجه عام، فإذا ما بلغ الطفل النكاح، واكتمل رشده، أدرك النعمة التي تربى في منظومتها، وفي إطار ذلك يقول الله تعالى:
«وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» – «وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا»
(360) 4/8/2015 (مزيد بيان (أخير)، فيه فائدة للمتدبرين)
عدد المشاهدات : 189
بعد عرض مزيد من البراهين القرآنية، الدالة على أن طاعة الأبناء للوالدين فريضة قرآنية، وذلك قبل بلوغ الحلم، استنادا إلى قوله تعالى:
«لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»
وافقنا المختلفون على أن طاعة الوالدين (واجبة) حتى بلوغ الحلم، ولكنهم جعلوها محصورة فقط في ما قبل البلوغ، أما بعد البلوغ، فلا مانع من أن يرمي الأولاد الوالدين في الشارع، ثم يمُرّون عليهما كل كام يوم، يعطيهما بعض المال والمأكولات، من باب الإحسان، كالإحسان إلى الفقراء والمساكين، لأن الله لم يأمر إلا بالإحسان إليهما فقط!!
الحقيقة، أن هذه مصيبة، من مصائب أصحاب القراءات الشاذة للقرآن، الذين يُقحمون أنفسهم في استنباط أحكام الشريعة القرآنية، دون دراية بالمنهجية العلمية التي أمر الله باتباعها لفهم واستنباط أحكام القرآن، والتي تقوم على «منظومة التدبر»!!
لذلك غاب عن هؤلاء، أن الله تعالى قال بعدها:
«وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»
فقوله تعالى: «وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ» يتحدث عن أحكام الشريعة الخاصة بالأولاد بعد بلوغهم الحلم، ثم قوله تعالى بعدها: «فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ» فعل أمر دال على وجوب طاعة الوالدين بعد بلوغ الحلم، حتى لا يفهم البعض أن الأمر بطاعة الوالدين ورعاية حقوقهما، تنتهي فاعليته عند بلوغ الأولاد الحلم!!
والسؤال: لماذا أمر الله الوالدين بتربية أطفالهم على الطاعة منذ الصغر، وقبل بلوغ الحلم؟!!
الجواب: لأن النفس إذا لم تترب في الصغر، على القيم والمبادئ والأخلاقيات، والأحكام التي حملتها الشريعة القرآنية، فلا تسألني: أين البيت المسلم، المؤمن، الذي يعيش في نور الآيات القرآنية وهدايتها؟!!
إن النفس يجب أن تتربى (منذ الصغر) على الالتزام بأحكام الشريعة القرآنية، فيكبر الطفل وهو ملتزم بهذه الشريعة الإلهية، فإذا بلغ الوالدان الكبر: «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا»، وكثرت طلباتهما، وثقلت أعباؤهما، وزادت إشكالياتهما…، فلا يجد الأولاد صعوبة في تحمل ذلك: «فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا»!!
إن الإبن الذي يستطيع أن يملك زمام مشاعره، حتى لا يصدر منه تصرف يفهم منه الوالدان أنه متضجر (أُفٍّ) من طلباتهما، إن هذا الإبن هو الذي تربى منذ الصغر على أن طاعة والديه فريضة قرآنية، تقع في مقدمة الفرائض الشرعية، بعد الأمر بـ «الوحدانية»!!
فهل يمكن أن يتحمل الأولاد مشقة رعاية الوالدين في الكبر، هذا الحمل الثقيل علي النفس، ويلتزمون بقوله تعالى: «وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»، دون أن يكونوا مسلمين حقا، مؤمنين، يعلمون ماذا تعني معصية الله في أمر طاعة الوالدين؟!
إن طاعة الوالدين فريضة شرعية: قبل بلوغ الحلم، وبعد بلوغ الحلم…، وفرق كبير بين العلم بأحكام الشريعة، وإقرار المسلم المؤمن بوجوب تنفيذها، وعدم التلاعب بها، وتحريفها عن مقاصدها…، فرق بين هذا الذي يجب أن يكون، وبين ما هو كائن في الواقع الذي نعيشه، والتحديات التي نواجهها!!
فلا الواقع، ولا التحديات، سيشفعان لنا يوم القيامة، مادمنا المسئولين عن تربية أولادنا، فلا نترك أطفالنا أمام التلفاز، وأمام الأجهزة المحمولة، وبين الأصدقاء، وفي رياض الأطفال، ثم في المدارس…، دون رعاية تربوية، ومتابعة منضبطة، من الوالدين، ثم نأتي بعد ذلك ونُحمّل البيئة المحيطة فساد أولادنا!!
إن التربية في الصغر، كالنقش على الحجر، يصعب على البيئة المحيطة إزالتها، وعندما يفقد الوالدان هذه التربية، فلا تسألني عن عقوق الأبناء، ولا عن أطفال الشوارع!!
«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» – «أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»
(361) 5/8/2015 (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)
عدد المشاهدات : 191
عندما تتعارض مصالح الدنيا مع دين الله تعالى!!
ـ يعبدون الله ويشركون معه آلهة كثيرة، في حياتهم الزوجية، والاجتماعية، والمهنية…، والله تعالى يقول:
«وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»!!
نعم: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»!!
ـ يُقيمون الصلاة كعابري سبيل، «ترانزيت»، يقولون «الله أكبر»، ومشاغلهم أكبر من الله، والله تعالى يقول:
«الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ»!!
نعم: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»!!
– يدفعون زكاة أموالهم للمؤسسات الخيرية، والفقراء لا يزالون بالمليارات، والله تعالى يقول:
«إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا» – «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ» – «وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»!!
نعم: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»!!
ـ يصومون عن الطعام والشراب، وبعد الإفطار يُسرفون في الطعام والشراب، والله تعالى يقول:
«كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»!!
نعم: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»!!
ـ يحجّون البيت ليغفر الله لهم ما تقدم من ذنوبهم، ويرجعون إلى بيوتهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، والله تعالى يقول:
«فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» – «وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ» – «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى» – «وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ»!!
نعم: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»!!
ـ يبذلون أموالهم وأنفسهم، ووقتهم وصحتهم، في سبيل متع الدينا وشهواتها، والله تعالى يقول:
«أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ» – «فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ»!!
نعم: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»!!
– يفهمون الدين على أنه كلام في كلام، ومعهم كلام الله، الذي هو أحسن الكلام، ولم يُغيّر في واقعهم شيئا، لأن الله لا يقبل إسلاما، ولا إيمانا، بدون عمل صالح، فيقول تعالى:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا» – «قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ» – «وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا»!!
نعم: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»!!
ـ يُسارعون ويُبايعون الأمراء والشيوخ على الإلتزام بدينهم المذهبي، ولا يبايعون الله على الإلتزام بدينه الذي ارتضاه للناس جميعا، لأنهم يعلمون أن بيعة الله تعني إقامة الدين، وأن إقامة الدين في القلوب لا تنفصل عن إقامته في واقع الناس، والله تعالى يقول:
«شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا» – «وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ» – «وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى» – «أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ»!!
نعم: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»!!
ـ يغضبون من أجل الدنيا، فأموالهم تأتي من الدنيا وتذهب إلى الدنيا، وحياتهم اليومية ومصالحهم تأتي من الدنيا وتذهب إلى الدنيا، ولا يغضبون من أجل هجر كتاب الله، ولا يبكون على تخليهم عن مسئولية الشهادة على الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والله تعالى يقول:
«كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ» – «لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» – «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» – «إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ»!!
نعم: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»!!
ـ ينتشرون على شبكات التواصل الاجتماعي، مقلدون تابعون، يُعجبون بأصحاب المشاريع الفكرية التي تمسك العصا من المنتصف، فلا تعرف لهم هوية دينية، ولا يتبعون منهجا علميا في تدبر القرآن، يحاولون ألا يصطدموا بواقع الناس، ولا يطلبون منهم تغييره، يُحرّفون أحكام الشريعة القرآنية (قطعية الدلالة)، بما يوافق أهواءهم، والله تعالى يقول:
«كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ» – «ثُمَّ فُصِّلَتْ» – «مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ»!!
هل عرفتهم؟!
وأين الذين آمنوا، الذين خاطبهم الله بقوله:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» – «اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ» – «وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ»!!
نعم: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»!!
(362) 6/8/2015 (الأصدقاء الأعزاء)
عدد المشاهدات : 176
المنشور السابق لم يتحدث عن السياسة ولا عن الاقتصاد …
وإنما عن شعب وقف مع جيشه للتخلص من حكم أنصار الخلافة الإسلامية ونجحا في ذلك ….
