top of page

سلسلة مقالات بدون عنوان ١٧

1 فبراير 2025

82 min read

0

4

0

(401) 15/12/2015 (القرآن «آية إلهية» … رغم اختلاف مصاحفه)

 عدد المشاهدات : 205

إن ربط مسألة الإسناد بالقراءات القرآنية، وهو القاعدة الرئيسية التي قام عليها علم الحديث، لإثبات أن القرآن وصل إلينا بـ «الرواية» عن رسول الله، كما وصلت إلينا «أحاديثه»، أمر في غاية الخطورة على الفكر الإسلامي، وعلى ثقافة المسلمين الدينية!!

إن أقصى ما يمكن أن يتوصل إليه علم الإسناد، هو إثبات صحة ما نسبه الرواة إلى رسول الله من قراءات قرآنية، ودين الله لا تثبت حجيته بصحة النسبة إلى الرسول، وإنما بصحة النسبة إلى الله تعالى، الأمر الذي يحتاج إلى برهان من الله يثبت هذه الحجية، وهذا البرهان لا يملكه علم الإسناد، وهذا ما غاب عن أئمة السلف والخلف، وعن أنصار فقه الحداثة والمعاصرة!!

إنني عندما أريد الاستدلال بكلام الله تعالى أقول: قال الله، وأقرأ الآية مباشرة من المصحف، دون إسنادها إلى أحد من البشر، ولو كان الرسول نفسه، فإذا سألني سائل: وما الدليل على أن هذا الذي تقرؤه هو كلام الله؟! هنا لزم البيان:

(أولا): يستحيل أن يُثبت أحد، من الإنس والجن أن هذه الجمل المدونة في المصحف هي كلام الله عن طريق علم الرواية والإسناد، ذلك أن آخر ما يمكن أن يتوصل إليه هذا العلم هو إثبات مدى صحة النسبة إلى رسول الله، وليس إلى الله تعالى، وهذا هو مربط الفرس!!

إن الذي يحتاج إلى «سند» هو الشيء المائل الذي لا يقوم إلا به، وإلا وقع، وإذا كان هذا هو حال «الأحاديث» التي نسبها الرواة إلى رسول الله، والتي يستحيل أن يكون لها وجود أصلا إلا بـ «السند الروائي»، فإن كلام الله يستحيل أن تثبت حجيته بهذا «السند الروائي»، وها هي أمهات كتب «علوم القرآن» أمامكم، أروني كيف أثبتت، بمذاهبها ومدارسها العقدية المختلفة، أن الجمل المدونة في المصحف اليوم هي كلام الله؟!

(ثانيا): إن القراءات القرآنية المنتشر مصاحفها بين المسلمين اليوم، هي:

١- قراءة حفص «ت١٨٠هـ» عن عاصم «ت١٢٧هـ».٢- قراءة ورش «ت١٩٧هـ» عن نافع بن عبد الرحمن «ت١٦٩هـ».٣- قراءة قالون «ت٢٢٠هـ» عن نافع بن عبد الرحمن «ت١٦٩هـ».

فإذا نظرنا إلى هذه المصاحف، لن نجد سورة واحدة مختلفة في قراءة من هذه القراءات عن غيرها، ولا حتى أصغر سورة، وهي الكوثر، فماذا يعني هذا؟!

إن الله تعالى عندما أراد أن يقيم الحجة على المكذبين بنبوة رسوله محمد، لم يطلب منهم أن يأتوا بكلمة من كلمات هذا القرآن، أو برسم مختلف لها، أو بإعراب مختلف، أو أن يغيروا الفعل الماضي إلى الحاضر أو المستقبل…، وإنما طلب منهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، فعجزوا أن يأتوا حتى بمثل سورة الكوثر، فهل اختلفت سورة الكوثر، بجملها الثلاث، الموجودة في هذه المصاحف بقراءاتها المختلفة؟!

أليس وجود قوله تعالى: «وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ…»، في هذه المصاحف، بقراءاتها المختلفة، دليلا على أن عجز أهل اللسان العربي أن يأتوا بسورة من مثله قد شمل سور هذه المصاحف، بقراءاتها المختلفة، وبالتالي تكون قد حملت جميعها «الآية الإلهية» الدالة على أن هذا القرآن هو كلام الله يقينا؟!

لقد أحصى الدكتور محمد الحبشي، ما ورد من اختلاف بين المصاحف، في كتابه «الشامل في القراءات المتواترة»، وهي رسالة دكتوراة، يقول في المبحث الثالث منها، تحت عنوان: «حصر تفاوت مصاحف الأمصار»:

«ولنأخذ الآن في إحصاء ما ورد من خلاف في الرسم بين المصاحف العثمانية على سبيل الإحاطة المستوعبة»، ثم قال: «سائر الاختلاف في الرسم محصور في (٤٩) كلمة…»، ثم ذكر الآيات التي وردت فيها هذه الكلمات بصورها المختلفة، ويمكن للقارئ الكريم أن يطلع على هذا المبحث، وغيره من عشرات الدراسات، ليقف على ما حملته هذه الاختلافات من صور بلاغية!!

(ثالثا): إن «الآية الإلهية» هي البرهان الدال على صدق الله في ما أنزل، وصدق الرسل في ما بلغوا عن ربهم من رسالات، ولقد كانت هذه الآيات حسية، لا تقوم حجيتها إلا على من شاهدها، فإذا توفى النبي انتهت بوفاته فاعلية آيته، ثم بعث الله نبيه الخاتم محمدا، بـ «آية عقلية»، لا تنتهي فاعليتها بوفاته، بل تظل قائمة بين الناس إلى يوم الدين.

إن «الآية العقلية» الدالة على صدق «نبوة» رسول الله محمد، هي كتاب الله الخاتم، ورسالته إلى الناس جميعا، هي القرآن الكريم، ولا تثبت حجية هذه الآية بنصوصها المدونة في المصاحف فقط، وإنما بتفاعلها مع المقابل الكوني لها في هذا الوجود، ولقد سبق أن ذكرت البراهين الدالة على ذلك في مقالي: «حجية القرآن ليست في نصوصه فقط، وإنما في مقابلها الكوْني».

إن كل المصاحف المتداولة بين أيدي المسلمين اليوم، كتاب إلهي واحد، يبدأ بسورة الفاتحة، وينتهي بسورة الناس، ويشهد بدلائل الوحدانية، وبصدق «نبوة» رسول الله محمد، وقد حمل للناس الآية بمعناها الكوني، وهو تفاعل كلام الله المقروء مع مقابله الكوني، الذي لا حدود له، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: «قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا».

(رابعا): إننا قد نعلم اليوم الحكمة من اختلاف المصاحف وقد لا نعلمها، وقد يأتي من يعلمها، ثم يأتي من هو أعلم منهم، وهذا وجه من الوجوه الدالة على أن هذا القرآن من عند الله يقينا، وسأضرب بعض الأمثلة، لبيان أن هناك من لهم دراية بعلم البيان، ففهموا الاختلافات الموجودة بين كلمات بعض الآيات على النحو التالي:

الأول: يقول الله تعالى في سورة آل عمران «الآية ١٨٤»:

«فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ»

لقد أضيف حرف «الباء» إلى كلمة «البينات» فقط، ولم يضف إلى كلمتي «الزبر» و«الكتاب»، وهكذا كُتبت هذه الآية في جميع المصاحف المتداولة اليوم: بقراءة حفص عن عاصم، وبقراءة ورش وقالون عن نافع.

ولكننا نجد أن قراءة هشام عن ابن عمر،أضافت حرف «الباء» إلى كلمتي »الزبر» و»الكتاب«، فجاءت الآية هكذا: «فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَبالزُّبُرِ وَبالْكِتَابِ الْمُنِيرِ»، كما نجد أن ابن زكوان قرأها عن ابن عمر بإضافة حرف الباء إلى كلمة «الزبر» فقط، فجاءت الآية هكذا: «فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَبالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ».

فإذا نظرنا إلى جميع المصاحف المتداولة بين المسلمين اليوم، لا نجد فيها إضافة حرف «الباء» إلى كلمتي «الزبر»، و«الكتاب»، إذن فما الحكمة من زيادة حرف «الباء» في القراءات الأخرى؟!

إن الحكمة نجدها في علم «الحذف والإضافة»، فإذا قلت: مررت «بزيد وعمرو»، يفهم من كلامك أنك مررت بهما في مرور واحد، أما إذا قلت: مررت «بزيد» و«بعمرو»، بإضافة حرف «الباء» إلى عمرو، يفهم من كلامك أنك قد مررت بهما في مرورين!!

إذن، فإضافة حرف »الباء« إلى الكلمة، قد أفاد معنى جديدا إلى السياق، وإلا ما كان لإضافته معنى، وهنا تكمن الحكمة من اختلاف القراءات، فهو ليس اختلاف تضاد وإنما مزيد بيان، وبرهان ذلك أن جميع المصاحف التي لم تضف حرف «الباء» إلى كلمتي «الزبر» و«الكتاب»، جاءت وأضافته إلى نفس الكلمتين في «الآية ٢٥»، من سورة فاطر، فتدبر:

«وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ»!!

المثال الثاني: يقول الله تعالى في سورة الروم، «الآية ٩»:

«أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً …».

لقد وردت كلمة »مِنْهُمْ«، في قوله تعالى: «أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً«، أيضا في قوله تعالى في سورة فاطر »الآية٤٤«، وقوله تعالى في سورة غافر، »الآية٢١«، إلا أننا نجد ابن عمر قرأها «مِنْكُمْ»، في سورة غافر فقط، فهل هناك حكمة في ذلك؟!

نعم، هناك في علم البيان ما يُعرف بتوجيه الضمائر، وبأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الحضرة، فإذا أريد توجيه الضمير إلى الغائب استخدمت كلمة «منهم»: »كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً«، وإذا أريد الالتفات من الغيبة ومخاطبة الحضور، استخدمت كلمة »منكم«: »كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً«، وهذه الأساليب البيانية لها ما يؤيدها من كتاب الله، كقوله تعالى في سورة يونس «الآية ٢٢»: «هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ».

فنلاحظ أنه بدأ بخاطب الحضور: »هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ»، يذكرهم بنعم الله عليهم، ثم انتقل إلى الذين كفروا بنعم الله، وتحدث عنهم بضمير الغيبة: «وَجَرَيْنَ بِهِم»، والذي يؤكد أن ضمير الغيبة يعود إلى الذين كفروا بنعم الله، قوله تعالى بعدها «الآية ٢٣»: «فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ»، والمؤمنون الشاكرون لا يبغون في الأرض بغير الحق!!

المثال الثالث: يقول الله تعالى في سورة آل عمران، «الآية ١٤٦»: «وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ».

قرأ قالون وورش عن نافع هذه الآية: »وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ»، وليس «قَاتَلَ مَعَهُ»، فمن قرأ: «قُتِلَ مَعَهُ» كان قوله تعالى: «فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ..» مدحا للبقية الذين لم يقتلوا، ومن قرأ: «قَاتَلَ مَعَهُ»، كان قوله تعالى: «فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ..»، مدحا للمقاتلين جميعا، وكان من قُتل منهم داخلا في المدح، فتكون كلمة «قَاتَلَ» أعم.

المثال الرابع: يقول الله تعالى في سورة البقرة، «الآية ١٢٤»: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ».

يعتقد البعض أن كلمة «إبراهيم» كُتبت في سورة البقرة، في جميع المصاحف، من دون حرف «الياء»: «إِبْرَهِم»، مع إضافة الألف الصغيرة بعد الراء، ثم جاءت في باقي السور بحرف «الياء»: «إبراهيم».

إن كلمة «إِبْرَاهِيمَ» كُتبت في المصاحف، حسب قراءة ورش وقالون عن نافع، في جميع سور القرآن بحرف »الياء«: »إِبْرَهِيمَ«، مع إضافة الألف الصغيرة بعد الراء، وقُرأت كذلك حسب قراءة ابن كثير، وشعبة عن عاصم، وأبي جعفر، ويعقوب الحضرمي، ولم تُكتب من دون حرف «الياء»: «إِبْرَهِم«، إلا في سورة البقرة فقط، بقراءة حفص عن عاصم، ومع ذلك يقرؤها المسلمون »إِبْرَاهِيمَ»!!

والسؤال: مع وجود عشرات الدراسات المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي تجيب عن جميع شبهات المشككين في حفظ الله لكتابه، وتبين الحكمة من اختلاف المصاحف، هل وجدنا قارئ من القراء، على مر العصور، استغل مسألة اختلاف المصاحف، للطعن في حفظ الله لكتابه، وفي صدق «نبوة» رسول الله محمد؟!

الجواب: «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»

محمد السعيد مشتهري

معلومات:

* علم الإسناد: علم يبحث في الطرق الموصلة إلى مصدر قائل الحديث، عن طريق الرواة الذين نقلوا عنه حديثه، ويستخدمه علماء الحديث لمعرفة صحة الحديث وضعفه، عن طريق بحث أحوال هؤلاء الرواة، من حيث الجرح والتعديل.

علوم القرآن: هي ما دونه أئمة السلف في أمهات الكتب من علوم التفسير، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والقراءات، والرسم العثماني، وكل ما يتعلق بالدراسات القرآنية من فقه اللسان العربي، ويشمل إعراب القرآن وصوره البلاغية.


(402) 19/12/2015 (المقابل الكوني، آيات إلهية، وليس جماعات دينية)

 عدد المشاهدات : 187

صديقي العزيز، المهندس فتحي عبد السلام، وهو من دعاة الجماعة الإسلامية الأحمدية، كتب تعليقا على مقال: «حجية القرآن ليست في نصوصه فقط وإنما في مقابلها الكوني»، هو في الحقيقة ليس تعليقا على ما جاء في المقال، وإنما دعاية للجماعة الأحمدية وتوجهاتها الفكرية!!

وكنت أتمنى أن يكون التعليق على ما ورد في المقال من أفكار وأسانيد قرآنية، فهذه الصفحة، كما يعلم أصدقاؤها، ليست للدعاية للتوجهات الفكرية الأخرى، فمن يريد التعرف على هذه التوجهات عنده شبكات التواصل الاجتماعي مفتوحة على مصراعيها!!

أولا: يقول المهندس فتحي: «حفظ الذكر هو حفظ النص بشكل استحال معه تحريفه، وعندما لا يبقى من القرآن سوى رسمه، فالحفظ هو مجيء رجل مسلم مطهر مس القرآن ففتح الله المعنى، ويتبين قدر القرآن وجلاله بشكل من تحقق به وفنى فيه أذاقه الله معنى أنه معه. خليفة منا يصحح»!!