ثم خرج يساهم بأمواله في مشروع لم يتبين له حتى الآن أنه كان خدعة وتدليس على الشعب ….
وبناء عليه أكرر قولي:
(فمن ذا الذي يقف معارضا لإنجازات هذا الشعب إلا إذا كان من أنصار الخلافة المزعومة، أو فاقدا للبصيرة، أو ليس مصريا؟!)
فأتعجب من هؤلاء الذين تركوا موضوع المنشور وذهبوا (كعادتهم) يجادلون في اشياء لا علاقة لها بالمنشور!!!
الحقيقة انا مش عارف همه زعلانين ليه!!!
احتمال يكونوا المتحدثين الرسميين باسم الشعب المصري؟!احتمال!!!
احتمال يكونوا من الأصناف الثلاثة؟!احتمال!!!
(363) 7/8/2015 (هل فسر النبي القرآن بمرويات السنة النبوية؟)
عدد المشاهدات : 214
خلال رحلتي من الإيمان الوراثي إلي الإيمان العلمي، القائم على الحجة والبرهان، قررت أن أقوم بجمع كل المرويات المتعلقة بتفسير النبي للقرآن، صحيحها وضعيفها، لأقف على حقيقة هذه «السنة النبوية» المفسرة لكتاب الله، التي يحكم أئمة السلف والخلف على منكرها بالردة، فإذا لم يتب قتلوه!!
وفي أثناء إعداد هذه الدراسة، وقع في يدي كتاب بعنوان «الصحيح المسند من التفسير النبوي للقرآن الكريم» للشيخ أبىِ محمد السيد إبراهيم بن أبي عمة، تحقيق ومراجعة الشيخ مصطفى العدوي، الذي قال في مقدمته: «ولأنّ القرآن نزل على رسول الله، فلا شك أنه عليه السلام أعلم الناس بتأويله فعليه أنزل، وبلسانه تلي، وبسنته فسر، قال الله تعالى:
«وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»: فسنة رسول الله كلها تفسير للقرآن، وبيان لمعانيه وألفاظه وأحكامه»!!
فإذا أردنا أن نقف على هذه «السنة النبوية» المبينة لمعاني وألفاظ وأحكام القرآن، من خلال ما ورد في هذا «الصحيح المسند من التفسير النبوي للقرآن الكريم»، وجدنا، على سبيل المثال، أن عدد الآيات التي وردت في سورة البقرة، «٧» آيات، وردت فيها أحاديث صحيحة مرفوعة إلى النبي، حسب قواعدهم المذهبية في التصحيح والتضعيف، من مجموع «٢٨٦» آية، وهذه الندرة نجدها أيضا في باقي السور!!
إن توظيف قوله تعالى: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» لإعطاء شرعية للمصدر الثاني التشريعي المفترى على الله ورسوله، والذي حمل منظومة التطرف الديني وسفك الدماء بغير حق على مر العصور، مصيبة كبرى حلت بتدين المسلمين!! فتعالوا نتعرف على معنى هذه الآية، من خلال السياق الذي وردت فيه، لنقف على حقيقة التوظيف المذهبي لها!!
لقد سمى الله أهل الكتب الإلهية بأهل الذكر، فقال تعالى في سورة الأنبياء: «وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ»
وقال تعالى في سورة النحل «الآيات ٤٣-٤٤»: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» – «بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ».
إن المتدبر للسياق القرآني الذي وردت فيه الآيتان، يعلم أن الخطاب القرآني ليس للمؤمنين برسالة النبي محمد، وإنما للمكذبين بها، جاء يأمر النبي أن يُبيّن لهم، أن الله تعالى لم يرسل رسلا من النساء أو من الملائكة، وإنما من الرجال: «وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ»، وأن عليهم أن يتأكدوا من ذلك، بسؤال أهل الكتب السابقة: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ»!!
إذن فالقضية التي كانت مثارة، وجاء من أجلها هذا البيان القرآني، هي قضية خلاف بين أهل الكتاب حول ماهية وطبيعة الرسل، وكان من مهمة النبي أن يُظهر لهم حقيقة ما اختلفوا فيه، وهذا ما بيّنه قوله تعالى في الآية «٣٩» من سورة النحل، أي قبل «الآيات ٤٣-٤٤»:
«لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ»
وما بيّنه قوله تعالى في الآية «٦٤»: «وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»!!
إن قوله تعالى: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» ليس أمرا للرسول ليُبيّن للمسلمين القرآن، لأن المقصود بـ «الناس» هنا المكذبون برسالة النبي من أهل الكتاب، الذين اختلفوا حول نبوة محمد، و«مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» من كتب، وليس حول القرآن «الذكر» المنزل على محمد، وهذا ما أفاد به اسم الموصول «مَا»، وصلته «نُزّل»، لأنه لو كان «الذكر» المنزل على محمد هو نفسه «مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» من كتب، لجاءت الجملة «لتبينه للناس»، أي القرآن، وليس «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ»!!
إن «الذكر» الذي أنزله الله على رسوله محمد، والذي هو «القرآن»، جاء مبينا لغيره مما نزل على «الناس»، الذين هم «أهل الكتاب»، من رسالات، وكاشفا عما أخفوه وحرفوه منها، وهذا ما بيّنه قوله تعالى في سورة المائدة: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ»!!
إذن فيكون المعنى: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ»، أي هذا القرآن، «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ»، أي لهؤلاء المكذبين، حقيقة «مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» في كتبهم، مما أخفوه واختلفوا فيه…، فكيف يتحول الخطاب القرآني من أهل الكتاب إلى المسلمين، لتصبح هذه الآية دليلا على حجية «الأحاديث» المنسوبة إلى النبي، التي ألبسها أئمة السلف والخلف لباس «السنة النبوية»، لتأخذ قدسية في قلوب أتباعهم؟!!
لقد جاء «البيان»، في السياق القرآني بمعنى «الإظهار»، أي إظهار الحق، أو الحكم الشرعي، أو الخبر…، كلٌ حسب السياق الذي وردت فيه الكلمة، وهذا ما بيّنه الله لرسوله في قوله تعالى في سورة القيامة:
«لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» – «إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ» – «فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ» – «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ»
فهل يُعقل أن يكون معنى «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ»، أي ثم إنا علينا تفسير آياته، عن طريق مرويات «السنة النبوية»، التي إن صحت عند طائفة لم تصح عند أخرى؟!
إن قوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ»، يعني بيان القرآن كله، وليس جزءا منه، فهل يعقل أن يخرج الرسول على قومه ويقول لهم: أنا رسول الله، وهذا القرآن هو «الآية» الدالة على صدق بلاغي عن الله، ولكن لابد أن أفسر لكم نصوصها كلها، حتى تستطيعوا أن تأتوا بمثلها؟!!
إن القرآن الحكيم جاء بيّنا في ذاته، مبيّنا لغيره، فهو ليس في حاجة إلى بيان المرويات الظنية الثبوت عن الرواة الذين نقلوها، وبرهان ذلك قوله تعالى: «الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ» – «أَنَّى لَهُمْ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ»
ولقد جاء بيان معنى «رَسُولٌ مُبِينٌ» في موضع آخر، فقال تعالى: «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ»، بل إن هذا البلاغ المبين هو سنة جميع الرسل، فقال تعالى: «فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ»؟!
وسأضرب بعض الأمثلة على هذا البيان القرآني:
١- عن أحكام الخمر والميسر، وأحكام اليتامى، يقول الله تعالى: «يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ»، تدبر: «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ»!!
٢- عن نكاح المشركين والمشركات، يقول الله تعالى: «وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ»، تدبر: «وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ»!!
٣- عن المحيض، وإتيان النساء، وأحكام الطلاق، يقول الله تعالى: «فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»، تدبر: «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»!!
٤- وفى ختام أحكام الطلاق، ومتعة المتوفى عنها زوجها، يقول الله تعالى: «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ».
فهذه بعض أحكام سورة البقرة، ولكن الحقيقة، أن الذين يفهمون ما ورد فيها من بيان، هم الذين اتصفوا بالصفات التي وردت في الآيات الأربع السابقة: «لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» ـ «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ـ «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» ـ «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»، وقليل ما هم!!
إن أئمة السلف والخلف مجمعون على أن عقوبة الزنى هي «الرجم»، ومصدر هذا الإجماع هو مرويات «السنة النبوية»، فإذا ذهبنا إلى القرآن، وجدنا أن العقوبة هي «الجلد»، إذن فمن نصدق؟!!
عندما يقول الله في سورة النور: «سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»، فعلينا أن نتدبر جملة: «وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ»، ثم قوله بعدها: «لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»، ثم يأتي البيان بعدها مباشرة بوصف فعل الزنى وعقوبته، فيقول تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ» من غير تقسيم لفعل الزنى إلى زنى «محصن»، عقوبته الرجم، وزنى «غير محصن» عقوبته الجلد!!
والسؤال: هل يمكن أن يفوض الله رسوله أن يستقل بتشريع عقوبة «الرجم»، لتأتي بها مرويات «السنة النبوية»، ظنية الثبوت عن من نقلوها، ويترك العقوبة المخففة التي هي «الجلد» لتشريعات القرآن؟!
هل بعد هذا من تطرف ديني وإرهاب وسفك للدماء بغير حق، نأتي فنطالب المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية بمحارية الإرهاب، وهي التي تقدس هذه المرويات، وتدافع عنها، وتقتل من ينكرها، بدعوى إنكار مرويات «السنة النبوية»، المفسرة للقرآن؟!!
معلومات:
* حجية «الأحاديث»: الصحيح أن نقول حجية «المرويات» المنسوبة إلى النبي، لأن «حديث النبي» لا يطلق إلا على كلامه، الذي خرج على لسانه، بحروفه المتعاقبة، وسمعه أصحابه منه مباشرة، فإذا رواه الصحابي، سُمي «رواية» الصحابي عن النبي، وليس حديث النبي!!

(364) 9/8/2015 (من المسئول عن الخطاب الديني: الأزهر أم الأوقاف؟)
عدد المشاهدات : 202
لقد توفي رسول الله محمد، عليه السلام، ولم يعرف صحابته إلا خطابا دينيا واحدا، هو الذي أمرهم الله به، هو خطاب «الآية القرآنية»، التي حملت نصوصها البرهان الوحيد الدال على صدق نبوة رسول الله محمد، والذي سماه الله بـ «النور»، فقال تعالى:
«فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».
لقد توفي رسول الله ولم يعرف صحابته إلا خطابا مجمعا وليس مفرقا، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، هذا الخطاب الذي حمل للناس النور، يدعوهم إلى التعرف على حقيقة الإسلام ومقاصده الحكيمة، فأخرجهم من ظلمات الشرك والجهل والتخلف، إلى نور الوحدانية والعلم والتقدم، قال تعالى:
«هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ».
لقد توفي رسول الله ولم يعرف صحابته إلا مصدرا تشريعيا واحدا، هو نصوص «الآية القرآنية»، وأنّ أحكام الشريعة الإلهية لا تُستقى من خارج حدود هذا المصدر، وأن «الإسلام» الذي لن يقبل الله دينا غيره، في اتباع هذا المصدر، قال تعالى:
«وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»
فأين «الخطاب الديني» اليوم من هذا «الإسلام»؟!
لقد أصبح «الخطاب الديني» خطابا مذهبيا، بعد أن تفرق المسلمون إلى طوائف عقدية وتشريعية متخاصمة، لكل طائفة مساجدها التي تدعو فيها الناس إلى مذهبها، باعتبار أنه الدين الحق الذي أمر الله باتباعه…، فمن المسؤول عن هذا الخطاب المذهبي الذي مزق المسلمين من داخل مساجدهم؟!!
إن في مصر آلاف المساجد، في المدن والقرى والنجوع، يقوم على شؤون «الخطاب الديني» فيها دعاة من مختلف التوجهات العقدية والتشريعية، وتعتبر هذه المساجد مدارس تربوية حاضنة للثقافة والمعارف الإسلامية، التي تشربتها قلوب المسلمين عقودا من الزمن، ولن تجد في مسجد واحد من هذه المساجد من يدعو إلى غير التوجه الديني المذهبي الذي يؤمن به!!
إذن فمن المسئول عن هذا «الخطاب الديني» العشوائي، الذي أفرز مسلمين لا يعلمون شيئا عن الإسلام غير الذي تعلموه في هذه المساجد، فخرجوا بعاطفتهم الدينية يقولون «نعم»، دون علم بحقيقة التيارات الدينية التي ستحكم البلاد، لذلك وبعد عام من الحكم باسم الإسلام، خرج كثير منهم يقولون له «لا»، وآخرون أصروا على «نعم»، فخرجوا واعتصموا وشاركوا في أعمال العنف وسفكوا الدماء بغير حق، ومازالوا يفعلون إلى يومنا هذا!!
فمن كان المسئول عن توجيه «الخطاب الديني» في هذه المساجد، خلال العام الذي حكمت فيه هذه التيارات الدينية البلاد؟! ولماذا لم تُبيّن المؤسسات الدينية الرسمية للشعب، حقيقة هذا التحالف الديني بين التيارات المختلفة، وتاريخها، وكيف أنها تُداهن في خطابها الديني «تقية» حتي تتمكن، وكل ذلك «ابتغاء وجه الله»، فهل لم تكن تعلم حقيقة هذه التحالفات، ولديها هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية، ثم علمتها بعد عزل هذه التيارات عن الحكم؟!
إن «الخطاب الديني» الذي يحمل التعددية المذهبية «العقدية والتشريعية» ليس من دين الله في شيء، لذلك أقول:
أي «تجديد» هذا، وأي «تطوير»، وأية «تنقية»، لخطاب ديني هو في أصله خطاب مذهبي باطل، يحمل عقائد وتشريعات تخاصمية تكفيرية، يدافع عنها أصحابها، بدعوى أنها «السنة النبوية»، التي أجمعت الأمة الإسلامية عليها، وأصبحت من «المعلوم من الدين بالضرورة»؟!
إن مصطلح «أجمعت الأمة» مصطلح تطلقه كل طائفة على أتباعها، باعتبار أنها «الفرقة الناجية»، وإلا فأين هي هذه الأمة التي أجمعت، وأين أجمعت، ومتى أجمعت…، وهل عرف رسول الله وصحبه هذا الإجماع المذهبي الذي تتحدث عنه كل طائفة، وما هو موقف الأزهر والأوقاف من هذا الإجماع؟!
فما أشده منكرا، أن تُجمع الطوائف الدينية المختلفة، في خطابها الديني للناس، على أن مرجعية «الإسلام» وحيان: وحي إلهي محفوظ بحفظ الله له، النور الذي أنزله الله على رسوله، وهو نصوص «الآية القرآنية»، ووحي وصل إلينا عن طريق مرويات «السنة» المنسوبة إلى النبي، كما يدّعون، التي أتاه الباطل من بين يديها ومن خلفها!!
ما أشده منكرا، أن يحمل «الخطاب الديني» للناس، أن تفرق المسلمين وتخاصمهم وتقاتلهم يرجع إلى إرادة الله، فلو شاء الله ما فعلوه!! وأن الإسلام انتشر بالسيف!! وأن عقوبة الزنا الرجم، في الوقت الذي يقول فيه القرآن أن العقوبة الجلد!! وأن المرأة مخلوق ناقص، خلقها الله من أجل الاستمتاع، وهي التي أخرجت آدم من الجنة، وإذا مرت بين يدي مصلي، فإنها تقطع صلاته، كما يقطعها الكلب والحمار!! وأن منابع الرق مازالت موجودة إلى اليوم، وأن أسرى الحروب من النساء يعتبرن سبايا «ملك يمين»، يوزعن على الضباط والجنود!!
ما أشده منكرا، أن يحمل «الخطاب الديني» للناس، أن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، أما أن يصدر ذلك عن مؤسسة الأزهر، في بيان رسمي لها، «الجمعة ٢١ نوفمبر ٢٠١٤»، بشأن دعاوى رفع المصاحف، فهذه مصيبة كبرى!! لقد حمل بيان الأزهر للناس رواية منسوبة إلى النبي، رواها مسلم فى صحيحه، تقول:
«مَن خرَج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتةً جاهلية، ومَن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبةٍ، أو يدعو إلى عصبةٍ، أو ينصُر عصبةً، فقُتِلَ فقِتلةٌ جاهليَّةٌ، ومَن خرج على أمَّتى يضرب بَرَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مُؤمِنها، ولا يفى لذى عهدٍ عهدَه فليس منى ولست منه»!!
فماذا يقصد الأزهر بالاستدلال بهذه الرواية؟! هل يقصد بـ «الجماعة» مؤسسة الأزهر وإمامها، وعلى هذا يصبح من لم يبايع الإمام، ويتبع «المذهب الأشعري»، الذي هو مذهب مؤسسة الأزهر، مات ميتة جاهلية؟!