أقول: ولد الميرزا غلام أحمد مؤسس الجماعة الأحمدية بقاديان في الهند، عام «١٢٥٥هـ»، أي في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وتوفى عام «١٣٢٦هـ»، أي في القرن الرابع عشر الهجري.

والسؤال: إذن فمن هو الرجل المسلم الذي طهر الله روحه، فعندما مس المصحف قلبه فتح الله عليه معانيه، فحفظ القرآن بعد وفاة النبي، حتى ظهر مؤسس الجماعة الأحمدية في القرن الثالث عشر الهجري؟!

هل عندما قال الله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» كان معناه أن يبدأ حفظ الذكر في القرن الثالث عشر الهجري عندما يظهر الميرزا غلام أحمد، لأن قبل هذا لم يكن هناك من طهر الله روحه ليحفظ هذا الذكر؟!

ثانيا: يقول المهندس فتحي: «المقابل الكوني لو صح التعبير هو شخص يحفظ القرآن في صدره وله تقوى وحب لله وكره المعصية ونقاء في النية فيهبه الله فهم الغوامض أيضا…»!!

أقول: إن المتابع لفكر الجماعة الأحمدية، يعلم أنه يقوم على توظيف معظم الآيات القرآنية لإضفاء الشرعية، بل وأقول القدسية، على مؤسسها، فها هم يجعلون آيات الآفاق والأنفس المشاهدة، المقابلة لآيات القرآن المقروءة، في شخص الميرزا غلام أحمد وخلفائه!!

فعندما يقول الله تعالى: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ..»، يجعلون الضمير في «أَنَّهُ الْحَقُّ» يعود إلى الميرزا غلام أحمد، وليس إلى القرآن!!

ثالثا: يقول المهندس فتحي: «لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ما عدا بعث ابن مريم نائبا عن محمد، لأن عودة الرسل للدنيا محال فيرسل الله صورة مرآتية: مجددا للدين الحق والخلق الطاهر ليظهر الله دين السمو على كل دين.. وهذه البعثة مذكورة في كتاب الله العميق المعاني، ولكل متدبر متطهر جاءه البيان ممن تطهر فمس القرآن أن يلمس ذلك… إلى آخره»!!

أقول: الحقيقة سأترك القارئ يجيب بنفسه على ما هي العلاقة بين الآيات القرآنية التي استدل بها المهندس فتحي، وأن الله جعل ميرزا غلام أحمد نائبا لنبيه محمد، ولماذا لم يظهر للنبي نائب حتى جاء مؤسس جماعة الأحمدية؟!

رابعا: يقول عن قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»: «والحفظ حفظ النص وحفظ نسخة تطبيقية حية في هيئة رجل صالح، وعندما يعتو الشيوخ تفسيرا فلا بد لله من رد يدمر باطلهم تدميرا، لذلك وفى الله بوعده في القرآن وبعث وبعث مسيحه ففسر، ويالروعة مافسر»!!

أقول: إن الفتنة التي يعيش بداخلها أعضاء الجماعة الإسلامية الأحمدية، أنهم يعتقدون أن الدليل على نبوة الميرزا غلام أحمد «بالنيابة»، هو تفسيره للقرآن، وأنه أتى بما لم يأت به من قبله، ولن يأت به من بعده!!

وهل يعقل أن يترك الله تعالى الناس للباطل، الذي أتى به المفسرون بعد وفاة النبي، انتظارا لبعثة الرجل الصالح الميرزا غلام أحمد في القرن الثالث عشر الهجري؟!

لقد قمت بالرد على ما أثاره المهندس فتحي حول موضوع المقابل الكوني، أما عن نقد ونقض فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية فهناك عشرات الدراسات التي قامت بذلك، ومنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي.

«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»


(403) 24/12/2015 (من قال إن في الإسلام مذاهب فقهية متخاصمة؟)

 عدد المشاهدات : 174

إن كثيرا من أئمة وفقهاء الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة، يتعاملون مع القرآن باعتباره مصدرا معرفيا لإعداد الدراسات القرآنية، والخطب المنبرية، واستنباط الأحكام الشرعية، وليس باعتباره «الآية الإلهية» التي جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهي تحمل آليات تفعيلها في ذاتها!!

فإذا سألناهم: لماذا لم تُخرجوا الناس من الظلمات إلى النور بنصوص هذه «الآية القرآنية»؟! «رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ»!!

لقد مات أئمة السلف، وحملوا معهم تدينهم وتفاعلهم الفقهي مع واقعهم، و«الدين الإسلامي» نظام متحرك مع حركة الحياة وتطورها، يتفاعل مع واقع الناس بفقه معاصر، فأين هذا الفقه المعاصر الذي يستطيع أن يدير بحكمة واقتدار الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم اليوم.

أين هذا الفقه الإسلامي المعاصر، الذي قدمته المؤسسات الدينية الرسمية، وغير الرسمية، والذي قدمه أئمة وفقهاء المذاهب العقدية والتشريعية المختلفة، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، بصورة عملية علمية، تتفاعل مع الواقع المعاصر؟!

ثم ما قيمة منابر الدعوة الإسلامية، بوسائلها الإعلامية المختلفة، إذا لم تستطع أن تحول الكلام إلى عمل خارج أبواب المساجد، وخارج استديوهات القنوات المحلية والفضائية؟! وما قيمة الدراسات الأكاديمية إذا لم تتحول إلى نهضة وتقدم حضاري، وما قيمة المؤتمرات والندوات، وبيانات الشجب والإدانة، إذا لم تتحول إلى واقع عملي يراه الناس؟!

إن الإشكال يكمن في أن «الدين» تحول من كونه نظاما متحركا مع حركة الحياة وتطورها، إلى نظام مؤسسي لا فاعلية له في واقع الناس إلا «الخطاب الديني»، كما تحول «الإسلام» من كونه دينا إلهيا مرجعيته نصوص «الآية الإلهية»، إلى دين بشري مرجعيته «الروايات البشرية»، والفقه السلفي!!

لقد بيّن الله تعالى أن نصوص «الآية القرآنية»، التي ارتضاها للناس دينا، لا فاعلية لها في عالم الأموات، فقال تعالى:

«…إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ – لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ»

تدبر قوله تعالى: «لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا»، أي أن القرآن الذي بين أيدينا اليوم هو الذي يجب تفعيل نصوصه اليوم بصورة عملية، وبفقه معاصر، ولذلك وصفه الله بالنور الذي يحمل معه البرهان على أنه من عند الله، فقال تعالى:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا»

ولقد بيّن الله تعالى أن هذا النور يجب أن يصل إلى قلوب الناس، فقال تعالى:

«أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».

انظر وتدبر قوله تعالى: «يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ»، ولم يقل: «بين النَّاسِ»، لبيان أن هذا «النور» يجب أن يصل إلى قلوب الناس، وذلك بالتفاعل الحي مع واقعهم، إيمانا وعملا صالحا، ولا يكون مجرد زينة ظاهرة، تحمل خطبا منبرية، وفتاوى عشوائية، لا فاعلية لها في حياة الناس!!

فأين نحن اليوم من هذا النور؟! وما هو الدور الذي تقوم به المؤسسات الدينية لإخراج المسلمين (قبل إخراج الناس) من ظلمات التفرق والتخاصم في الدين إلى نور الوحدة والتكامل، من ظلمات الجهل والأمية إلى نور العلم والمعرفة، من ظلمات الإرهاب والتطرف الديني إلى نور الإسلام والسلام؟!

إن الإشكال يكمن في أن المؤسسات الدينية قامت على «رجال دين»، وهؤلاء مرجعياتهم هي أمهات كتب أئمة السلف، فكيف سيتحركون بهذه الكتب مع حركة الحياة وتطورها، وهم يؤمنون أنه لا اجتهاد مع النص، وأن هذا النص هو ما دونه أئمة السلف في أمهات الكتب!!

ولكن الإشكال الأكبر، أنك إذا سألتهم: هل في الدين الإسلامي «رجال دين»؟! تراهم على الفور يتلون عليك قوله تعالى (التوبة/١٢٢):

«وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»!!

فتعالوا نفهم هذه الآية في سياقها القرآني، لنقف على معنى «التفقه في الدين»، وهل معناه أن يكون هناك «رجال دين»، لا يحملون إلا «العلوم الشرعية»، بمعزل عن التخصصات العلمية المختلفة، من طب وهندسة وزراعة..، وتقنيات حديثة، وعلوم عسكرية؟!

(أولا): لقد استخدم السياق القرآني كلمة «الفقه» للحديث عما يخفى علمُه، أو يحتاج إلى جهد علمي، أو تقني، للوقوف عليه، كقوله تعالى:

«فَمَا لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً» ـ- «وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» ـ «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ».

ولم يستخدم القرآن كلمة «فقه» للتعبير عن علم من «العلوم الشرعية» اسمه «الفقه»، يتخصص فيه علماء الفرق والمذاهب المختلفة، كلٌ حسب توجهه العقدي والتشريعي!!

إذن فـ «التفقه» في الدين، في قوله تعالى: « فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ»، لا علاقة له بفقه المذاهب العقدية والتشريعية المختلفة، الذي ظهر بعد قرون من نزول القرآن، وقام بتفريغ الشريعة الإسلامية من جوهرها ومقاصدها العليا، وجاء للناس بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان!!

(ثانيا): لقد جاءت كلمة «الدين»، في السياق القرآني، بأكثر من معنى، والمعنى الذي استخدم في سياق هذه الآية هو النظام الذي يلتزم به الناس في إدارة حياتهم، سواء كان حقا أو باطلا، صالحا أو فاسدا، فقد سمى الله ما عليه مشركو العرب من وثنية دينا، فقال تعالى: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ».

وقال تعالى عن يوسف عليه السلام: «مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ»، أي في نظام وشريعة الملك، وقال تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ»، أي إن النظام والمنهج والشريعة التي ارتضاها الله لحياة الناس هي الإسلام: «وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا».

إذن فكلمة «الدين» وحدها لا تعني «الإسلام»، إلا إذا أضفنا صفة الإسلام إليه فقلنا: «الدين الإسلامي»، كما نقول الدين المسيحي، أو اليهودي، أو إلا إذا دل السياق عليه، كقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ..»، فنفهم من السياق أنه يقصد الدين الإسلامي، بدلالة الخطاب: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا».

(ثالثا): فإذا كانت كلمة «لِّيَتَفَقَّهُوا» لا علاقة لها بفقه المذاهب السلفية، وكلمة «الدِّينِ» لا علاقة لها بالعلوم الشرعية السلفية، لعدم وجود إشارة إليها في سياق الآيات التي وردت فيها، إذن فما هو «الدين» المطلوب التفقه فيه، حسب ما يُفهم من سياق الآيات؟!

إن آيات سورة التوبة، بوجه عام، جاءت تحدد العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، من مشركين ومنافقين، وتكشف عن مدى العداء الذي يحمله هؤلاء تجاه المسلمين، ومن ذلك نقض المعاهدات، وخيانة المسلمين والغدر بهم، وقتالهم في الأشهر الحرم..، وعلى الجانب الآخر تأتي الآيات تأمر المسلمين أن يكونوا على حذر ويقظة دائمة لمواجهة هذه الانتهاكات العدائية غير الإخلاقية.

إننا إذا تدبرنا سياق آيات سورة التوبة، إلى ما بعد «الآية ١٢٢»، سنقف على معنى «الدين»، المطلوب «التفقه» فيه، وسنعلم أنه النظام «القانون» العسكري الواجب على القادة العسكريين أن يفقهوه، قبل الخروج «النفير» لقتال العدو.

لقد ورد الأمر بـ «النفير» في «الآية ٣٨»: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْض»، وفي «الآية ١٢٢»: «وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ»، ثم تدبر قوله تعالى بعدها «الآية ١٢٣»: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً»!!

إذن فسياق الآيات يتحدث عن موضوع محدد يتعلق بـ «فقه الحروب»، ولا علاقة له بالعلوم الشرعية، ولا بفقه أئمة السلف، الذي ظهر بعد أحداث «الفتن الكبرى»، وتفرق المسلمين إلى فرق متخاصمة متقاتلة.

إن «الآية ١٢٢» تتحدث عن واقع معاصر، تحذر المسلمين من التحرك جميعا لقتال العدو، فيجب أن يسبق هذا التحرك إرسال مجموعات استطلاع تراقب أحوال العدو، وترسل بالمعلومات إلى القيادة العسكرية، وهو ما يُعرف اليوم بالتكتيك الأمني والاستخباري، لاختيار أنسب الطرق للهجوم، وهذا ما أشارت إليه الآية «٧١» من سورة النساء: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا».

تدبر قوله تعالى: «خُذُوا حِذْرَكُمْ»، ثم قوله بعدها «فَانفِرُوا»، وعلاقته بالنفير في «الآية ١٢٢»، ثم قوله بعدها: «فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا»، أي أنه بناء على المعلومات الواردة للقيادة العسكرية يكون اختيار الأسلوب المناسب للقتال، فإما أن يكون التحرك عن طريق جيوش متفرقة: «فَانفِرُوا ثُبَاتٍ»، أو تحرك جماعي: «أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا»!!

ونلاحظ أن هذا التحذير الذي ورد في الآية «٧١» من سورة النساء: «خُذُوا حِذْرَكُمْ»، هو نفسه التحذير الذي ورد في «الآية ١٢٢» من سورة التوبة: «وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»!!

إن الجيوش الموزعة على البلاد، وعلى المناطق المختلفة، عليها بعد عملية الاستطلاع أن تبلغ (القوم) بنتيجة هذا الاستطلاع، ليكونوا على يقظة وحذر!!

(رابعا): إن قوله تعالى: «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ»، يُبيّن أن هناك طائفة نافرة من كل فرقة، خرجت للتفقه في الدين، بالمعنى الذي أشرنا إليه سابقا، وليست طائفة قاعدة في المسجد، تدرس فقه المذاهب الإسلامية على يد رسول الله، وإلا لجاء سياق الآية: «فلولا نفرت طائفة»، و«قعدت طائفة»، «ليتفقهوا في الدين»!!

إنه يستحيل أن نفصل «الآية ١٢٢» عن سياق الآيات التي قبلها والتي بعدها، لأن هذا السياق هو الذي حدد لنا معنى «النفير»، وأنه الخروج للقتال، ومعلوم أن رسول الله كان على رأس الجيش الخارج للقتال، وليس قاعدا في المدينة تأتيه الطوائف ليتفقهوا في الدين، بدليل قوله تعالى في نفس السياق «الآية ١٢٠»:

«مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ»!!