إذن فما موقف الأزهر من «إمام أهل السنة»، الذي يبايعه أعضاء الجمعية الشرعية خلال عقود مضت، وتعد مساجدها بالآلاف؟!
وما موقفه من رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية، وأمراء الجماعة السلفية، والجماعة الإسلامية، وغيرها…، فهل هؤلاء فارقوا «الجماعة»، لأنهم لم يبايعوا الإمام، ولم يتبعوا المذهب الأشعري؟!
لقد وُضعت هذه الرواية بعد أحداث الفتن الكبرى، وأقام معاوية على أساسها حكمه العضود، ووَرّث أبناءه الخلافة، ثم أصبحت هي السند الشرعي لكل الجماعات المتطرفة والإرهابية التي تسعى في الأرض فسادا، وتسفك الدماء بغير حق، ويُخيف بها أمير الجماعة أتباعه، ويحذرهم من الخروج عليه، لأن الرسول قال من «فارق الجماعة»، فمات «مات ميتةً جاهلية»!!
لقد صدر قانون ضم جميع المساجد الأهلية إلى وزارة الأوقاف، عام ١٩٦٠م، وأصبحت هذه الوزارة تتحمل مسئولية الإشرافها على جميع المساجد الأهلية بمصر، فهل كانت هذه المسئولية تتعلق بالإشراف المالي والإداري فقط، أم بالمسئولية الدينية، والوعظ والإرشاد، هذا الدور الدعوي الخطير الذي يمكن أن تقوم به هذه المساجد بين الناس؟!
وإذا كانت مسئولية وزارة الأوقاف تتعلق بشئون الدعوة في المساجد، فأين كانت الوزارة يوم أن فتحت هذه المساجد أبوابها لكل التوجهات العقدية والتشريعية المتطرفة، وكانت «ومازالت» هي البيئات الحاضنة لها، من خلال الدروس والخطب المنبرية التي تعقد فيها، والتي كان لها الفضل الكبير في تقسيم الشعب المصري إلى طوائف دينية متخاصمة متقاتلة، تشكل خطرا كبيرا على أمن البلاد والعباد؟!
أم أن مؤسسة الأزهر هي المسئولة عن هذه الأجيال المتطرفة، التي تخرجت من هذه المساجد، لأنه وحسب القانون الصادر عام ١٩٦١م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التابعة له، يتحمل الأزهر مسئولية وأمانة الدعوة الإسلامية إلى كل الشعوب، وإظهار حقيقة الإسلام وأثره في تقدم البشر، وطبعا الشعب المصري له الأولوية في هذه المسئولية، فهل تحمل الأزهر مسئوليته تجاه الشعب المصري، فقطع دابر التطرف الديني من أمهات الكتب التي تدرس في جامعاته، ويحملها علماؤه معهم إلى الناس في المساجد؟!
ماذا قدمت وزارة الأوقاف، ومؤسسة الأزهر، بهيئة كبار علمائها، ومراكزها البحثية، حتى لا يصل «الخطاب الديني» إلى هذا المستوى المذهبي التخاصمي، الذي تشهده جميع مساجد مصر؟!
فهل يُعقل أن تكون مهمة الأزهر هي فقط تخريج المؤهلين للدعوة الإسلامية، ثم تخلي مسئوليتها، وتحملها لوزارة الأوقاف؟!
إننا في أشد الحاجة إلى هيئة رقابية واحدة، تكون مسئولة عن «الخطاب الديني»، أعضاؤها ليسوا من علماء المذاهب الدينية، وإنما من علماء الدين الإسلامي، وفرق كبير بين عالم الدين وعالم المذهب، يشاركهم علماء من جميع التخصصات العلمية الفاعلة في صنع «الخطاب الديني» الحضاري، الذي يتناغم مع نصوص «الآية القرآنية»، وينطلق من قاعدة شرعية تتعلق بالمساجد، وهي قوله تعالى:
«وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا».
إن أول قرار يجب أن تتخذه هذه الهيئة الرقابية، بناء على هذه القاعدة الشرعية، هو إزالة جميع اللافتات الموجودة داخل وخارج المساجد، التي تُعلن عن هوية هذه المساجد ومذاهبها، وحل جميع مجالس الشورى، وهيئات كبار العلماء، التابعة لها!!
إن »الخطاب الديني« هو النور الذي يهدي الناس إلى صراط ربهم المستقيم، خطاب يتفاعل مع التحديات المحلية والعالمية والمستجدات الحضارية، بلغة معاصرة، تقدم حلولا عملية بعيدا عن «الخطاب الديني» المذهبي المتخلف، الذي لا يغني ولا يسمن من جوع!!
«وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»
معلومات:
* الجامع الأزهر: يرجع تاريخ إنشائه إلى عام ٩٧٠م، وكان الغرض من إنشائه تخريج دعاة للمذهب الإسماعيلي الشيعي، وظل الأزهر يدرس المذهب الشيعي حتي تولى صلاح الدين حكم مصر فجعله جامعا سنياً، وأنشأ المدارس لتدريس الحديث والفقه السني.
* وزارة الأوقاف: يرجع تاريخ إنشائها إلى عام ١٨٣٥م، وكانت هيئة تختص بإدارة أموال الوقف واستثمارها، تحولت إلى وزارة عام ١٩١٣م، ثم في عام ١٩٦٠م صدر القانون بضم جميع المساجد الأهلية إليها.

(365) 9/8/2015 (الخطاب الديني خطاب إلهي وليس مذهبيا)
عدد المشاهدات : 210
قلت في المقال السابق: (إن الخطاب الديني الذي يحمل التعددية المذهبية «العقدية والتشريعية» ليس من دين الله)!!
وقلت: (إن الخطاب الديني هو النور الذي يهدي الناس إلى صراط ربهم المستقيم، خطاب يتفاعل مع التحديات المحلية والعالمية والمستجدات الحضارية، بلغة معاصرة، تقدم حلولا عملية بعيدا عن الخطاب الديني المذهبي المتخلف، الذي لا يغني ولا يسمن من جوع)!!
يفهم من ذلك أني أتحدث عن الخطاب الديني الإلهي، الذي بلغه النبي الخاتم محمد، وأمر الله المؤمنين أن يقيموه في حياتهم، وأن يبلغوه للناس جميعا، ويكونوا عليهم شهداء، بسلوكياتهم وتحضرهم وتقدمهم…، هذا الخطاب الذي لا وجود له أصلا في واقع الناس، إلا نظريا في كتاب الله!!
فأنا في هذا المقال أنتقد الخطاب الديني المعاصر، بجميع توجهاته العقدية والتشريعية، وأبين للناس حقيقة الخطاب الديني الذي أمر الله اتباعه!!
فالذي آمن بالله، وبرسوله، وبكتابه، وبالآية القرآنية التي حملها هذا الكتاب، والدالة على صدق نبوة رسول الله محمد، هو الذي يخاطبه هذا المقال، ليصحو من غفلته، ويعلم أن الإسلام ليس منهجا نظريا تقوم به الحياة، وإلا لاستطاع كتاب الله أن يقيم هذه الحياة بذاته، دون حاجة إلى المسلمين المؤمنين به!!
إن الإسلام منهج عملي، يتحرك على أرض الواقع، في إطار «مجتمع إيماني»، يخاطبه الله دائما في كتابه بقوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»:
* «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» – «لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ» – «لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا» – «وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ» – «قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ» – «وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» – «قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ» – «إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ»!!!
* «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ» – «فَانفِرُوا ثُبَاتٍ»، أي جماعات، «أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا»!!
أما فشل المجتمعات الإيمانية في إقامة الخطاب الديني الإلهي في الأرض، منذ أحداث الفتن الكبرى وإلى اليوم، فقد كان بسبب هجر هذا الخطاب الإلهي، واتباع الخطاب الديني المذهبي، الذي فرق المسلمين في الدين، هذا التفرق الذي حذرهم الله منه، فقال تعالى:
«مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ» – «وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» – «مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا» – «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»!!
ويستحيل أن يتحرك «المجتمع الإيماني»، الذي لا يتخذ غير نصوص «الآية القرآنية» منهجا في حياته، دون قيادة تنبع من داخله:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ» – «وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ»
إنها سنة الوجود الاجتماعي، فأين هذه القيادة التي أفرزها المجتمع الإيماني؟!