والإشكال هنا هو: على فرض أن كل فرقة نفرت منها طائفة لتتفقه في مسائل الشريعة على يد رسول الله، لتبلغ قومها إذا رجعت بما فقهته، إذن فما موقف باقي الطوائف التي لم تنفر للتفقه في الدين، أثناء فترة القتال؟! ثم ما علاقة هذا التفقه، المفترض أنه قائم أصلا بين الصحابة في السلم والحرب، خلال عصر الرسالة، بفقهاء المذاهب الإسلامية الذين فرقوا المسلمين إلى شيع متخاصمة متقاتلة؟!

(خامسا): وعلى أساس ما سبق بيانه، يمكننا فهم الآية على النحو التالي:

«وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً»: أي ليخرجوا إلى القتال جميعا، «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ»:

فلتخرج أولا طائفة من كل فرقة من الفرق المحاربة، «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ»: ليستطلعوا أحوال ونظام العدو، ويجمعوا عنه المعلومات، «وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ»: والعودة لإبلاغ قادتهم وأقوامهم بهذه المعلومات، «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»: فيضعون الخطط، ويوفرون الإمكانات المناسبة لمواجهة هذا العدو.

والسؤال: كيف يجرؤ أئمة السلف والخلف، على تحريف الكلم عن مواضعه، لإعطاء شرعية قرآنية لمنظومة الفقه السلفي، متجاهلين هذه الجمل: «لِيَنفِرُوا كَافَّةً»، «وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ»، «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»، والتي يستحيل أن تُحمل على معنى التفقه في العلوم الشرعية التي صنعها أئمة السلف بأيديهم؟!

لقد نزلت نصوص «الآية القرآنية» لتَحكُم لا لتُحكَم، لذلك يجب أن يكون لدى المؤسسات الدينية الرسمية:أولا: رؤية قرآنية متكاملة لمفهوم «الدين الإسلامي»، وهل هو دين فرقة من الفرق الإسلامية أم دين المسلمين جميعا!!

ثانيا: فقه قرآني معاصر، يشارك في إعداده نخبة من العلماء من كافة التخصصات العلمية، يُخرج أولا المسلمين من ظلمات التفقه المذهبي في الدين، إلى نور «الآية القرآنية» الذي يهدي الناس جميعا إلى صراط ربهم المستقيم.

«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»

 

معلومات:

* رجال الدين: مصطلح يطلق على من تخصصوا في العلوم الشرعية، فأصبحوا وحدهم من لهم الحق في التحدث باسم الشريعة دون غيرهم، والحكم على الناس بالكفر أو الإسلام، ولا شأن لهم بالحكم والسياسة، ولا بأفعال الحاكم وتصرفاته.

* المذاهب الإسلامية: هي مجموع آراء وفتاوى أئمة السلف، ارتبطت ببعضها ارتباطًا جعلها تمثل وجهة نظر صاحبها الدينية، وأصبح يُذْهب إليها لمعرفة أحكام الشريعة الإسلامية، وأول المذاهب الفقهية هو المذهب الحنفي، توفي صاحبه عام «١٥٠هـ».



ازمة المصطلح الدينى

القران وازمة التدبر

فتنة الآبائية

القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم الكتاب والقرآن محمد شحرور نموذجا نقض المنهجية

السنة والتشريع بين أزمة التخاصم والتكفير

المدخل الفطري إلى الوحدانية

(404) 29/12/2015 (عندما يصبح الكافر مؤمنا، حسب هوى المذهب)

 عدد المشاهدات : 193

في اللقاء المفتوح الذي عُقد بجامعة القاهرة، في الأول من ديسمبر ٢٠١٥، أجاب فضيلة الدكتور شيخ الأزهر على سؤال عن حكم تكفير «داعش»، فقال:

الذي يقر بأصول الإيمان لا أستطيع أن أكفره ولو ارتكب فظائع الدنيا كلها، فهل داعش بتؤمن؟! بتؤمن، لكن ارتكبت كل الفظائع، هل أستطيع أن أحكم عليها بالكفر؟! لا أستطيع، وإنما أحكم عليها بالفسق، ويكون حكمها حكم المفسدين في الأرض، وتلى قوله تعالى: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا …».

وقال فضيلته: «هذا هو الحكم، وليس الحكم أن أقول إنهم كفار، وإلا كنت مثلهم، لأن داعش بتعمل إيه؟! داعش تؤمن إن مرتكب الكبيرة كافر، وبما أن هذه الشعوب تحكم بغير ما أنزل الله، فهي كافرة، وبالتالي هي حلال الدم، فأنا إن كفرتهم أقع في ما ألوم عليهم فيه الآن»!!

إن ما قاله فضيلة شيخ الأزهر، عن عدم تكفير المؤمن الذي أقر بأصول الإيمان، وإن ارتكب فظائع الدنيا كلها، له جذوره العقدية المفصلة في «علم الكلام»، هذا العلم الذي خاض في مسائل إيمانية معقدة، تتعلق بذات الله تعالى وصفاته، وهل القرآن كلام الله مخلوق أم غير مخلوق، وهل العمل ركن من أركان الإيمان أم ليس ركنا؟!

لقد تشكل «علم الكلام»، بموضوعاته العقدية المعقدة، في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وظهر دوره بوضوح عندما تبنّى المأمون «ت ٢١٨هـ»، فكر المعتزلة، وتحدى به «أهل الحديث»، ثم ما ترتب على ذلك من محنة «خلق القرآن»..، إلى آخر الإشكاليات التي حملتها «الطوائف الكلامية» في هذا العصر، ومنها «الأشاعرة».

في حلقة من برنامج «فقه الحياة»، وفي سياق الحديث عن موقف «الطوائف الكلامية» من كلام الله، قال فضيلة الدكتور شيخ الأزهر:

«المعتزلة قالوا: كلام الله مخلوق، والحنابلة قالوا ردا على المعتزلة: كلام الله الموجود في القرآن بمعانيه وحروفه وألفاظه قديم، وليس مخلوقا، وفي الوسط جاء الأشاعرة والماتريدية، وهؤلاء هم «أهل السنة والجماعة»!!

ثم قال فضيلته: «لأن الآن في ثرثرة في الفضائيات حول أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة، من هم أهل السنة إن لم يكن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة؟! هم أهل السنة، والذين يقولون اليوم إنهم هم أهل السنة، قد وُصفوا في مراحل التاريخ بأنهم مشبهة ومجسمة، وكثير من علماء الإسلام من كفرهم»!!

وفي حلقة أخرى من نفس البرنامج قال فضيلته: «لم يحكم الأشاعرة على الحنابلة بالكفر، وإنما الحنابلة حكموا على الأشاعرة بالكفر، لم يحكم الأشاعرة على المعتزلة بالكفر، وإنما حكم المعتزلة على الأشاعرة بالكفر، الأزهر يستحيل أن يصفهم بالكفر، ولكن ألفت كتب كثيرة في تكفير الأشعري ومتبعيه»!!

إذن فنحن أمام إشكاليات تمتد جذورها إلى عصر الفتن الكبرى، بعد أن قامت الحروب بين المسلمين، وسفكوا دماء بعضهم البعض، وتفرقوا إلى فرق ومذاهب عقدية يُكفر بعضها بعضا، تدعى كل فرقة أنها هي الناجية، ويدعي كل مذهب من مذاهب فرقة أهل السنة والجماعة أنه «أهل السنة والجماعة»!!

إن حصر فضيلة شيخ الأزهر «أهل السنة والجماعة» في الأشاعرة والماتريدية فقط، يُخرج باقي الطوائف من فرقة «أهل السنة والجماعة»، ويعتبرون كفارا من وجهة نظر الأشاعرة، وفي مقدمة هذه الطوائف الطوائف «السلفية»، التي قال عنها فضيلته إنهم يعتبرون أنفسهم هم أهل السنة، بداية بـ «الحنابلة»، ثم «التيمية»، ثم «الوهابية»!!

والسؤال: إذن فمن هم «أهل السنة والجماعة»؟! أنا شخصيا أريد أن أفهم!! لأن هذا المصطلح ترتكب «داعش» تحت رايته «فظائع الدنيا كلها» ومع ذلك لا يستطيع فضيلته تكفيرها، لأنها «مؤمنة»، ومن أصول الإيمان عندها أن مرتكب الكبيرة كافر، وعلى هذا الأساس تستحل دماء الشعوب التي تحكم بغير ما أنزل الله، كما ذكر ذلك فضيلته في حديثه؟!

وإذا كانت «داعش» طائفة من طوائف «أهل السنة والجماعة» فكيف تحمل عقيدة «أهل السنة والجماعة» المتناقضين في وقت واحد: فـ «داعش» تكفر جميع مخالفيها من المسلمين، مع أنهم يقرّون بأصول الإيمان، ويشهدون الشهادتين، ومؤسسة الأزهر لا تستطيع تكفير «داعش» لأنها تقر بأصول الإيمان، وتشهد الشهادتين؟!

ولكن الإشكال الأكبر في مفهوم «الفسق» الذي ورد في كلام فضيلته عن «داعش» حيث قال: «وإنما أحكم عليها بـ «الفسق»، ويكون حكمها حكم المفسدين في الأرض، وتلى قوله تعالى: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا …».

فتعالوا نبيّن أولا مفهوم «الفسق» في اللسان العربي والسياق القرآني، ثم نبحث حكم الذين يحاربون الله ورسوله، في ضوء قوله تعالى: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا …».

(أولا): مفهوم «الفسق» في اللسان العربي والسياق القرآني:

يتفق الراغب في المفردات، وابن منظور في اللسان، على أن: فَسَقَ فلان: أي خرج عن حجر الشّرع، وأن الفسق أعمّ من الكفر، ويوصف به من أخلّ بجميع أحكام الشريعة أو ببعضها، وقد يكون الفسوق شركا ويكون إثما.

فإذا ذهبنا إلى السياق القرآني، نجد أن «الإيمان» يقابله «الفسق»، يقول الله تعالى في سورة السجدة: «أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ»، وأن «الإيمان» لا ينفصل مطلقا عن «العمل»، فقال تعالى بعدها:«أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»

وأن منظومة «الإيمان والعمل الصالح» هي المقابلة للفسوق الذي يخرج صاحبه من ملة الإسلام إذا كان مؤمنا، وليس الإيمان وحدة كما يدعي الأشاعرة، فقال تعالى بعدها:

«وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ».

أن معظم الآيات التي تحدث سياقها عن «الفسق» جاءت تخاطب الكافرين والمشركين والمنافقين، ومنها قوله تعالى: «وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ»، وقوله تعالى: «كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ»، وتُبيّن أن كل كافر فاسق، وأن المؤمن المصر على فسوقه، وعدم التزامه بأحكام الشريعة، يصبح كافرا، فتدبر قول الله تعالى مخاطبا المؤمنين:

١- في سورة الحجرات: «وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ».

٢- في سورة البقرة: «ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ…».

٣- في سورة البقرة: «وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ…».نفهم من سياق هذه الآيات أن «الفسق» يأتي أحيانا بمعنى الآثام التي هي دون الكفر والشرك والنفاق، أي بعيدا عن أصول الإيمان، كما هو واضح من سياق الآيات، كالخروج عن الالتزام بأحكام الشريعة أثناء أداء مناسك الحج، أو الإضرار بالكاتب أو الشاهد!!

إن هذه الآثام لا تُخرج فاعلها من ملة الإسلام، إلا إن أصر على فعلها، لأنه في هذه الحالة يكون قد تعدى حدود الله، ولقد حذر الله المؤمنين من تعدي حدود شريعته، فقال تعالى مخاطبا المؤمنين في سياق بيان أحكام الميراث:

«وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ»

فهذه الآية من البراهين قطعية الدلالة، على أن الذي «فسق»، أي خرج عن الالتزام بحكم من أحكام الشريعة، وأصر على ذلك وأصبح مستحلا له، كافر مخلد في النار، ولن ينفعه إقراره بأصول الإيمان، لأن الله تعالى يقول في سورة البقرة: «بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ».

انظر لقد بدأ «الفسوق» بسيئة، ثم تراكمت السيئات، حتى أحاطت بفاعلها من كل جانب، فماذا ينفع إيمانه وقد انفصل عن عمله الصالح؟! لذلك قال تعالى بعدها مباشرة: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ».

ولذلك عندما قال مفتي نيجيريا، خلال كلمته بـمؤتمر الأزهر لمواجهة التطرف والإرهاب، إن «داعش» حكموا على أنفسهم بالكفر بـ «أفعالهم»، قامت مؤسسة الأزهر ولم تقعد، حتى أصدرت بيانا تنفي فيه تكفير مفتي نيجيريا لداعش، مع أنه قال عن داعش: «فهم حكموا على أنفسهم بالكفر بأفعالهم».

فلماذا نفى الأزهر تكفير مفتي نيجيريا لداعش؟! لأن «الأشاعرة» يفصلون بين أفعال المسلمين، مهما بلغت فظاعتها، وبين كونهم مع ذلك مؤمنين يقرون بأصول الإيمان، فلما قال مفتي نيجيريا إن «داعش» حكموا على أنفسهم بالكفر بـ «أفعالهم»، فهذا يعني أن «أفعالهم» أفعال غير المسلمين، أما قلوبهم عامرة بالإيمان، فكيف يكفرون؟!

لذلك لم تستطيع مؤسسة الأزهر تكفير «داعش»، مع علمها أنه يصر على ارتكاب فظائع الدنيا كلها، الأمر الذي يخرجه من ملة الإسلام شرعا، ولكنهم قالوا:

لقد وصف الله الطائفتين المتقاتلتين بالإيمان، مع ارتكابهم الكبائر، فقال تعالى: «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.. الآية»!!

ولكن غاب عنهم، أن هذا الوصف كان قبل أن يقتتلوا، ويسفك بعضهم دماء بعض، مع سبق الإصرار والترصد، لأنه لا يُعقل شرعا، أن يبقيهم الله على إيمانهم، وهو القائل سبحانه: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً»، «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا»..، ولقد بينت هذا الموضوع في مقال سابق بعنوان: «عند السلفيين .. اقتل أخاك المسلم وادخل الجنة»!!

إن المتدبر لكتاب الله، يجد أن كلمة «الفسق» تأتي بمعنى «الكفر»، بحسب الأسباب الموجبة له، وتأتي بمعنى «الشرك»، عندما يشرك المرء مع الله آلهة أخرى، في عبادته وفي مسائله الحياتية، كما تأتي بمعنى «النفاق»!!

أما «الفسق» الذي لا يخرج المؤمن من ملة الإسلام، فهو حالة تلبس المؤمن بالمعصية لفترة زمنية، مثل إتيان المعاصي أثناء الإحرام بالحج، ثم الخروج من هذه المعصية وعدم الإصرار عليها.