إننا يجب ألا ننظر إلى مأساة المسلمين بمنظار ضيق، لا نرى من خلاله إلا الفرقة التي ولدنا فيها وتربينا على مائدتها، ونريد أن نبحث لمأساتها عن علاج، وإنما علينا أن ننظر إلى المسلمين بمنظار عالمي، نرى من خلاله جميع الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة، وعندها ستجف الأقلام وتطوى الصحف!!
(366) 13/8/2015 (علم الناسخ والمنسوخ وسيلة السلفيين للتلاعب بالدين)
عدد المشاهدات : 217
إن المتدبر لآيات الذكر الحكيم، يعلم أن عصر الرسالة الخاتمة، كان عصر تنزيل واكتمال للدين، وكان من مقتضيات هذا العصر، أن تُنسخ تشريعات بتشريعات أخرى، سواء كانت من تشريعات الرسالات السابقة، أو من عادات أهل الجزيرة العربية!!
لقد كان الجمع بين الأختين في نكاح واحد مباحا، ثم نزل التحريم بقوله تعالى: «وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ»، فأصبح هناك رجل يجمع بين أختين ويعيش معهما في الحلال، لقوله تعالى: «إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ»، وفي نفس الوقت رجل يحرم عليه أن يجمع بين الأختين بعد نزول الآية!!
لذلك فإن الشريعة الإسلامية لا تستمد أحكامها من أحداث ومواقف عصر التنزيل، وإنما من كتاب الله بعد أن اكتمل الدين وتمت النعمة، وأصبح هو المرجع الوحيد الذي تستقى منه أحكام الشريعة، وقد حمل للناس ما شاء الله أن ينقله من أحداث وتشريعات هذا العصر!!
ثم توفي النبي، وحدث ما حدث من انقلاب على الأعقاب، ومن فتن كبرى، ثم جاء عصر التدوين، فوجد أئمة السلف أنفسهم أمام كم هائل من الأخبار والمرويات والفتاوى والتفسيرات لآيات الذكر الحكيم، فظهرت أمهات كتب المصدر الثاني للتشريع، وحملت ما يُسمى بعلوم القرآن ومنها علم «الناسخ والمنسوخ»، الذي ابتدعه أئمة السلف عندما ظهرت أمامهم مرويات وفتاوى تتعارض مع آيات الذكر الحكيم، فذهبوا إلى القرآن يحرفون آياته وأحكامه، حتى لا يمسوها بسوء!!
لقد اتفق أئمة السلف، من السنة والشيعة، على أن علم «الناسخ والمنسوخ» من العلوم التي يستحيل فهم القرآن بدونها، وقسّموه إلى:
أولا: ما نُسخ تلاوته وحكمه، أي ما حُذفت آياته وأحكامها!!
ثانيا: ما نُسخ تلاوته وبقي حكمه، أي ما حُذفت آياته مع بقاء العمل بأحكامها!!
ثالثا: ما نُسخ حكمه وبقيت تلاوته، أي ما بقيت آياته دون العمل بأحكامها!!
وأخطر ما في هذا الباب نسخ القرآن بمرويات السنة، أي أن تكون المرويات الظنية الثبوت عنرسول الله ناسخة للآيات قطعية الثبوت عن الله تعالى، ولن أدخل في بيان مصائب هذا الباب وإشكالياته، فهي منشورة بالتفصيل على شبكات التواصل الاجتماعي، لمن أراد أن يعلم كيف استطاع الشيطان أن يخترق تدين أئمة السلف، ويصنع لهم مصدرا تشريعيا ثانيا، لا يقل في قدسيته عندهم عن قدسية كتاب الله!!وسأضرب مثالين على ذلك:
أولا: يقول الله تعالى في سورة النساء: «وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا»، قالوا: إن هذه الآية نُسخت بقوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»، فبعد أن كانت عقوبة الزانية الحبس في البيت، أصبحت الجلد!!
والحقيقة أن آية سورة النساء لا علاقة لها بعقوبة الزنى، فهي تتحدث عن عقوبة السحاق بين النساء، بدليل قوله تعالى بعدها مبينا عقوبة اللواط بين الذكور: «وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا»، والحكمة التشريعية في الفرق بين العقوبتين، ولماذا جاءت عقوبة السحاق بصيغة الجمع «وَاللَّاتِي»، وعقوبة اللواط بصيغة المثنى «وَاللَّذَانِ» …، تفصيلها في موضع وسياق آخر!!
ثانيا: روى مسلم في صحيحه، عن السيدة عائشة، أنها قالت: «كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله وهن فيما يُقرأ من القرآن»!! فها هو حديث صحيح محسوب على بيان «السنة النبوية» للقرآن، ويعتبره أئمة السلف والخلف من ثوابت الدين التي يكفر منكرها، ومع ذلك يحمل أدوات هدمه من داخل علم الناسخ والمنسوخ نفسه!!
فهذه الرواية تدخل تحت نوعين من أنواع النسخ في وقت واحد، فالجزء الأول «المنسوخ» الخاص بالعشر رضعات، يدخل تحت «ما نُسخ تلاوته وحكمه»، فآية العشر رضعات لا وجود لها أصلا في المصحف، ولا يُعمل بحكمها!! أما الجزء الثاني «الناسخ»، والخاص بآية الخمس رضعات، فيدخل تحت «ما نُسخ تلاوته وبقي حكمه»، وهذه الآية أيضا لا وجود لها أصلا في المصحف، فقد نُسخت تلاوتها، مع بقاء العمل بحكمها!!
والسؤال: إذا كان عدد الرضعات قد استقر نهائيا بنزول آية قرآنية تحدده بخمس رضعات، وتوفي رسول الله وهن فيما يُقرأ من القرآن، فلماذا مُلئت أمهات كتب المذاهب الفقهية بخلافات مأسوية حول عدد الرضعات، التي بعدها يصبح الرضيع محرما على من رضع معه؟!
أهذه هي أمهات الكتب التي تريدون من المؤسسات الدينية الرسمية تجديد الخطاب الديني من خلالها؟!!
لقد انشغل فقهاء المذاهب بكلمة «أَرْضَعْنَكُم»، ولم يوجهوا نظرهم إلى كلمة «أُمَّهَاتُكُمُ»، التي وردت في آية المحرمات من النساء: «وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ»، فالله تعالى لم يحرم النساء اللاتي أرضعن، وإنما حرّم «الأمهات» اللاتي أرضعن، وذلك لبيان أن التحريم يقع عندما يشعر المولود بأمومة من أرضعته، وتشعر المرضعة أنه ابنا لها، وهو أمر يسهل جدا إدراكه، هذا بالإضافة إلى القدر الكافي من اللبن الذي يُكوّن لحم الرضيع وعظمه وعصبه، والذي يحدد ذلك هم أهل العلم المتخصص في هذا الشأن، فالقضية ليست بعدد الرضعات، ولا يثبت التحريم بمصة أو مصتين!!
إن كل ما دونه أئمة السلف في أمهات كتب علوم القرآن، وقالوا إنه نُسخ تلاوة، أو حكما، أو تلاوة وحكما معا، أو إنه نُسخ بآية السيف، لا علاقة له بكتاب الله، المحفوظ بحفظ الله له، فهم غالبا يتحدثون عن كتاب آخر، صنعه التطرف الديني بالسيف، في عصر الخلافة غير الراشدة!!
لقد اعتاد أئمة السلف توظيف الآيات القرآنية لخدمة توجهاتهم العقدية والتشريعية، ومن هذه الآيات قوله تعالى في سورة البقرة «الآية ١٠٦»:
«مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
فظنوا أن ورود كلمة «نَنسَخْ» في سياق هذه الآية يمكن أن يكون سندا لهم في إثبات حجية علم «الناسخ والمنسوخ»!!
لقد جاءت هذه الآية في سياق الرد على المكذبين برسالات الرسل، المكذبين بشريعة موسى، وبشريعة عيسى، وبشريعة خاتم النبيين محمد، عليهم جميعا أفضل السلام، «الآيات ٨٧ – ١٠٤»، ثم قال تعالى بعدها «الآية ١٠٥»:
«مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»!!
إذن فالقضية التي كانت مثارة، لا علاقة لها بنسخ أحكام القرآن، ولا ببيان النبي للقرآن، وإنما بالتشكيك في مجيء النبي الخاتم بـ «آية» عقلية، لا تنتهي فاعليتها بوفاة النبي، كما انتهت فاعلية الآيات الحسية بوفاة الرسل السابقين!!