مثال: في سياق الحديث عن صفات عباد الرحمن، قال تعالى:

«وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا» – «يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا».

لقد جمعت هذه الآية بين ما يتعلق بملة الوحدانية، وما يتعلق بأحكام الشريعة، في سياق واحد، وجزاء واحد، وهو مضاعفة العذاب، والخلود في جهنم، مع ملاحظة أنها تخاطب المؤمنين.

والسؤال: هل المؤمن الذي قتل مرة، أو زنى مرة، يخرج من ملة الإسلام؟!

هنا يُبيّن سياق الآية أن المقصود هو الإصرار على ارتكاب الكبيرة، لذلك جاء بالفعل في زمن المضارع المستمر: «يَقْتُلُونَ النَّفْسَ»، «يَزْنُونَ»، حتى أصبح «المؤمن»، المصر على المعصية، مع المشرك في ميزان وجزاء واحد، وهذا ما بينه السياق بقوله تعالى بعدها: «إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا».

انظر وتدبر ترتيب الأفعال: أولا «التوبة»، بشروطها، ثم «الإيمان»، ليقابل ما حدث من كفر، ولا يُعتد بهذا الإيمان إلا مع العمل الصالح «وعمل عملاً صالحاً»، وقد قال تعالى مبينا شروط التوبة: «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ»!!

فهل أعلن «داعش» توبته عن ما ارتكبه من فظائع الدنيا؟! لا، بل أصبح ما يرتكبه من جرائم يشكل تهديدا للأمن العالمي، حتى إن المسلمين قرروا إنشاء تحالف إسلامي عسكري لمواجهة هذه الجرائم!!

(ثانيا): حكم الذين يحاربون الله ورسوله:

إن مسألة أن يظل المؤمن مؤمنا، فإذا ارتكب فظائع الدنيا كلها يكون من المفسدين في الأرض، ويأخذ جزاءه استنادا إلى قوله تعالى «الآية ٣٣» من سورة المائدة: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا …»، مسألة في غاية الخطورة على مستقبل الإسلام، وأمان المسلمين!!

إننا إذا تدبرنا الآية التي قبلها «٣٢»، نجدها تتحدث عن حكم قتل النفس بغير حق، وإذا تدبرنا الآية «٣٤»، نجدها تتحدث عن وجوب التوبة من هذه الجرائم، ولكن هذه التوبة ليست مما اعتلق بالمفسدين من حقوق النّاس من مال أو دم، لأن هذه الحقوق ستطبق عليهم فيها أحكام الشريعة، وإنما التوبة من محاربة الله ورسوله، والسعي في الأرض فسادا!!

لذلك استخدم سياق الآية «٣٣» الزمن المضارع المستمر: «يُحَارِبُونَ»، «يَسْعَوْنَ»، لبيان أن كفرهم جاء نتيجة إصرارهم على محاربة الله ورسوله، وعلى السعي في الأرض فسادا، والمؤمنون لا «يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، ولا «وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا»!!

إن الذين «يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، هم الكفار الذين قال الله فيهم: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»، وقال فيهم: «إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ»، فكلهم ملة واحدة، ملة الكفر!!

إنني لا أدافع عن التكفير بمفهومه السلفي، الذي يستحلون على أساسه الدماء والأعراض والإموال بغير حق، وإنما أحرر المصطلحات مما أصابها من لبس وتحريف وتزوير!!

إن التكفير بمفهومه القرآني لا يترتب عليه أية عقوبة دنيوية، قال تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ..»، وقال تعالى: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»!!

ولكن عندما تختلط «الآية» بـ «الرواية»، ويرفع «الكفر» راية «الإسلام»، ويتعامل العالم مع الكفار على أنهم مسلمون، وتخرج المؤسسة الدينية الرسمية تقول للعالم نعم إنهم مسلمون، مؤمنون، فهذا معناه أننا نقول للعالم:

إن الدين الإسلامي، تسمح شريعته للمسلمين بارتكاب فظائع الدنيا كلها، ومنها محاربة الله ورسوله، والسعي في الأرض فسادا، مع الاحتفاظ بإيمانهم، لأن هذا الإيمان القلبي هو الذي يميزهم عن الكفار، وهو الذي سيدخلهم الجنة بعد أن يعاقبهم الله على ارتكابهم هذه الجرائم!!

لقد جاءت الشريعة القرآنية لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، قال تعالى: «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ..»، فهل الذين «يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، و«يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا»، سيخرجون بـ «إيمانهم» الناس من الظلمات إلى النور، أم بأعمالهم؟!

 

معلومات:

* الأشاعرة: هم المنتسبون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري «ت ٣٢٤هـ» الذي كان إماما في الاعتزال، ثم فارق المعتزلة وانتسب إلى السنة، وتوسط في آرائه بين المعتزلة وأهل السنة، وغلا في مخالفة المعتزلة وتطرف.



(405) 30/12/2015 (على هامش قضية تكفير داعش)

 عدد المشاهدات : 189

إن القراءة العشوائية لما أكتب، لا تثمر إلا عشوائية في التفكير، وتخبط في الأدلة التي يأتي بها المخالف دفاعا عن وجهة نظره!!

لقد سألت في مقالي السابق «عندما يصبح الكافر مؤمنا، حسب هوى المذهب» سؤالا:

«هل المؤمن الذي قتل مرة، أو زنى مرة، يخرج من ملة الإسلام؟!».

وكان الجواب: لا يخرج، وذكرت الأسباب، ومنها أنه لم يصر على معصية ربه، وجئت بالآيات الدالة على ذلك.

إن القضية الأساسية التي جاء المقال يبينها، هي قضية «الإصرار على المعصية»، ردا على قول شيخ الأزهر عن بقاء المؤمن على إيمانه: «ولو ارتكب فظائع الدنيا كلها»!!

المقال كله عن «الإصرار على المعصية»، وجميع الآيات التي جئت بها تصف المسلم المؤمن المصر على المعصية بالكفر، ولو كان من الصحابة الذين سفكوا دماء بعضهم البعض، لعدة أيام متواصلة، مع سبق الإصرار والترصد، لأن الله تعالى يقول:

«وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً»، «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا».

لقد وصف الله تعالى المؤمن القاتل المتعمد القتل بالكفر: «فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا»، والقاضي الذي أثبت بالأدلة أن القاتل تعمد القتل، مع سبق الإصرار والترصد، عليه أن يصفه بالكفر، وعلى الناس أن يعلموا أنه كافر، ولكن الحكم بإعدامه ليس من أجل كفره، وإنما قصاصا، لأن الكفر لا عقوبة عليه في الدنيا، وقد بيّنت ذلك في المقال!!

مثال: قال تعالى في سورة النساء:

«وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا».

لقد بيّن الله تعالى لنا من هو الكافر، ووصفه لنا بصفات لنعلمه، ولنستطيع التمييز بينه وبين المؤمن، فعندما أكون في مجلس، وأرى من يكفر ويستهزأ بآيات الله، بأية صورة، فيجب أن أنسحب فورا من هذا المجلس، وإلا خرجت من دائرة «الإيمان» إلى دائرة «النفاق»، يعني أصبحت منافقا، أجلس مع كافر، فهذه صفات يجب أن تكون معلومة للناس جميعا!!

وإن الشيء الوحيد الذي يُخرجني من دائرة النفاق، ويجعلني استمر في الجلوس معه، هو زوال السبب الموجب لذلك، وهو الإقلاع عن الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، فقال تعالى: «حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ»!!

إذن فصفة «الكفر» في حد ذاتها لا يترتب عليها عقوبة في الدنيا، وإنما يجب أن نعلم من هم الكفار، ومن هم المؤمنون، ومن هم المنافقون، بناء على الصفات التي بينها الله لنا في كتابه!!

إن المؤمن المصر على الزنى (على سبيل المثال) كافر مخلد في جهنم، قال تعالى في سياق الحديث عن صفات عباد الرحمن:

«وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا»

«يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا»

«إِلَّا مَن (تَابَ) وَ(آمَنَ) وَعَمِلَ (عَمَلًا صَالِحًا) فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»!!

والسؤال: هل «داعش» يتوب من الكبائر التي يرتكبها يوميا، فيأتي البغدادي بمن سرق من رجاله فيقطع يده، وبمن قتل فيقتله، وبمن زنى بالسوريات و«الأيزيديات» فيجلده، وبمن قطع الطريق يعاقبه بقانون «الحرابة»؟!

إن جميع المنظمات والجماعات الإرهابية، التي ترفع راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وتقتل المسلمين، وتسرق أموالهم، وتغتصب نساءهم، وتبيعهم في سوق النخاسة…، عمدا مع سبق الإصرار والترصد، لا يوجد دليل واحد في كتاب الله يُبقيهم على إسلامهم، ولا على إيمانهم، ولو أقروا بأصول الإيمان مليون مرة!!


(406) 4/1/2016 (عندما يصبح «المعلوم من الدين بالضرورة» تدينا مذهبيا)

 عدد المشاهدات : 245

عندما تفرق المسلمون إلى فرق ومذاهب عقدية وتشريعية، أصبح مفهوم «الدين» محكوما بمذاهب ومرجعيات أئمة هذه الفرق، وأصبح المعلوم منه بالضرورة يخضع لاجتهاداتهم، لذلك اضطرب هذا المفهوم بينهم اضطرابا كبيرا يسقط حجيته!!

ولا يقول قائل: إن هذه الفرق، وهذه المذاهب الفقهية المتخاصمة، أجمعت على أصول الدين وفي مقدمتها شهادة «أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله»، لأن هذا الإجماع على الشهادتين، على سبيل المثال، اقتصر على النطق بالشهادتين، وهذا ما نجده في أمهات كتب المذاهب العقدية، وما دوّنه أئمتها في باب «العقيدة»، لذلك يجب أن تكون لنا وقفة مع هذه الإشكاليات العلمية!!

فبالنسبة لشهادة الوحدانية، ألم تكن الخلافات حول «الأسماء والصفات» الإلهية، وما تفرع عنها من إشكاليات عقدية بين الطوائف الكلامية، ومنها ما عُرف بمحنة «خلق القرآن»، وهل كلام الله مخلوق أم غير مخلوق…، سببا في سفك الدماء بغير حق، واتهام أئمة السلف بعضهم بعضا بالكفر، كما هو مفصل في كتب هذه المذاهب العقدية؟!

وبالنسبة لشهادة النبوة والرسالة، ألم يُجمع أئمة السلف على أن «محمدا رسول الله»، ثم إذا بهم يصنعون من أقوال الرواة مصدرا تشريعيا قوليا يُحل ويُحرم، ويسفك الدماء بغير حق، ثم ادعوا أنه وحي من الله؟! فهل وحي الله يمكن أن يأتيه الباطل، والله تعالى يقول:

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ».

ألم يأت الباطل «الأحاديث» التي نسبها رواة الفرق والمذاهب المختلفة إلى رسول الله، ودوّنها المحدثون في أمهات الكتب، ولم تنفع الجهود التي بذلها جهابذة علم الحديث في تنقية وغربلة هذه «الأحاديث»، وفصل الصحيح منها عن الضعيف والموضوع، ليرث المسلمون جميعا كتابا واحدا باسم «الأحاديث النبوية»؟!

ألم يصحح الشيخ الألباني، في موسوعته الحديثية، ما ضعّفه أئمة السلف، وضعف ما صححوه، ثم جاء الشيخ حسن بن علي السقاف فهدم منهج الألباني في التصحيح والتضعيف، وكتب كتبا في تناقضات الألباني، ومازال الصراع بين المحدثين الجدد مستمرا؟!

فهل يقبل مسلم، أن يكون ما دونه المحدثون في كتبهم باسم «لأحاديث النبوية»، وحيا من الله تعالى إلى رسوله، وأن يكون علم «الجرح والتعديل» الذي قامت عليه هذه المنظومة الحديثية المذهبية، هو الميزان الذي يُعرف به الوحي الإلهي الصحيح من الوحي الضعيف؟!

ألا يعتبر القول إن «الأحاديث» المنسوبة إلى رسول الله «وحي يوحى»، إساءةً إلى الله وإلى رسوله، وازدراءً للدين الإسلامي، وإنكارًا لما هو معلوم من «الدين الإلهي» بالضرورة؟!

ألم يعلم أئمة السلف والخلف، أن صفة الوحي الإلهي لا تختلف أبدا؟! إذن فمن أين جاؤوا بأن هناك وحيا إلهيا «قطعي الثبوت» عن الله، وهو كتاب الله، ووحيا إلهيا «ظني الثبوت» عن رسول الله، وهو «الأحاديث» المنسوبة إليه؟!

لقد أصبح التدين المذهبي دينا إلهيا مقدسا لا يقبل التغيير، لذلك لن يقبل التجديد، فساحة الفكري الإسلامي أصبحت ساحة الصراع على بقاء المذهب، وتحقيق أهدافه العقدية والتشريعية، وأصبحت المؤسسات الدينية الرسمية في البلاد هي الجيش المدافع عن التدين المذهبي، وأصبح «ازدراء الدين الإلهي» يعني ازدراء المذهب الديني، وأصبح إنكار «المعلوم من الدين بالضرورة» يعني إنكار المعلوم من المذهب الديني!!

لقد أفرز التدين المذهبي إشكاليات عقدية وتشريعية يصعب حصرها في مقال، ولا حتى في كتاب، لذلك سأكتفي في هذا المقال بإلقاء الضوء على بعض المسائل التي يمكن أن تنير الطريق لولاة الأمور، فيضعون حدا لمسألة تجريم «الكفر»، ومعاقبة «الكافر»، فليس في كتاب الله عقوبة في الدنيا على «الكفر»، حتى لو كان كفرا بالله ورسوله!!

(أولا): من «لمعلوم من الدين بالضرورة» أن القرآن كلام الله، وآيته الدالة على صدق نبوة رسوله محمد، عليه السلام، فهل نص القرآن على عقوبة لمن كفر بكلام الله واستهزأ بآياته؟! الجواب: لا، قال تعالى:

«وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ (آيَاتِ اللَّهِ) – (يُكْفَرُ بِهَا) – (وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا»!!

فإذا رأينا من يكفرون بآيات الله ويستهزءون بها، بأي صورة من الصور، يجب علينا أن ننسحب فورا من المجلس، وإلا كنا مثلهم، ولا نستمر في الجلوس معهم، إلا إذا زال السبب الموجب لعدم الجلوس، وهو إقلاعهم عن الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولذلك قال تعالى: «حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ»، أي يمكن العودة للجلوس معهم إذا توقفوا عن الكفر بآيات الله والاستهزاء بها!!