إن لفظ «آية» في السياق القرآني، إذا ورد بصيغة المفرد، فإنما يراد به «البرهان» المبين، أي الحدث الجلل الذي يحتاج إلى قدرة إلهية، وهذا ما يتسق مع ذيل الآية «١٠٦»:
«أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
ومع سياق الآية «١٠٧»:
«أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ»
وأيضا مع توجيه الخطاب إلى الذين أرادوا أن يسألوا رسولهم محمدا كما سأل بنو إسرئيل موسى أن يريهم الله جهرة، فقال تعالى «الآية ١٠٨»:
«أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ»!!
إذن فآية النسخ «١٠٥» جاءت تُبيّن العلاقة بين الرسالة الخاتمة ورسالات الرسل السابقين، وأن القرآن جاء ناسخا لكل هذه الرسالات، سواء كان هذا النسخ متعلقا بما حملت هذه الرسالات من تشريعات، أو متعلقا بطبيعة «البرهان» الذي أيد الله به الرسل، والذي جعله الله لرسوله الخاتم «آية» عقلية، قائمة بين الناس إلى يوم الدين!!
إن ما ذكرته سابقا عن آية النسخ «١٠٥» ينطبق تماما على أختها «الآية ١٠١» من سورة النحل ، حيث يقول الله تعالى:
«وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ»
إن قولهم «إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ» ليس بسبب نسخ أحكام القرآن أو تبديلها، فهم أصلا لا يؤمنون بالقرآن، وإنما بسبب أن القرآن حمل في ذاته «الآية» الدالة على صدق نبوة محمد، عليه السلام، وهذا ما بينه الله بعدها بقوله:
«قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ»!!
لقد مُلئت بطون كتب المصدر الثاني للتشريع، عند الفرق والمذاهب المختلفة، بأمهات كتب الحديث، من صحاح وسنن ومسانيد ومصنفات ومستدركات…، وبأمهات علوم القرآن، من تفسير وأسباب نزول وناسخ ومنسوخ وقراءات…، بما جعل الرسالة الخاتمة، التي جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، والتي حملها من أرسله الله «رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ»، جعلها لا تختلف كثيرا عن الرسالات التي حرفها أتباع الرسل السابقين!!
والسؤال: من المسئول عن أن تتحول الرحمة إلى عذاب، وإلى تطرف وإرهاب، وتخلف وإفساد؟!
إنه المصدر الثاني للتشريع، الذي تحمي مرجعياته المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية، ليستقي منها أئمة الخلف تدينهم، وينشروه على الناس من خلال منابر الدعوة المختلفة، ثم بعد ذلك نطالب نفس هذه المؤسسات بتجديد «الخطاب الديني» ومحاربة الإرهاب!! الحقيقة، شيء لا يصدقه عقل!!
معلومات:
روح القدس: هو جبريل، عليه السلام، لقوله تعالى: «وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»، والروح: المَلَك، والقدس: الطُهر، ومعناه الفضل وجلالة القدر، وإضافة الروح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصّفة، والمعنى: الملك المقدس.

(367) 20/8/2015 (المنهجية العلمية في التعامل مع القرآن 1-2)
عدد المشاهدات : 194
لقد ختم الله «النبوات» بخاتم النبين محمد، عليه السلام، وجعل رسالته «آية قرآنية» قائمة بين الناس إلى يوم الدين، ليبدأ عصر جديد، تتحمل فيه البشرية مسئوليتها في التعامل المباشر مع «الكتاب الإلهي»، القرآن الكريم، وفي نفس الوقت مع «الآية الإلهية» التي حملها في ذاته، الدالة على صدق «نبوة» رسول الله محمد!!
ولم يحدث في تاريخ الرسالات أن آمن أحد بنبي من الأنبياء، قبل أن يؤمن بـ «الآية الإلهية» الدالة على أنه رسول الله …، فهل آمن المسلمون بـ «الآية القرآنية» قبل أن يؤمنوا بالقرآن؟!
الحقيقة، أكاد أجزم، أن كل المسلمين ورثوا القرآن باعتباره كتابا إلهيا فقط، ولم تؤمن قلوبهم بالقرآن باعتباره الحامل لـ «الآية الإلهية» الدالة على أنه كتاب الله، فظلوا يتعاملون مع القرآن ككتاب من كتب التراث الديني، يمكن أن يأتيه الباطل، كما حدث للكتب السابقة!!
ولذلك تراهم يبحثون عن هذا الباطل في كتب التراث الديني فإذا بهم يجدونه يخدم هواهم، لأن الذين كتبوا هذا التراث بشر، ولم يحدث في تاريخ الرسالات أن حفظ البشر كتاب الله بعد وفاة الرسل:
«فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ»
أما الذي آمن بالقرآن، باعتباره «الآية الإلهية» الدالة على صدق الرسول المبلغ لهذا القرآن، فيستحيل أن يقرأ القرآن بمنظار الماضي، ولا بمنظار الأمس، وإنما بمنظار الحاضر المتناغم مع جميع الآيات الكونية، التي يراها شاخصة أمامه اليوم، تشهد أن هذا القرآن كلام الله يقينا!!
وعلى أساس هذه المنهجية العلمية في التعامل مع القرآن «الكتاب الإلهي»، الحامل لـ «الآية الإلهية» الدالة على صدق النبي الخاتم في بلاغه عن الله، نفهم القرآن بأدوات وإمكانات اليوم، وإلا كنا سلفيين تراثيين نلبس ثوب الحداثة والمعاصرة!!
«أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»
(368) 23/8/2015 (مذاهب متخاصمة، وخلافات مرجعية، وبينهما فتوى)
عدد المشاهدات : 207
مذاهب متخاصمة، وخلافات مرجعية، وبينهما فتوى
نعيب على الغرب اتهامه الإسلام والمسلمين بالتخلف والتطرف وسفك الدماء بغير حق، في الوقت الذي يحمل تراث المسلمين الديني ما يثبت صحة هذا الاتهام، ليس بسبب الدين الإسلامي، وإنما بسبب تدين فقهاء المسلمين وتطرفهم المذهبي، الذي يشاهده الغرب ليل نهار على وسائل الإعلام المختلفة!!
إن أكثر من يحملون «الفقه الجهادي» لا يعلمون شيئا عن الجهاد في الشريعة القرآنية، ولا شيئا عن مفهوم قوله تعالى:
«لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»،
ولا شيئا عن الخلافة في الأرض:
«أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ»
ولا شيئا عن السلام النفسي، الذي هو القاعدة الأساسية للسلام الاجتماعي، المحلي والعالمي:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ»
وإن أكثر من يحملون «الفقه السلمي» لا يعلمون شيئا عن الفقه القرآني، وخير شاهد على ذلك أمهات كتب الفقه المقارن، التي أظهرت للعالم كيف كان يفكر أئمة الفقه في القرون الأولى، واقرؤوا كتب الفقه المقارن، وفي مقدمتها «بداية المجتهد ونهاية المقتصد – لابن رشد»، لتقفوا على حجم المأساة التي تعقد هذه المؤتمرات من أجل الدفاع عنها وحمايتها!!
إن مسألة مواجهة إشكاليات الفقه في الحاضر والمستقبل ما هي إلا مجرد صورة لابد من إظهارها على الساحة العالمية لتقول للناس «نحن هنا، والإسلام بخير»!!
تعالوا نلقي الضوء على بعض المسائل المتعلقة بأزمة الفتوى، وكيف أنها كانت «وما زالت» سببا رئيسا في اتهام الإسلام بأنه دين العنف والإكره في الدين وسفك الدماء بغير حق.
أولا: اذكر يوم أن خرج علينا رئيس قسم الحديث وعلومه بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، الدكتور عزت عطية، بفتوى «إرضاع المرأة زميلها في العمل»، فيكون ابنها في الرضاعة، حتى لا تكون الخلوة بينهما محرمة، قامت الدنيا ولم تقعد، وظهرت الرسوم الكاريكاتيرية في الصحف والمواقع العالمية تسخر من الفتوى ومن الرسول ومن الإسلام!!
والسؤال: عندما قرر المجلس الأعلي للأزهر تفويض جامعة الأزهر في إصدار قرار بوقف الدكتور عزت عطية عن العمل، وإحالته إلي مجلس التأديب للتحقيق معه في فتواه، التي قال إنه أخذها عن فقهاء أئمة السلف: ابن حزم وابن تيمية وابن القيم والشوكاني، وما استخلصه من كلام ابن حجر ..، هل كانت هذه العقوبة لأنه تحدث في مسألة تتعلق بأصول الفقه، وهو ليس فقيها؟!
ثانيا: لقد عقدت عشرات المؤتمرات، خلال الأعوام السابقة، من أجل بحث قضية الفتوى، منها: «المؤتمر العالمي للفتوى وضوابطها»، «مؤتمر الفتوى واستشراف المستقبل»، وأخيرا «مؤتمر الفتوى وإشكاليات الواقع وآفاق المستقبل»، وإن أهم وأصعب إشكال واجه هذه المؤتمرات، هو قضية «المرجعية» التي يستند إليها المفتي في فتواه، فانشغل الفقهاء بالفتوى وأعطوا ظهورهم للمرجعية!!
يقول ابن القيم في «إعلام الموقعين»: «وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السَّنِيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن ربِ الأرض والسموات …، وهو المنصبُ الذي تولاَّه بنفسه ربُّ الأرباب، فقال تعالى: «وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ»، وكفى بماتولاَّه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالة إذ يقول في كتابه: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ»!!
فعندما يقول ابن القيم: «فكيف بمنصب التوقيع عن ربِ الأرض والسموات»، إذن فعلينا أن نسأل: أين هي المرجعية التي تجعل من المفتي نائبا عن الله تعالى؟! لقد اختلفت المذاهب الفقهية في الفرقة الواحدة اختلافا كبيرا، في مسائل العقيدة والشريعة، ولم يكن هذا الخلاف من باب التباين الاجتهادي والعلمي الذي كثيراً ما يقع داخل الفرقة الواحدة، وإنما خلافاً في أصول العقيدة!!
ثالثا: قال مفتي الجمهورية في مؤتمر الفتوى وإشكاليات الواقع وآفاق المستقبل: «إن الفتوى صنعة أي أنها عملية دقيقة تحتاج من القائم بها أن يكون عالما بالشرع الشريف بإدراك المصادرِ وفهمها»!!
والسؤال: ما هي المصادر التي يجب على المفتي أن يدركها ويفهمها؟! هل هي مصادر الشريعة التي كانت التيارات السلفية تريد أن ينص الدستور المصري عليها في المادة «٢١٩»، وهي: «مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة»؟!
فكيف تشمل مبادئ الشريعة الإسلامية المصادر المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة، فهل الشريعة الإسلامية حكر على فرقة أهل السنة والجماعة؟! كيف تشمل الشريعة الإسلامية القواعد الأصولية والفقهية، أى منظومة الفقه السلفي السني، فقه القرنين الثالث والرابع الهجريين، فقه الصراع بين أتباع المذاهب الفقهية المختلفة؟!!
فهل هذا معقول؟! نتحدث عن إشكاليات الواقع وآفاق المستقبل، بمعزل عن الفقه الشيعى، والمعتزلى، والأباضى…، وهؤلاء مصنفون جميعا فرقا إسلامية، حسب ما نصت عليه أمهات كتب الملل والنحل؟!!
وعندما يوصي المؤتمر في جلسته الختامية، بـ «الدعوةُ إلى الالتزامِ بقراراتِ الهيئاتِ الشرعية والمجامع الفقهيةِ ودُورِ الإفتاءِ الكبرى في مسائل النوازلِ وفتاوى الأمة؛ لما فيها من جُهد جماعيٍّ»، فماذا يقصد بالهيئاتِ الشرعية التي يجب الإلتزام بما يصدر عنها من فتاوى لما فيها من جهد جماعي؟! هل يقصد الهيئاتِ الشرعية للأحزاب والجمعيات الدينية، التي تعمل في مجال الدعوة الإسلامية وفق قوانين الدولة؟!
رابعا: من ضوابط الفتوى، التي توصي بها هذه المؤتمرات، أن لا تكون الفتوى شاذة، ويستندون في تعريف الشذوذ إلى رواية البخاري، حديث الرجل الذي قاتل قتالا شديدا حتى وصف بأنه لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه، وقد علق ابن حجر عند شرحه لهذه الرواية بقوله: الشاذ ما انفرد عن الجماعة، والفاذ المنفرد!!
وبناء على هذه الرواية خرجوا بتعريف للفتوى الشاذة أنها التي يخرج صاحبها عن الجماعة، ويخالف فيها الإجماع والدليل الشرعي، من كتاب أو سنة أو إجماع، وما استقر عليه أمر الأمة من أحكام الدين، عقيدة وشريعة!!
والسؤال: الخروج عن أية جماعة من الجماعات الإسلامية يجعل الفتوى شاذة؟!!
الخروج عن إجماع أية فرقة أو مذهب يجعل الفتوى شاذة؟!
وأين هي الأمة التي استقرت أحكامها الدينية عقيدة وشريعة؟!
وأية مرجعية للسنة النبوية، عند الفرق والمذاهب المختلفة، هي التي يستقى منها الدليل الشرعي؟!
مثال: إن مسألة عزل الحاكم، لفسقه أو لظلمه أو لفساده، من المسائل الفقهية التي أفرزتها أحداث الفتن الكبرى، والتي بدأت بقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان على أيدي مسلمين. فكان من الطبيعي أن يراعي الفقهاء هذه المسألة، لأنها من المسائل الشائكة جدا، خصوصا أن القاتل مسلم، والمقتول خليفة مسلم، وقُتل مع سبق الإصرار والترصد!!
فذهب «الحنابلة»، وهم يمثلون مدرسة أهل الحديث، إلى أنه لا يجب عزل الحاكم، سواء كان فسقه متعلقا بأفعال الجوارح، وهو ارتكاب المحظورات، أو كان متعلقا بالاعتقاد.
وذهب «الأشاعرة»، وهو المذهب العقدي لعلماء الأزهر، إلى أن حدوث الفسق في الإمام، بعد العقد له، لا يوجب خلعه، وإن كان مما لو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد له.
وذهب «الماترتدية»: إلى أن الحاكم لا ينعزل بالفسق: أي بالخروج من طاعة الله تعالى، والجور: أي الظلم على عباد الله تعالى، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم ويقيمون الجُمَع والأعياد بإذنهم ولا يرون الخروج عليهم.
وذهب «المعتزلة»: إلى أن الشرع أوجب ألا يخلع الإمام إلا عن فسق، فقد ثبت بالشرع أن الخلع والإزالة لا تجوز من غير حدث، وأن خلعه لا يجوز من السلامة، لإجماعهم على ذلك.
إلى آخر الآراء والاجتهادات الفقهية التي سودت بها آلاف الصفحات من أمهات كتب الفرق والمذاهب المختلفة، لذلك كان من الطبيعي أن يعيش فقهاء هذه الفرق الإسلامية المختلفة في حالة تخاصم وانفصام وتناقض في ظل هذه المنظومة الفقهية السلفية، ثم نأتي نتحث عن «إشكاليات الواقع، وآفاق المستقبل».
إنه يستحيل أن نواجه إشكاليات الواقع، ونستشرف آفاق المستقبل، ونحن نتحرك داخل هذه المنظومة الفقهية السلفية، التي مضى عليها قرون من الزمن، في الوقت الذي نحمل في أيدينا «آية قرآنية» قال الله تعالى عنها: «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ»!!
إن إخراج الناس من الظلمات إلى النور، عمل مؤسسي حضاري، يقوم على:
«منظومة الفقه القرآني المعاصر»، التي تثبت للعالم أجمع أن هذا القرآن يحمل الآية والمنهج في نفس الوقت،الآية الدالة على أن محمدا رسول الله، والمنهج الذي يشهد بذاته أن هذا القرآن حقا من عند الله تعالى.
فقه قرآني «متجدد» يتلائم مع مقتضيات وتحديات كل عصر.
فقه قرآني «متحرك» يضمن السلامة والنجاح والرقي والتقدم لأي نظام يقوم عليه في أي عصر وفي أي مكان.
فقه قرآني يعمل به جميع المسلمين على كلمة سواء، وهم على يقين أنهم حقا يطيعون الله، ويطبقون شريعته، ويتبعون رسوله محمدا.
إنه عمل يتعلق بمصير أمة تفرقت وتخلفت وتخلت عن مسئوليتها وشهادتها على الناس، ولا نجاة لعلمائها بتخصصاتهم العلمية المختلفة، وليس فقط علماء المذاهب الدينية، إلا إذا تحملوا جميعا مسئولياتهم لإقامة هذه المنظومة الفقهية المعاصرة، على الأصول والقواعد القرآنية، التي جاءت بها نصوص «الآية القرآنية» هذه الآية التي هي البرهان الوحيد الذي يحمله المسلمون اليوم، الدال على صدق «نبوة» رسولهم محمد، عليه السلام!!