إذن فالإشكال ليس في مسألة التكفير، بمفهومه اللساني والقرآني، وإنما الإشكال في المنظومة الفقهية السلفية، التي نظّرت لمفهوم الكفر، وصنفته حسب هواها العقدي، ثم ابتدعت له عقوبات ما أنزل الله بها من سلطان، حتى أنها ذهبت إلى ما حرمه الله ولم يجعل له عقوبة في الدنيا، فجعلت له عقوبة في الدنيا، كحكم «المرتد»، فالله تعالى يقول:

«وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»!!

نلاحظ أولا أن الخطاب للمؤمنين، وأن قوله تعالى عن المرتد: «فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ»، هو خير برهان على أن هذا «المرتد» يعيش حياته، ويَحْرُم أن يمسه أحد بسوء، فإن لم يتب، وعاش بكفره، ومات عليه، فعقابه في الآخرة!!

إذن، ألا نستطيع اتهام أئمة السلف، الذين قالوا بقتل المرتد، بإنكارهم معلوما من الدين بالضرورة، وهو هذا الحكم القرآني، وبازدرائهم الدين الإسلامي، لأنهم أساؤوا إلى هذا الدين، وافتروا على الله الكذب؟!

إن المتدبر لآيات الذكر الحكيم، يعلم أن الكافرين ازدروا الدين الذي بعث الله رسوله ليبلغه للناس، وأساؤوا إلى شخص رسول الله..، فهل نص القرآن على عقوبة في الدنيا للكافرين بنبوة رسول الله، المسيئين إليه وإلى رسالته؟! لا لم ينص على عقوبة في الدنيا مطلقا!!

(ثانيا): من المعلوم من الدين بالضرورة، حسب ما ورد في كتاب الله، أن أصول الإيمان «خمسة»، جاءت في قوله تعالى: «وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا»، وما عدا هذه الأصول، ففهم واع لفاعلية أسماء الله الحسنى، ولا يوجد أصل إيماني منفصل عن هذه الفاعلية اسمه الإيمان بـ «القضاء والقدر»!!

أما أئمة السلف، والخلف، فيقولون إن أصول الإيمان «ستة»، وأن الأصل السادس هو الإيمان بـ «القدر خيره وشره»، وأن من أنكر هذا الأصل مرتد، يستتاب، فإن أصر قُتل..، فمن أين جاؤوا بهذا الأصل السادس؟!

لقد انقسمت المذاهب «القدرية» إلى قدرية ينفون «القدر»، ويقولون إن أفعال العباد تحدث بإرادتهم ومشيئتهم، دون أن يجبرهم الله على فعلها، وإلى هذا ذهبت «المعتزلة»، وذهب آخرون إلى غير ذلك، ولكن الذي يهمنا هنا أن الآخرين يعتبرون «المعتزلة» منكرة للمعلوم من الدين بالضرورة، حسب مفهوم كل طائفة منهم للقدر!!

إن المطلع على تاريخ المذاهب والطوائف العقدية الكلامية يعلم أن مسألة »القدر« صنعها أئمة هذه المذاهب بأيديهم، ووظفوا آيات الذكر الحكيم، المتعلقة بفاعلية أسماء الله الحسنى، لخدمة مذاهبهم، فكيف يكون الإيمان بـ «القدر»، بمفهومه المذهبي، من المعلوم من الدين بالضرورة، ويكفر من ينكره؟!

أما أن يكون هذا الخلاف العقدي سببا في سفك الدماء بغير حق، فعلينا أن نعلم أن أول من أسس ونظّر لسفك الدماء بغير حق، بسبب الخلاف العقدي، هم خلفاء الدولة الأموية، الذين سفكوا دماء أصحاب العقائد المخالفة لهم بسيف «المعلوم من الدين بالضرورة»، فسفكوا دم غيلان الدمشقي، وهو من أوائل القدرية »النفاة«، ومات مصلوبا على إحدى أبواب دمشق، بأمر من خليفة المسلمين هشام بن عبد الملك، «ت١٢٥هـ»!!

(ثالثا): لقد أنكر الشيخ محمد أبو زهرة أن تكون عقوبة «الرجم» من الشريعة الإسلامية، وأعلن ذلك على الملأ بكل قوة في مؤتمر ندوة التشريع الإسلامي، مدينة البيضاء، ليبيا عام «١٩٧٢»، فقال:

«إني كتمت رأيًا فقهيًّا في نفسي من عشرين سنة، وكنت قد بُحت به للدكتور عبد العزيز عامر..، واستشهد به في المؤتمر قائلا: أليس كذلك يا دكتور عبد العزيز، قال: بلى..، وآن لي أن أبوح بما كتمته، قبل أن ألقى الله تعالى، ويسألني: لماذا كتمت ما لديك من علم ولم تبينه للناس، هذا الرأي يتعلق بقضية «الرجم» للمحصن في حد الزنى، فرأيي أن «الرجم» كان شريعة يهودية، أقرها الرسول في أول الأمر، ثم نُسخت بحد الجلد في سورة النور …»!!

لقد جاء الشيخ أبو زهرة بالأدلة القرآنية التي تؤيد إنكاره أن يكون «الرجم» من الشريعة الإسلامية، وهذا الحدث الجلل معلوم لعلماء الفرق الإسلامية المختلفة، ومنشور على شبكات التواصل الاجتماعي!!

والسؤال: ألم ينكر الشيخ محمد أبو زهرة معلوما من الدين بالضرورة، أجمع عليه أئمة السلف والخلف، وهو عقوبة «الرجم»، التي تنفذها «داعش» اليوم، ومن قبلها طالبان، استنادا إلى المصدر الثاني للتشريع، الذي تدعي جميع المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية، أنه حمل معه للمسلمين الوحي الإلهي بنصوص «السنة»؟!

فهل أصدرت مؤسسة الأزهر بيانا بكفر الشيخ محمد أبو زهرة، لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة، وعاقبته على فعله هذا، خاصة أنه أحد رجالها، وقام بنشر آرائه وإذاعتها في مؤتمر دولى، حضره علماء من مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية؟! لا، لم يحدث!!

إذن فهناك إشكال عقدي كبير حول ما يُسمى بـ «المعلوم من الدين بالضرورة»، وحول ما يسمى بـ «ازدراء الأديان»، لأن العقوبات المنصوص عليها في قوانين ودساتير المسلمين، لا أصل لها في كتاب الله تعالى، وإنما هي من صنع فقهاء المذاهب العقدية!!

(رابعا): عندما صدر كتاب الشيخ محمد الغزالي «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»، وقوبل بسيل من الاتهامات، وحكم عليه السلفيون بالردة والكفر، بدعوى أنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة، لأنه انتقد أحاديث البخاري ومسلم..، ذهبت إلى رئيس لجنة الفتوى، وكان وقتها الدكتور عبد الله المشد، وأعطيته دراسة حول قضية التكفير، لعرضها على اللجنة ومناقشتها.

لقد كان الهدف من هذه الدراسة إصدار فتوى بعدم تكفير من ينكر استقلال السنة، «بالمفهوم السلفي»، بإثبات الإيجاب والتحريم، ووضع حد للفتاوى التكفيرية التي يرفعها كل من هب ودب سلاحا في وجه كل مفكر، يريد أن يرد المسلمين إلى دينهم الحق، هذا الدين الذي ارتضاه الله للناس جميعا، لا الدين الذي ارتضته لهم مذاهبهم.

ولقد جاء رد لجنة الفتوى في «١-٢-١٩٩٠» ، بعد بيان الأدلة، على النحو التالي: «وعلى هذا، فمن أنكر استقلال السنة بإثبات الإيجاب والتحريم، فهو منكر لشيء اختلف فيه الأئمة، ولا يعد مما علم بالضرورة، فلا يعد كافراً».

ولقد قمت بإعطاء هذه الفتوى للشيخ الغزالي، فقام بنشرها في أول كتاب صدر له، بعد غمزه ولمزه وتكفيره، وهو كتاب «تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، الفصل التاسع، على هامش السنة»..، ثم توالى نشرها في كثير من المؤلفات والصحف، بعد الحملة الإعلامية التكفيرية الشرسة، التي قادها أنصار ودعاة الفُرقة والمذهبية، والتي لا يزالون يقودونها حتى يومنا هذا، رافعين سلاح الردة في وجه كل من تسول له نفسه مخالفة مذاهبهم!!

والسؤال: أيهما أحكم وأضبط لدين الله عز وجل، أن ترث الأمة كتابا إلهيا تشريعيا واحدا، محفوظا بحفظ الله له، أم أن ترث كتابا إلهيا واحدا، ومعه مئات المجلدات من أمهات الكتب، ثم تدعي كل فرقة أن أمهات كتبها هي التي حملت «السنة النبوية» الصحيحة التي يكفر منكرها؟!

وإذا كان المصدران التشريعيان وحيا إليها، فهل يختلف المعلوم من الدين بالضرورة في المصدر الأول، القطعي الثبوت عن الله، وهو «كتاب الله»، عن المعلوم من الدين بالضرورة في المصدر الثاني، الظني الثبوت عن رسول الله، وهو «الأحاديث»؟!

إنني عندما أرفض أن يكون التراث الديني المذهبي، مرجعا لما هو »معلوم من الدين بالضرورة«، فذلك لأن المسلمين تفرقوا في الدين، وأصبحوا شيعا وأحزابا دينية، رغم أن الله أمرهم بالاعتصام بحبل الله، وحذرهم من التفرق في الدين، فعند أي فرقة من الفرق الإسلامية نجد هذا الدين الذي يكفر من ينكر المعلوم منه بالضرورة، ويُسجن ويُتهم بالردة ويقتل؟!

ألا يُعتبر تفرق المسلمين إلى فرق ومذاهب متخاصمة متقاتلة، مع تحذير الله لهم من ذلك، إنكارا لما هو معلوم من الدين الإلهي بالضرورة، وازدراءً لهذا الدين، لأن الله تعالى قال لهم:

«ولَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ»

محمد السعيد مشتهري

معلومات:الطوائف الكلامية: مذاهب قامت على استخدام البراهين العقلية في محاججة خصومها، خاصة في ما يتعلق بذات الله وأسمائه الحسنى، وهل أفعال العباد تجرى بإرادتهم أم بإرادة الله، ومن أشهر هذه الطوائف الخوارج والمعتزلة والماتريدية والأشاعرة، والمرجئة.محمد الغزالي: عالم أزهري، كانت له رؤية معاصرة للفكر الإسلامي، وكان من المناهضين للتشدد والغلو في الدين، وتحدث عن ذلك في العديد من المؤلفات، وفي مئات الخطب المنبرية، توفي في ٩ مارس ١٩٩٦.


(407) 11/1/2016 (مفهوم «الكفر»، بين الدين الإلهي، والتدين السلفي)

 عدد المشاهدات : 213

تأتي كلمة «الكُفر» ومشتقاتها، في السياق القرآني، وفي اللسان العربي، بمعنى الستر والتغطية والمحو: «كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه»، «لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ»، قال الفراهيدي «ت ١٧٤هـ» في كتاب العين: «وكل شيء غطى شيئًا فقد كفره»، وقال ابن فارس «ت ٣٩٥هـ» في مقاييس اللغة: «هو الستر والتغطية»، وقال ابن منظور «ت ٧١١هـ» في اللسان: والكفارة هي الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تُكفر الخطيئة أي تمحوها وتسترها».

إذن فلماذا يخاف الناس من «الكفر» وهم يعيشون في بيئته، ويُفَعِّلونه في حياتهم؟! ولماذ ينزعج المسلمون من «التكفير»، وكل مذهب من مذاهبهم الدينية يرفع رايته في وجه المخالف له؟! ولماذا قسم أئمة السلف «الكفر» إلى أنواع، ما أنزل الله بها من سلطان، منها ما يُعاقب المرء عليه بالقتل، ومنها ما لا يُعاقب عليه؟!

إن الناس عندما يختلفون في الملل والأفكار والآراء، وعندما يختلف أئمة الفرق والمذاهب الفقهية عقديا وتشريعيا، فإن هذا الخلاف، هو في حقيقته منظومة «تكفيرية»، يريد كلٌ فيها أن يستر ويمحو ملة أو مذهب أو رأي أو اجتهاد الآخر!!

إن الناس لا يخافون «التكفير»، في حد ذاته، لأنه واقع بينهم، وإنما يخافون العقوبات التي فرضتها منظومة الفقه السلفي على »الكافر«، وفي مقدمتها القتل، أو الاستتابة ثم القتل، ثم نقل الخلف عن السلف هذه العقوبات المفتراة على الله ورسوله، فأصبح الإسلام والمسلمون في نظر العالم مرادفا للإرهاب..، فأقول:

أولا: لقد وردت كلمة «الكُفر» ومشتقاتها، في السياق القرآني، «٥٢٢» مرة، حسب آليات البحث على شبكة الإنترنت، ولا يوجد، في سياق هذه الآيات، سياق واحد يأمر الله فيه المسلمين بعقاب الذين كفروا، سواء كفروا بـ «أصول الإيمان»، أي بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، أو بأحكام الشريعة، أو بمذاهب واجتهادات الصحابة والتابعين!!

إن المتدبر لسياق الآيات التي وردت فيها كلمة «الكُفر» ومشتقاتها، يعلم أن »الكُفر» في حد ذاته لا عقوبة عليه في الدنيا، إلا إذا كانت عذابا ينزله الله على ملة الكفر، من كافرين، ومشركين، ومنافقين، وفق مشيئته، فيقول تعالى في عذاب «الكافرين»:

«فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ»

ويقول الله تعالى في عذاب «المشركين»:

«قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ»

ويقول تعالى في عذاب «المنافقين»، الذين أنعم الله عليهم بحياة سعيدة، وبكثرة في الأموال والأولاد، فكفروا بنعمه، وأصبحوا فتنة للمؤمنين:

«وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ»

إننا لن نجد في كتاب الله، أن الله تعالى يعاقب الناس على هوياتهم الدينية، ولا على كفرهم بأصول الإيمان، ولا بأحكام الشريعة، وما نقرأه في أمهات كتب الفرق والمذاهب العقدية، وما نراه يحدث حولنا، لا علاقة له بدين الله الذي ارتضاه للناس جميعا، وإنما هو من تدين أئمة السلف واجتهاداتهم المذهبية، التي حملها المصدر الثاني للتشريع، والتي يتخذها اليوم أئمة كل فرقة، بل وكل مذهب من مذاهب الفرقة الواحدة، سلاحا يعاقب به من خالف مذهبه العقدي أو التشريعي!!

ثانيا: إن المتدبر للسياق القرآني، يعلم أن «الكفر» عبارة عن موقف إيماني، يتخذه المرء عن قناعة ذاتية بما آمن به، وخالف فيه غيره، وقد يحدث هذا الموقف بصفة مؤقتة أو دائمة، فالذي يخالف الآخرين في آرائهم، هو «كافر» بهذه الآراء، وهم أيضا في نفس الوقت «كافرون» بآرائه، فإذا تغيرت الآراء، واقتنع أحدهم برأي الآخر، فقد خرج من حالة «الكفر» إلى حالة «الإيمان».

والذي يعصى ربه، ولا يعمل بشريعته، فهو في حالة تلبسه بالمعصية، «كافر» بربه وبشريعته، فإن تاب وأناب، فقد خرج من الكفر إلى الإيمان، ويمحو الله، أي »يُكَفِّرْ« عنه سيئاته، فيقول تعالى: «وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ..».

إن ماهية «الكفر» تتوقف على طبيعة الشيء الذي يستره ويغطيه، وهل هي حالة مؤقتة، خرج المرء منها، وتاب وأناب إلى ربه، أم هي حالة وموقف دائم، يعيشه المرء ويصر عليه؟!

إن الذي يستر دلائل الوحدانية، بصفة دائمة، كافر بملة الوحدانية، والذي يستر أحكام الشريعة الإلهية ولا يعمل بها كافر بالله وبشريعته، لأن الإيمان لا ينفصل عن العمل، وهذا هو الكفر بملة الإسلام، وحساب «الكافر» في الآخرة.

أما الذي كفر بالله في موقف معين، أو بحكم من أحكام الشريعة، ثم تاب وأناب إلى ربه، ولم يصر على كفره، فقد خرج من حالة الكفر إلى حالة الإيمان، ويُكفِر الله عنه سيئاته، ويعيش ويموت مسلما.

إن حساب «الكافر» في الآخرة، فإن أراد أن يعيش ويموت كافرا، فهذا حقه الذي أعطاه الله له، وحسابه في الآخرة، يقول الله تعالى:

«إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ، ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ، ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً، لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً»، تدبر قوله تعالى: «ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ».

ويقول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، تدبر قوله تعالى: «وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ».

إن من حق الكافر أن يعيش كافرا بملة الآخر، ويموت على ذلك، والآيات السابقة من البراهين قطعية الدلالة، على أن قتل الكافر بسبب كفره مُحرم شرعا، حتى ولو صاحب الكفر صد بـ «القول» عن سبيل الله، ومشاقة «مخالفة» الرسول، قال تعالى:

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ»، وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ».

تدبر قوله تعالى: «ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ»، فهل رتب الله على «كفر» الكافرين، ومخالفتهم الرسول، أي عقوبة؟!

فلماذا ينزعج الناس من مسألة «التكفير»، في جميع أحوالها وصورها، مادام الأمر مفوضا إلى الله تعالى، وحسابه في الآخرة؟!

إنه في جميع الأحوال والمواقف التي شملتها منظومة «التكفير»، لا يُعقل أن يعاقب كافر كافرًا مثله، لأن الناس جميعا يعيشون داخل هذه المنظومة، ويوم القيامة سيتبرأ المتبوعون من التابعين، أي »سيكْفُرُون بهم«، وكذلك التابعون من المتبوعين، يقول الله تعالى: «ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا»، كما سيتبرأ الشيطان من أتباعه: «إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ».

ثالثا: إن جميع الآيات القرآنية التي ورد في سياقها قتل الكافرين، لم يكن هذا القتل بسبب «الكفر»، وإنما بسبب عدوانهم وقتلهم المسلمين، فيقول الله تعالى: «أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ..».

تدبر قوله تعالى: «وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ».

ويقول الله تعالى: «وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ».

تدبر هذه الجمل: «مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ»، « وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ .. حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ»، «فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ».

ويقول الله تعالى: «وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً، فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا».

وهنا يجب أن نتوقف قليلا مع هذه الآية، وهي الآية »٨٩« من سورة النساء، هذه الآية التي أخرجتها المذاهب السلفية الإرهابية من سياقها، واعتبرتها دليلا على قتل الكافر بسبب كفره!!

إن سياق هذه الآية يتحدث عن الأعمال الإجرامية التي يرتكبها المنافقون، ووقوفهم في صف المعتدين في محاربة المسلمين، وهذا ما بينته الآية «٨٨»، حيث يقول الله تعالى:

«فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ..»، تدبر قوله تعالى «بِمَا كَسَبُوا»، وقد فصل هذا الكسب في قوله بعدها «الآية ٩٠»: «..فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا»، تدبر قوله تعالى: «فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ».

ثم يقول الله بعدها «الآية ٩١»: «..فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ..»، تدبر قوله تعالى: «فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ»، «وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ».

إن أحكام القتال في الشريعة القرآنية تدور جميعها حول محور واحد هو: الحرب والمواجهة «الدفاعية»، ولا توجد آية واحدة تأمر المسلمين بقتال أهل الملل الأخرى حتى يُسلموا!!

رابعا: إن المتدبر لآيات سورة التوبة، يعلم أن السياق من بدايتها يتحدث عن نقض المشركين العهود التي بينهم وبين المسلمين، فأعطاهم الله مهلة «أربعة أشهر» يلتزمون خلالها بهذه العهود، وإلا فليستعدوا للقتال.

ولقد حذر الله المسلمين من مكر المشركين، فقال تعالى في «الآية ٨»: «كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ»، وقال تعالى في »الآية ١٠» : «لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ»!!

تدبر قوله تعالى: «وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ«، ثم استمر السياق يتحدث عن المشركين حتى «الآية «٢٨، وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ..»، ثم تحول الخطاب فجأة في الآية «٢٩» إلى الأمر بقتال فريق من «الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ»، حتى «يُعْطُوا الْجِزْيَةَ»، فقال تعالى:

«قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»؟!

والسؤال: ما علاقة »الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ« بالمشركين، خصوصا وقد جاء الأمر بقتالهم «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ» في سياق الحديث عن المشركين؟!

الجواب: إننا إذا تدبرنا «الآية ٤»، وهي قوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ».

نعلم أن من شروط الوفاء بالعهود مع المشركين، ألا يتحالفوا مع أحد ضد المسلمين، لقوله تعالي: »وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا«، إذن فدخول فريق من »الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ« في هذا السياق، يعني أن تحالفا حدث بينهم وبين المشركين، للتآمر والاعتداء على المسلمين، فأصبحوا في خندق واحد يتصفون بهذه الصفات: «لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ»، ومعلوم أن المشركين لا شريعة لهم، ولا يدينون دين الحق، فلماذا تحالفوا مع الذين أوتوا الكتاب؟!

إن مسألة «الجزية»، لا يمكن فصلها عن سياق الآيات «١- ٢٨» من سورة التوبة، والتي تحدثت عن نقض المشركين العهود، وما كان بينهم وبين المسلمين من مواثيق..، كما لا يمكن فصلها عن ما عُرف عند العرب باسم «الجزية»، هذه الكلمة التي جاءت معرفة بأل التعريف: «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ»، لبيان أن العرب كانوا يعرفونها قبل نزول القرآن.

إن العرب كانت تعلم أن «الجزية» جزاء مالي، أي عقوبة مالية، تُدفع في حالة مخالفة شرط من الشروط المنصوص عليها في المواثيق والعهود المبرمة بين الطرفين، فهي فعلة من »الجزاء«، كما ذكر ذلك ابن منظور في اللسان.

ولقد تحالف فريق «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» مع المشركين، للاعتداء على المسلمين، مخالفين بذلك شرط «لَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا»، فكان عليهم دفع «الجزية» المنصوص عليها في المعاهدات، عقوبة لهم على هذا التحالف، ولم يكن الأمر بقتالهم لأنهم رفضوا الدخول في الإسلام، كما يدعي أئمة السلف، وإنما لأنهم اعتدوا على المسلمين.

إن الشريعة القرآنية يستحيل أن تُغير موقفها من مبدأ «السلام» مع أهل الملل الأخرى، ولا تُجبرهم على اعتناق الإسلام بأي صورة من الصور، فقد وضعت القاعدة العامة المحكمة: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، والله تعالى لم يقل: «قاتلوهم حتى يسلموا»، وإنما قال: »حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ«، فعليهم أن يختاروا: بين القتال أو دفع «الجزية»،وليس بين القتال أو الدخول في الإسلام، ولذلك أحاط الله حكم إعطاء «الجزية» بقيدين:

الأول: «عَن يَدٍ»، لبيان قوة وقدرة الجيش المسلم على القتال، وعلى إبادة المعتدين، ولكنه سيقبل «الجزية»، إن أراد المعتدي إعطاءها، احتراما للعهود المتفق عليها.

الثاني: «وَهُمْ صَاغِرُونَ»، والصغار والصغر ضد الكبر، والمراد هنا شعور المعتدي بانكسار شوكته، واضطراره أمام قوة الجيش المسلم إلى دفع «الجزية»، وهو خاضع لأحكام الشريعة، وليس المراد، كما يدعي أئمة السلف، تحريض المسلمين على امتهان كرامة الذين أوتوا الكتاب، وإذلالهم، أثناء إعطائهم هذه »الجزية«!!

لقد مُلئت أمهات كتب الفرق والمذاهب المختلفة بأحكام وفتاوى التكفير، شملت أصول الدين وفروعه، وسُفكت الدماء، ومازالت تسفك، بسبب هذه المنظومة التكفيرية، التي حملها المصدر الثاني للتشريع، والتي يستحيل أن يستغنى عنها أئمة الخلف، بدعوى أنها حملت مرويات «السنة النبوية»، التي هي «وحي يوحى»!!

إذن فكيف نطالب بتجديد «الخطاب الديني»، في ظل هذا التراث الديني الدموي، المفترى على الله ورسوله، الذي جعل تدين أئمة السلف حاكما على الدين الإلهي؟!

محمد السعيد مشتهري


(408) 12/1/2016 (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)

 عدد المشاهدات : 227

هناك من يقولون إن الإسلام لم يأمر المرأة المسلمة بالحجاب وإنما أمرها فقط بـ «الحشمة»، فإذا سألتهم: من أين جئتم بهذه الافتراءات، التي لا أصل لها في كتاب الله، قالوا: إنما نحن متبعون، مقلدون لكثير من المفكرين الإسلاميين، الذين يرون ذلك، ولو أراد الله حجابا للمرأة لجاء بنص صريح واضح لا لبس فيه!!

أقول: إن الله تعالى لم يأمر المرأة المسلمة باستخدام لباس اسمه «الحجاب»، وليس في كتاب الله كلمة اسمها «الحشمة»، وإنما أنزل أحكاما لتصحيح أوضاع كانت عليها المرأة في الجاهلية، ويحرم أن تستمر عليها بعد اعتناقها الإسلام، ومن هذه الأحكام، قطعية الدلالة، ما ورد في الآية (٣١) من سورة النور، وقوله تعالى:

(وَلْيَضْرِبْنَ)، (بِخُمُرِهِنَّ)، (عَلَى جُيُوبِهِنَّ)

إن قوله تعالى (وَلْيَضْرِبْنَ)، يحمل أمرا إلهيا قطعي الدلالة، لمن لهم دراية بأدوات فهم القرآن، ومنها علم «السياق القرآني»!!

إن كلمة «الضرب» تأتي في السياق القرآني بأكثر من معنى، وسياق الآية هو الذي يحدد هذا المعنى، فعندما يقول الله تعالى:

«إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً»

فالضرب هنا بمعنى (الجعل): «فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ»، أي لا تجعلوا لله مماثلاً!!

إن الضرب، في اللسان العربي، يأتي بمعنى (الجعل)، و(الوضع)، و(التغطية)، ومن ذلك قولهم: ضربَ خيمة، وضرب بيتاً، و«ضربت عليك العنكبوت بنسجها»!!

إن الله تعالى عندما يأمر النساء المؤمنات، في الآية (٣١) من سورة النور، فيقول:

«وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ»

ثم يقول في نفس الآية:

«وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ»

نفهم أن «الضرب» في الآية الأولى يعني (الجعل)، أي اجعلوا «الخمار» الذي تعرفونه يغطي الجيوب، ونفهم أن «الضرب» في الآية الثانية يعني الإيقاع بشدة، أي المشي مع ضرب الأرجل بشدة، والذي ينتج عنه إظهار زينة المرأة الخفية.

فإذا ذهبنا إلى قوله تعالى: (بِخُمُرِهِنَّ)، نجده يتعلق بفعل الأمر (وَلْيَضْرِبْنَ)، لبيان أن (الخمار) هو المحور الأساس الذي جاءت الآية تصحح وضعه، وليس لإنشاء حكم جديد لشيء لم تكن المرأة العربية تعرفه!!

فإذا أردنا أن نقف على معنى هذا (الخمار) فلن نجده في كتاب الله، ولا سبيل أمامنا لمعرفة معناه إلا أن نستعين بـ «منظومة التواصل المعرفي»، وما حملته من معاجم اللسان العربي، وقد أجمعت على أن (الخمار) هو الثوب الذي كانت المرأة تغطي به رأسها فقط في الجاهلية!!

فإذا ذهبنا إلى قوله تعالى: (عَلَى جُيُوبِهِنَّ)، وجدناه يتعلق بالمحور الأساس للحكم الشرعي الذي هو (الخمار)، وذلك لتصحيح وضعه وهيئته ليشمل تغطية الجيوب!!

وليس في كتاب الله تفصيل لمعنى «الجيب»، ما هو، وأين هو، فهل شرح الله تعالى لنا أين هو هذا «الجيب» الذي أدخل موسى، عليه السلام، فيه يده: «وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ»؟!

إذن فلا مفر أمامنا أيضا إلا الاستعانة بـ «منظومة التواصل المعرفي»، نأخذ منها، ومن معاجم اللسان العربي، معنى «الجيب»، كما أخذنا منها معنى «الخمار»، فنجد أنه يعني فتحة الثوب من أعلاه، بقصد إخفاء أعلى الصدر، الأمر الذي يستلزم منطقيا أن تغطي المرأة الأذنين والعنق!!

ولا يقول قائل: ولماذا لا يغطي (الخمار) أيضا الوجه، وهو أعظم زينة في جسم المرأة، ومحل الأنظار والفتنة؟!

والجواب: هذا حكم آخر، يتعلق بـ «زينة المرأة المسلمة»، وليس بلباسها، وقد ورد هذا الحكم أيضا في الآية (٣١) من سورة النور، قبل وبعد قوله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»، فقال تعالى قبلها:

«وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا»

وقال بعدها:

«وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ..»