«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»

(369) 23/8/2015 (توضيح خاص بالمقال السابق)
عدد المشاهدات : 192
قلت في المقال السابق: «إن إخراج الناس من الظلمات إلى النور، عمل مؤسسي حضاري، يقوم على: «منظومة الفقه القرآني المعاصر»، التي تثبت للعالم أجمع أن هذا القرآن يحمل الآية والمنهج في نفس الوقت، الآية الدالة على أن محمدا رسول الله، والمنهج الذي يشهد بذاته أن هذا القرآن حقا من عند الله تعالى»
«فقه قرآني «متجدد» يتلائم مع مقتضيات وتحديات كل عصر» … «فقه قرآني «متحرك» يضمن السلامة والنجاح والرقي والتقدم لأي نظام يقوم عليه في أي عصر وفي أي مكان».
وعلى أساس هذه المقدمة الحضارية قلت هذه التوصية: «فقه قرآني يعمل به جميع المسلمين على كلمة سواء، وهم على يقين أنهم حقا يطيعون الله، ويطبقون شريعته، ويتبعون رسوله محمدا».
ففهم البعض من هذه التوصية أني أدعو إلى (فقه إسلامي موحد لجميع المسلمين)، ظنا منهم أني أعني بكلمة «الفقه» معناها الاصطلاحي، الذي يستخدمه فقهاء المذاهب المختلفة، فلزم التوضيح:
أولا: لقد أردت أن أقول في هذه التوصية المعنى التالي:
إن ما يُميز الفقه القرآني، أن المتبع له لا يكون متبعا لأحد من البشر، وإنما متبعا للرسول، لذلك قلت: «ويتبعون رسوله محمدا»..، ويكون مطبقا للشريعة التي جاء بها، لذلك قلت: «ويطبقون شريعته»..، وهو على يقين أنه حقا يطيع الله، لذلك قلت: «وهم على يقين أنهم حقا يطيعون الله»!!
ثانيا: إن الدارس لمشروعي الفكري، يعلم أني لا أستخدم كلمة «الفقه»، بمعناها الاصطلاحي المستخدم في الفقه الإسلامي، وإنما هي آلية من آليات عمل القلب، لا تعمل منفصلة عن باقي آلياته، إلا أنها تهتم بربط الأسباب بمسبباتها، لتصل إلى حقائق الأمور، تدبر قوله تعالى:
«أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا»
ثالثا: إن الكلمة السواء، ليست كما فهم البعض «الفقه الإسلامي الموحد لجميع المسلمين»، وإنما هي مصطلح قرآني، يعني الكلمة التي اجتمع عليها الأنبياء والمرسلون، ولا يختلف عليها أولوا الألباب، ونص عليها القرآن صراحة بالدلالة القطعية، ولا مجال فيها لاجتهاد البشر، سواء كانت تتعلق بملة الوحدانية، أو بأحكام الشريعة القرآنية، ولا يكون المسلم حرا في اختيارها أو عدم اختيارها، بعد أن أسلم وجهه لله تعالى، وأقر العمل بشريعته، وهذا ما قصدته بقولي:
«فقه قرآني يعمل به جميع المسلمين على كلمة سواء، وهم على يقين أنهم حقا يطيعون الله، ويطبقون شريعته، ويتبعون رسوله محمدا»!!
هذه هي «منظومة الفقه القرآني المعاصر»، الفقه القرآني «المتجدد»..، الفقه القرآني «المتحرك»..، الفقه القرآني الذي يجمع المسلمين على كلمة سواء، وهم على يقين أنهم حقا يطيعون الله، ويطبقون شريعته، ويتبعون رسوله محمدا..، فشريعة الله ليست شأنا فرديا يتبع فيه كل مسلم هواه!!
ولقد أكدت ذلك بقولي في خاتمة المقال: «ولا نجاة لعلمائها بتخصصاتهم العلمية المختلفة، وليس فقط علماء المذاهب الدينية، إلا إذا تحملوا جميعا مسئولياتهم لإقامة هذه المنظومة الفقهية المعاصرة، على الأصول والقواعد القرآنية، التي جاءت بها نصوص «الآية القرآنية» هذه الآية التي هي البرهان الوحيد الذي يحمله المسلمون اليوم، الدال على صدق «نبوة» رسولهم محمد، عليه السلام»!!
«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»
(370) 24/8/2015 ( تنابلة السلاطين )
عدد المشاهدات : 197
«التَنْبَل»: هو الرجل الكسول، المريض باللامبالاة، الذي لا يقوم بواجباته، ولا يتحمل مسئولياته، ولا يستفيد من النعمة التي فضله الله بها على سائر المخلوقات، وهي نعمة التدبر والتفكر والتعقل والنظر!!
أولا: لقد قضيت أربعة عقود من عمري في تفهيم المسلمين (كيف حدث) المرض العضال الذي أصابهم، و(كيفية علاجه)، وذلك بعد أن قمت (بتشخيصه) تشخيصا دقيقا، خلال رحلتي العلمية بين أتباع الفرق الإسلامية المختلفة، في أوائل الثمانينيات!!
ثانيا: المرض العضال الذي أصاب «خير أمة أخرجت للناس» هو أن أفرادها تفرقوا في الدين، وقد بُح صوتي وجف قلمي، من كثرة التحذيرات التي وجهتها للمسلمين، خلال أربعة عقود، لأبيّن لهم أن ما هم عليه من تفرق في الدين، خطر كبير على ملة «الوحدانية» لأنه يدخلهم دائرة الشرك بالله، بالنص القرآني القطعي الدلالة عن الله عز وجل!!
ثالثا: معظم المسلمين، رواد شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة حسابات وصفحات الفيس بوك، يدخلون هذا العالم «متفرجين، «ترانزيت»، فإذا وجدوا منشورا أعجبهم عنوانه، يقومون فورا بعمل «لايك»، من غير قراءة المنشور، ولا معرفة صاحب المنشور، ولا شيئا عن مشروعه الفكري!!
ولكن عندما يكون هذا المشروع الفكري يتعلق بالفكر الإسلامي، هنا يجب أن تكون هناك وقفة، ويكون هناك سؤال: هل أصحاب هذه المشاريع الفكرية، والمتابعون لها، والمعجبون بها، يعلمون هذا المرض العضال الذي أصاب المسلمين، وخطورته على مستقبلهم؟!
رابعا: ماذا تفعل لو كنت مكاني؟!
أعلم المرض، وأسبابه، وكيفية علاجه، ثم بعد أن وجدت أن الكلام لم يأت بنتيجة، جعلته صوت وصورة، وقمت بإخراج أربع حلقات بعنوان «نحو إسلام الرسول»، بيّنت فيها المشكلة والمنهج والعلاج…، ثم بعد ذلك أجد من يسألني عن التطبيقات العملية لمشروعي الفكري، (وهي موجودة على الصفحة)، ويسألني عن المرض الذي جعل المسلمين يهجرون كتاب الله ويتبعون علماء السلف والخلف، وكيفية علاجه، (وهو مفصل على هذه الصفحة)!!
خامسا: بمتابعتي لتفاعل المسلمين مع كلام الله تعالى، وكيف أن الله وضع للناس سننا للتغيير، لا تتبدل ولا تتغير..، لا تعرف مسلما ولا غير مسلم، وإنما تعرف فقط من قام بتفعيلها، حسب المنظومة العلمية التي تعمل من خلالها..، علمت خلال هذه المتابعة، أن سبب تخلف المسلمين أنهم هجروا كتاب الله (عملا)، وضيعوا حياتهم في سبيله (فكرا)!!
سادسا: أحد السلاطين العثمانيين أمر بمعاقبة كل مدعي العجز عن العمل بإغراقهم في النهر، فجمعهم وأمر الجنود بإغراقهم، فاقترح أحد رجاله أن يستفيد منهم في إعداد الطعام لمزرعة الأبقار، وكل ما سيفعلونه هو فقط نقع العيش اليابس في الماء، لتأكله بعد ذلك الأبقار، وعندما أبلغهم الرجل بذلك رفضوا، وفضلوا الموت غرقا!!
أما المسلمون، فيفضلون الموت (أحياءً)، ولا أنهم يُغيرون حياتهم وفق ما أمر الله به في كتابه، مع علمهم أن الله تعالى يقول:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»
ويا ليتهم سيموتون «تنابلة»، وإنما مصرين على «التنبلة»، وهي ظلم للنفس، والإصرار على ظلم النفس كبيرة، تستوجب التوبة، لأن الله تعالى يقول:
«وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ»
«أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»



تعليقات