وتفصيل ذلك في الموضوع المنشور على الموقع بعنوان «زينة المرأة المسلمة».

إن قوله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ»، تشريع إلهي، قطعي الدلالة، واجب الاتباع، والإصرار على مخالفته «كفر» بهذه التشريع الإلهي، ويُرجع في مفهوم «الكفر» إلى المقال السابق: «مفهوم الكفر بين الدين الإلهي والتدين السلفي».

محمد السعيد مشتهري


(409) 12/1/2016 (الأصدقاء الأعزاء)

 عدد المشاهدات : 231

وهكذا، ولأول مرة على هذه الصفحة، يحدث هذا الحراك الفكري الجدلي، الذي كان لأصحاب القراءات الشاذة للقرآن أثر كبير فيه، وانعكس ذلك على تعليقات التابعين المقلدين لهم، وكنت أتمنى أن أجد تعليقا علميا واحدا يخالفني الرأي، استنادا إلى آيات الذكر الحكيم، في إطار موضوع المنشور، وحول قوله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ».

وسأضرب مثالين فقط، لبيان أن من خالفني الرأي لا يعلم شيئا عن مشروعي الفكري، ولذلك عندما سألت أحدهم عن ماذا يعلم عن «منظومة التواصل المعرفي»، ذهب يبحث عنها، وللأسف جاء بمعلومات مغلوطة.

يقول الصديق Ahmed Nabeul ضمن تعليقاته المرسلة:

«وأدعو الله أن يوفقكم إلى إصلاح بناء المنظومة، باعتبار القرءان الكريم المرجع اللساني الوحيد المحفوظ خلافا لمعاجم قول البشر المبنية على الترادف والإختلاف إذ لا يمكن اعتمادها قاعدة للتدبر ضمن منظومة التواصل».

سأعطيك مثالا واحدا، من مئات الأمثلة، التي يستحيل أن تفهمها دون الاستعانة بـ «منظومة التواصل المعرفي»، وإذا أردت مزيدا من الأمثلة، فاستمع إلى حلقات «نحو إسلام الرسول»:

يقول الله تعالي في سورة طه (الآية ٨٧):

«قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ»

هل تستطيع أن تشرح لنا معنى هذه الكلمات: «أَوْزَارًا» – «زِينَةِ الْقَوْمِ» – «فَقَذَفْنَاهَا» – «السامري»، بالاستعانة بالقرآن فقط؟!

أرجو الإجابة بلا أو بنعم، وإذا كانت (نعم) فاشرح لنا الآية استنادا إلى آيات الذكر الحكيم!!

ويقول الصديق Ahmed KH

«ثانيا: يقول السيد مشتهري ان لفظ الخمار غير وارد قرءانيا لهذا لابد من الاستعانة بمنظومة التواصل المعرفي .. وهنا نقول لو دقق قليلا لوجد ان الخمار هي من الخمر والخمر لفظ موجود قرءانيا..»

وهذه أيضا عينة من المنهج العشوائي الذي تعلمه التابعون المقلدون لأصحاب القراءات الشاذة للقرآن.

فالكلام الذي قلته في المنشور هو: «فإذا أردنا أن نقف على معنى هذا (الخمار) فلن نجده في كتاب الله، ولا سبيل أمامنا لمعرفة معناه إلا أن نستعين بـ «منظومة التواصل المعرفي»، وما حملته من معاجم اللسان العربي، وقد أجمعت على أن (الخمار) هو الثوب الذي كانت المرأة تغطي به رأسها فقط في الجاهلية!!

أما الصديق، فيفتري عليّ الكذب ويقول: «يقول السيد مشتهري (إن لفظ الخمار) غير وارد قرءانيا!!

فهل هناك فرق بين ما قلته وهو: «فإذا أردنا أن نقف على (معنى هذا الخمار) فلن نجده في كتاب الله»، وبين ما قاله

طبعا أصحاب المنهج العشوائي سيجيبون: لا فرق!!!!!!

وأعتذر عن عدم الرد على باقي التعليقات لأنني للأسف لم أجد شيئا يستحق الرد!!

محمد السعيد مشتهري


(410) 13/1/2016 (من هم أصحاب القراءات الشاذة للقرآن)

 عدد المشاهدات : 208

يغضب بعض الأصدقاء، عندما أصف المخالفين لي في الرأي، بأصحاب القراءات الشاذة للقرآن، والحقيقة أن هذا الوصف ليس لمخالفتهم لي في الرأي، فلست أنا الذي يفعل هذا، وإنما لأنهم يتقوّلون على الله بغير علم، لذلك لزم وصفهم، وبيان حالهم!!

هؤلاء يظنون، أو يتصورون، أنهم يستطيعون فهم القرآن، واستنباط أحكامه، استنادا إلى النص القرآني وحده، وهذا «وهمٌ» يجب كشفه لهم قبل غيرهم!!

لقد نزل القرآن الحكيم بلسان عربي مبين، وهو لا يحمل في ذاته المدرسة التي يتعلم الناس عن طريقها هذا اللسان، وقد تعلم العرب جميعا «العربية» وهم أطفال في المدارس، ومن خلال البيئة العربية التي يعيشون فيها!!

إن جميع المفكرين والفلاسفة الذين يقولون بالاكتفاء بالقرآن، وبفهم القرآن واستنباط أحكامه من ذات النص القرآني، هؤلاء يضحكون على أنفسهم، وعلى الغلابة التابعين لهم، لأن هذا القرآن الذي يتحاورون بشأنه، قد تعلموا أصلا قراءة آياته من خارجه، وعرفوا الفرق بين الشجرة والنخلة من خارجه، فلا يوجد بداخل القرآن صور تبين مدلولات الكلمات…، وهذا الموضوع مفصل في حلقتين من برنامج «نحو إسلام الرسول»، عند حديثي عن مفهوم «منظومة التواصل المعرفي»!!

ولقد سألت أحدهم بالأمس أن يشرح لنا، استنادا إلى النص القرآني وحده، قوله تعالى في سورة طه، الآية ٨٧، في سياق الحديث عن قصة موسى عليه السلام:

«قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ»

فأين في كتاب الله نجد معنى (أَوْزَارًا) المقصود في هذا السياق؟! وما هي (زِينَةِ الْقَوْمِ)، وأين قذفوها (فَقَذَفْنَاهَا)، وما معنى كلمة (السَّامِرِيُّ)؟!!

وإلى الآن لم يخرج علينا بشرح هذه الآية (وهناك المئات غيرها)، لذلك أدعوا أصحاب القراءات الشاذة للقرآن، أن يقفوا صفا واحدا على قلب رجل واحد، ويخرجوا علينا بتفسير هذه الآية، استنادا إلى ذات النص القرآني وحده!!

لقد أفسد أصحاب القراءات الشاذة للقرآن آليات التفكر والتعقل والتدبر عند أتباعهم، فخرجوا علينا بالأمس بسيل من الفكر العشوائي، والكلام الإنشائي المرسل، وتحريف الكلم عن مواضعه…، لذلك أدعوا الأتباع المقلدين هم أيضا أن ينضموا إلى متبوعيهم، ليخرجوا علينا جميعا بتفسير لهذه الآية حسب مشاريعهم الفكرية!!

فإذا ذهبنا إلى سورة النور، الآية ٣١، سنجد ما يلي (على سبيل المثال):

* قوله تعالى: «وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ»

لقد جاء الخطاب للمؤمنات لأن أحكام الشريعة لا يلتزم بها إلا «المؤمنون»

* قوله تعالى: «يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ»

فعل أمر، جاء في سياق تشريعي، لأحكام تتعلق بالنساء المؤمنات، والإصرار على عدم الالتزام بهذه الأحكام كفر بالله وبشريعته، حسب مفهوم الكفر المبين في مقال «مفهوم الكفر بين الدين الإلهي والتدين السلفي».

السؤال: هل بيّن الله تعالى لنا في القرآن معنى (الغض)؟! أين هذا التفصيل الذي حمله القرآن لبيان معنى (الغض) وكيفيته؟! يعني الصحابة كانوا بيعملوا إيه استحابة لقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّه»؟!

* قوله تعالى: «وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ»

هل بيّن الله تعالى لنا في كتابه معنى (الفرج) المطلوب حفظه وأين هو؟! وهل هذا (الفرج) هو مفرد (فروج)، التي جاءت في قوله تعالى في وصف السماء: «وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ»؟!

أين هذا التفصيل الذي حمله القرآن لبيان ذلك؟!

* قوله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»

ولا ننسى أننا مازلنا في سياق بيان أحكام الشريعة الواجب على المرأة (التي أسلمت) أن تلتزم بها، ولسنا أمام حريات شخصية، وعادات وتقاليد لأهل الجزيرة العربية!!

فهل بيّن القرآن للنساء المؤمنات ما هو هذا (الخمار) المطلوب ضربه على الجيوب، وليس شربه أو أكله أو التزين به، وأين تقع هذه الجيوب؟! أم أن الله تعالى خاطب الناس بما لا يعلمونه؟! (سبحانه وتعالى عما يصفون)

فأين هي هذه الآيات القرآنية التي جاءت تُبين للنساء ما هو هذا (الخمار)، وأين هي هذه (الجيوب) التي تتعلق بلباس المرأة (جُيُوبِهِنَّ)؟!

* قوله تعالى: «أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ»

هل بيّن الله تعالى في كتابه معنى (أُولِي الْإِرْبَةِ)؟! أم سنذهب إلى معاجم اللسان العربي (أي خارج القرآن) تجيب لنا على هذا السؤال؟!

مئات الأمثلة، بل أقول كل كلمة (اسم – فعل – حرف) في كتاب الله، يستحيل فهمها دون الاستعانة بما أسميه «منظومة التواصل المعرفي».

لذلك تعالوا نتفق أولا على المنهجية العلمية التي أقمت عليها مشروعي الفكري، ولكلٍ بعد ذلك كامل حريته في اتخاذ المنهجية التي يراها صحيحة:

هل يمكن فهم القرآن، واستنباط أحكامه، بمعزل عن هذا المصدر المعرفي الذي أسميه «منظومة التواصل المعرفي»، والذي هو المحور الأساس في مشروعي الفكري؟!

أرجو الإجابة تحديدا بـ (نعم) أم (لا)، وإذا كانت بـ (نعم) يمكن فهم القرآن بالاستعانة بذات النص القرآني وحده، فأرجو من صاحب هذا الرأي، أن يشرح لنا الآيات التي ذكرتها، بالاستعانة بذات النص القرآني وحده، دون مقدمات ولا إنشاء…، وإنا منتظرون!!

ولن ألتفت إلى أي تعليق يخرج عن هذا الإطار!!

محمد السعيد مشتهري


(411) 14/1/2016 (تهافت القراءات الشاذة للقرآن)

 عدد المشاهدات : 215

لقد سألت سؤالا، ولم يستطع أحد من أصحاب وأتباع القراءات الشاذة للقرآن الإجابة عليه، وانتظرت، ومر يومان، والسؤال:

عندما نزل قوله تعالى، مخاطبا الرسول:

«وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ (يَغْضُضْنَ) مِنْ أَبْصَارِهِنَّ، (وَيَحْفَظْنَ) فُرُوجَهُنَّ، (وَلَا يُبْدِينَ) زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، (وَلْيَضْرِبْنَ) بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ، (وَلَا يُبْدِينَ) زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ … (وَلَا يَضْرِبْنَ) بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ…)

أليست هذه من أحكام الشريعة القرآنية التي نزلت لتعمل بها النساء المؤمنات، يوم أن نزلت، وإلى يوم الدين؟!

أليس حفظ الفرج من أحكام الشريعة القرآنية واجبة الاتباع، والإصرار على معصيتها كفر بالله وبشريعته، قال تعالى:

«وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ

(وَلَا يَزْنُونَ) وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا»

«يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)»؟!

إذن فالمرأة المسلمة المؤمنة ملتزمة بهذه الأوامر، وبهذه النواهي التالية: (يَغْضُضْنَ) – (وَيَحْفَظْنَ) – (وَلَا يُبْدِينَ) – (وَلْيَضْرِبْنَ) – (وَلَا يَضْرِبْنَ) لا فرق مطلقا بينها في وجوب الاتباع!

لذلك سألت: عندما نزلت هذه الأوامر، وهذه النواهي، التي يجب الالتزام بها إلى يوم الدين، ماذا فعلت المرأة المؤمنة بهذه الأوامر، وبهذه النواهي، تحديدا؟!

ماذا فعلت المرأة المؤمنة عندما سمعت قوله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ»؟! ماذا فعلت؟!

يعني ضربت إيه بالخمار؟!

ولا ضربت بالخمر إيه؟!

ولا ضربت الخمر وحطته في جيوبها؟!

عايزين نفهم بالضبط (في سطرين)، ماذا فعلت المرأة المؤمنة، علشان نعرف إذا كانت المؤمنات اليوم سيفهمن هذه الأوامر، وهذه النواهي، أم لا؟!

لقد جاءت كل إجابات أصحاب القراءات الشاذة للقرآن، وهي منشورة على الصفحة، بكلام مرسل، إنشائي، وبفكر عشوائي شاذ، يذهب يمينا ويسارا، ويتفرع هروبا… وكلها تثبت من حيث لا تدري، استحالة فهم القرآن بمعزل عن «منظومة التواصل المعرفي»!!

٤٨ ساعة كانت فرصة كافية، لأصحاب الرأي المعارض، أن يضعوا جملة واحدة مفيدة، تبين أنهم أهل لتدبر القرآن!!

وأكرر وأقول: إن هذه الآية من سورة النور، حملت تشريعات واجب على المرأة المؤمنة العمل بها فورا، والالتزام بالأوامر والنواهي التي وردت فيها: (يَغْضُضْنَ) – (وَيَحْفَظْنَ) – (وَلَا يُبْدِينَ) – (وَلْيَضْرِبْنَ) – (وَلَا يَضْرِبْنَ)، وإلا كانت عاصية مخالفة لأحكام الشريعة الإلهية

ولقد أغلقت باب الحوار حول هذا الموضوع من الآن، وكمية التعليقات الموجودة على الصفحة كافية، لمن أراد الاطلاع عليها، ليعلم تهافت هذه القراءات الشاذة للقرآن، وسأقوم بحذف أي تعليق يأتي من الآن حول هذا الموضوع، حتى ولو بالتأييد!!

علما بأني تركت الروابط التي وضعها المخالفون في الرأي كما هي، مخالفا بذلك النظام الذي قامت عليه الصفحة، وهو عدم قبول أي روابط للغير، أو أي فيديوهات، أو أي صور، حتى أتيح الفرصة لأصدقاء الصفحة التعرف على ماذا قال (المتبعون) عن هذا الموضوع!!

محمد السعيد مشتهري


(412) 19/1/2016 (السلفية ضد الفهم الواعي لحقيقة أن الله واحد)

 عدد المشاهدات : 252

ن تطور الحضارات وتقدمها، سنة إلهية اقتضتها مشيئة الله أن يجعل في الأرض خليفة، فمنذ أن اصطفى الله آدم، عليه السلام، ليكون أبا للوجود البشري، نشأت حضارات، وتواصلت معارف، أسهمت في تطور الفكر الإنساني وتقدمه.

وإذا كان تطور الفكر الإنساني وتقدمه، يُرجع الفضل فيه إلى الاستفادة من خبرات السابقين، ذلك أن المعارف والأفكار تتطور مع تقدم الحضارات، فإن الأمر يختلف تماما بالنسبة للدين الإلهي، الذي لا يعتمد على خبرات السابقين وتطورها لتفعيل أصوله في حياة الناس.

إن مفهوم الوحدانية ثابت، لا يتطور ولا يتغير، من لدن آدم عليه السلام، وإلى قيام الساعة، إنه منظومة متكاملة تحكم هذا الوجود في كل ذرة من ذراته، وها هو إبراهيم، عليه السلام، الأواه الحليم، يواجه آباءه الضالين المشركين، ولم يسمح لشركهم أن يخترق فطرته الإيمانية، وأعلنها صراحة:

«وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»نعم، «فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ»، إن الأمن والأمان في الفهم الواعي لحقيقة الوحدانية، لذلك وصف الله المؤمنين الآمنين بقوله بعدها: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ»

لقد كان إيمان إبراهيم، عليه السلام، وفهمه الواعي لحقيقة الوحدانية، وإخلاص عبوديته لله تعالى، معينا لذريته على تقوى الله، وسببا في تفضيلهم على العالمين، فقال تعالى: «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا… وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».

فإذا ذهبنا إلى يعقوب، عليه السلام، وجدنا أن أول شيء اهتم به وهو على فراش الموت، الاطمئنان على موقف أبنائه من الوحدانية، فقال تعالى:

«أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»

لقد وجه الأنبياء اهتمامهم في المقام الأول إلى غرس مفهوم الوحدانية في قلوب الناس، بداية بالأقربين، وها هو يعقوب يسأل بنيه: «مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي»، لقد سأل عن جوهر العبادة: «مَا تَعْبُدُونَ»، قالوا: «نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ..».

ولقد استخدم يعقوب لفظ «ما» ولم يستخدم «من»، فلم يقل «من تعبدون»، لأنه يريد أن يتأكد من عدم تعلقهم بأي صورة من صور العبادات التي كانت منتشرة في عصرهم، فأكدوا له تمسكهم بالوحدانية التي كان عليها آباؤهم الأولون: «إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ».

لقد جاء جواب أبناء يعقوب في غاية الحكمة، لأنهم أقاموا فهمهم للوحدانية على أساس قناعتهم الذاتية، ووقوفهم بأنفسهم على دلائلها، لذلك قالوا: «نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ»، أي نعبد الإله الذي تعبده، والذي عبده آباؤك، ونحن جميعا له مسلمون.

لقد عَرّفُوا الإله المعبود بالإضافة إلى يعقوب، دون الاسم العلم، فقالوا «نعبد إلهك» ولم يقولوا «نعبد الله»، لبيان أنهم يعبدون نفس الإله الذي يتصف بجميع الصفات التي شهد له بها يعقوب وآباؤه، وبذلك يطمئن يعقوب على انفصالهم التام عن أشكال العبودية الشركية التي كانت منتشرة في عصرهم، وخلو قلوبهم من أية صورة من صور الشرك من قريب أو من بعيد.

ولقد بيّن يعقوب، عليه السلام، لأبنائه أنه لن ينفعهم تقليد أو اتباع الآباء استنادا إلى مكانتهم الدينية، أو إلى فضلهم وتقواهم، فدائما ما يقف الاتباع والتقليد الأعمى حاجزا بين المرء وإخلاص عبوديته لله تعالى، لذلك جاء التعقيب على موضوع الآية السابقة بقوله تعالى:

«تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ»

إذن فلن يُسأل المرء عن تدين آبائه، ولا عن ما قدموه لدينهم، ولا عن أعمالهم، صالحة أم طالحة، فمسؤولية الإنسان الدينية مسؤولية فردية، مستقلة عن آبائه، فلهم ما كسبوا، «وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ»، «وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ».

وها هو يوسف، عليه السلام، يتحرك بين الناس بسلوكه العملي، وبفهمه الواعي لحقيقة الوحدانية، ولم ينحرف عن ملة آبائه الموحدين الصالحين:

«وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ»

إن «الوحدانية» تقف على رأس النعم التي أنعم الله بها على الناس، «وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ»، فعندما تكون شجرة العائلة، أصولا وفروعا، تعيش على الفهم الواعي لحقيقة «الوحدانية»، تصبح «الوحدانية» هي السمة الرئيسة لأفراد لهذه العائلة، يُعرفون بها، لذلك قال يوسف: «مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ».

وهنا يجب أن نتوقف عند كلمة «مِنْ شَيْءٍ»، فالذرة شيء، والهوى شيء، يقول الله تعالى: «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ»، إذن فلماذا لا نخاف من الشرك، الذي قد يكون في قلوبنا، ولكننا لا نخاف منه لصغره، والله تعالى يقول: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» ـ ويقول تعالى: «يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا»!!لقد جاء قصص الأنبياء، ليس فقط عبرة لأولي الألباب، وإنما أيضا لربط المؤمنين، على مر العصور، بسلسلة الأنبياء الإيمانية الموحدة، وكي نتأسى بهؤلاء الأنبياء، ولبيان أن الوحدانية منظومة تشمل كل ذرة في هذا الوجود، ولذلك اعتبر الله تعالى عبادة هذه الذرة، وما أصغر منها وما أكبر، شرك بالله عز وجل.

إن الخطر كل الخطر، أن يتبع المسلمون ما وجدوا عليه آباءهم، وتقديس تراثهم الديني واعتباره من الوحي الإلهي، والله تعالى يقول:

«وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ»

تدبر قوله تعالى في وصف الآباء «أي السلف»: «أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ»، لقد أراد الله أن يبين للناس، أن الذين ضلوا من السلف، كان ضلالهم بسبب عدم تفعيلهم لآليات التعقل، وقد ورث الخلف عنهم هذا الضلال، دون تدبر لآيات الذكر الحكيم، التي حذرتهم منه إذا هم تفرقوا في الدين وكانوا شيعا: «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»!!

لقد وقفت الآبائية «السلفية» سدا منيعا أمام الفهم الواعي لحقيقة الوحدانية، بتفرقهم إلى فرق ومذاهب عقدية، خاضت في صفات الله وأسمائه الحسنى، ولم تجد حرجا في أن تصف الله عز وجل بصفات لا يقبلها بشر على نفسه، وأشركت مع كتاب الله مصادر تشريعية تحل وتحرم وتسفك الدماء بغير حق، وتحكم على من خالف تدينهم المذهبي بالردة والكفر!!

أما الذين وقفوا على حقيقة الوحدانية، ولم يشركوا بالله شيئا، يعلمون القانون العام الذي قامت عليه حرية الاعتقاد، وهو قول الله تعالى:

«لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»

نعم، «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، فالإنسان حر، يملك أدوات وآليات التفكر والتعقل والتدبر والنظر…، «آليات عمل القلب»، والتي بتفعيلها يستطيع أن يتبين الرشد من الغي: «قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ».

إن الإنسان هو الذي سيتحمل مسئوليته الدينية وحده، وهو الذي عليه التمييز بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، وقد أرسل الله له الرسل، وجعل الكون أمامه كتابا مفتوحا، ومقابلا كونيا لكتاب الله المقروء، يعرض ليل نهار دلائل الوحدانية.

إن الكفر بـ «الطاغوت»، هو الكفر بكل ما يُعبد من دون الله، والإيمان بـ «الله»، هو الإيمان بأصول الدين «ملة وشريعة»، لذلك قال تعالى بعدها: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ، وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ، فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى..»

إنها مسؤولية الإنسان وحده، فإن حملها: «فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا»، فهل يعقل أن يجعل الله هذه المسؤولية تاريخية، يتحملها أئمة السلف وفقهاء المذاهب المختلفة، في الوقت الذي تقع فيه مسؤولية «تبين الرشد من الغي» على الإنسان وهو يعيش حاضره؟!

إن إدارة هذه الأزمة تكتب فيها المجلدات، ولكن المحور الأساس الذي يستطيع إدارتها بحكمة وسلام، هو الفهم الواعي لما حملته الآيات التالية من بيان لحقيقة الوحدانية، التي منذ أن غابت عن حياة المسلمين، تخاصموا وتقاتلوا وتفرقوا في الدين إلى مذاهب عقدية وتشريعية متصارعة، ما أنزل الله بها من سلطان، فيقول الله تعالى:

«وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ»

إن الخطاب القرآني في هذه الآيات للناس جميعا، لا فرق بين من ورث الكفر ومن ورث الإسلام، فكلهم مطالبون أن يقفوا على حقيقة تدينهم الوراثي، وموقعه من الدين الحق الذي أمر الله اتباعه: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا»

وعلى الرغم من أن توحيد الله أمر فطري، موجود في أعماق النفس الإنسانية منذ تكوينها، فإن هذه الفطرة إن لم يقم صاحبها بتفعيلها، فإنها لا تعصمه من الانحراف عن الهدى ودين الحق، ، لذلك قال تعالى بعدها: «أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ»

إن الإنسان لن يعذر بسبب غفلته عن تفعيل فطرة الوحدانية: «أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ»، ولن يعذر باتباع الآباء بغير علم: «أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ»، وما زال الباب مفتوحا للتوبة: «وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ».

لقد وقف التغييب العقلي، الذي أفرزه الإيمان الوراثي القائم على منظومة الفقه السلفي، عقبة أمام تفعيل المسلمين لأصول الدين الإلهي، الذي ارتضاه الله للناس: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا»، فهل شكر المسلمون ربهم على نعمة كمال الدين وتمام النعمة، وهدايتهم إلى صراطه المستقيم؟!

هل نظر أتباع الفرق والمذاهب المختلفة وتفكروا في دلائل الوحدانية، وأقروا بصدق النبوة، وعلموا أن النعمة الكبرى التي أنعم الله بها عليهم، وعلى الناس جميعا، أن جعل البرهان على صدق نبوة رسوله الخاتم محمد، «آية قرآنية»، من خصائها أن تخرج الناس من الظلمات إلى النور، فأخرجوهم؟!

إن الذين لم يشكروا ربهم على نعمة الوحدانية، هم الذين أعطوا ظهورهم لكتاب الله، وهجروا تدبره، واتبعوا كتب البشر ومروياتهم، وجعلوا تدين أئمة وفقهاء السلف، حاكما على دين الله وشريعته!!

إن الذين لم يشكروا ربهم على نعمة الوحدانية، هم الذين يُقدسون تدين السلف، ويعتبرون أن الزمن قد توقف عند عصر تدوين أمهات كتب الفرق والمذاهب المختلفة، أي عند القرن الثالث الهجري، أو الرابع على أقصى تقدير، لذلك نجدهم يتعصبون لمذاهبهم، ويقاتلون في سبيل إعلاء رايتها!!

إن المشكلة في غياب الفهم الواعي لأصول الدين الإسلامي، بداية بحقيقة الوحدانية ومفهومها الذي عاش به الأنبياء، وماتوا عليه، ووصوا به ذرياتهم، هذه المنظومة الإيمانية التي تحوي كل المؤمنين من لدن آدم إلى قيام الساعة.

إن المشكلة في غياب مفهوم «النبوة»، وأنه يستحيل أن يشرك الله تعالى نبيا من أنبيائه في حكمه: «وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا»، وينزل عليه نصا تشريعيا باسم «السنة النبوية»، يوزعه النبي على «علماء الحديث»، كلٌ حسب مدرسته في الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف، لذلك تدبر قوله تعالى:

«وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى»

«قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا»

«قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى»

محمد السعيد مشتهري

معلومات:

* الفطرة الإيمانية: الفطرة من الفَطْر، وهو الخَلْق، وهي فطرة الوحدانية التي خلق الله الناس عليها، لقوله تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ..»

* أصول الدين: نجدها مجتمعة في قوله تعالى: «وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»: والإيمان بالله يعني الإقرار بالوحدانية، لقوله تعالى: «…يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ».


(413) 23/1/2016 (واختلط الحابل بالنابل)

 عدد المشاهدات : 280

عندما تفرق المسلمون إلى فرق عقدية ومذاهب تشريعية مختلفة، تخاصمت وتقاتلت، واستحلوا دماء بعضهم بعضا، غاب المجتمع الإيماني، وغاب الفهم الصحيح لحقيقة الدين الإسلامي الذي ارتضاه الله للناس، وأصبح الإسلام الوراثي هو الصفة الغالبة على المجتمعات الإسلامية، ولبس النفاق والشرك بالله ثوب الإسلام، ولم تعد أخوة الإيمان هي الرابط الذي يربط المسلمين بعضهم ببعض!!

ولكن أن يصل الأمر إلى أن تقوم عقود النكاح بين المسلمين على أساس الإسلام الوراثي، فلا يعرف الرجل حقيقة الدين الذي عليه المرأة التي يرغب نكاحها، ولا تعرف المرأة حقيقة الدين الذي عليه الرجل، فهذه مصيبة كبرى، لأن الله تعالى اشترط لصحة عقد النكاح، أن تتحقق صفة الإيمان في الزوجين، فقال تعالى:

«وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ (حَتَّى يُؤْمِنَّ)، وَلَأَمَةٌ (مُّؤْمِنَةٌ) خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ»

وقال تعالى عن المهاجرات:

«..فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ، فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ، وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ»

فهل قبل اتخاذ أي إجراء لعقد النكاح، يقوم الرجال بامتحان النساء اللاتي يرغبن نكاحهن، للوقوف على حقيقة إيمانهن، فإن علموا أنهن مؤمنات عقدوا النكاح؟!

لا يحدث!!

لذلك لم يقل الله تعالى «وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ (حَتَّى يُسلِمنَّ)، وإنما قال: (حَتَّى يُؤْمِنَّ)، لأنه سبحانه حرّم أن تؤسس عقود النكاح على «النفاق»، أو «الشرك»!!

إن الأساس في عقد النكاح، حسب أحكام الشريعة القرآنية، العلم بأصول الإيمان، هذا العلم الذي يجعل الزوجين من أول يوم على دراية بحقوقهما واجباتهما الزوجية.

لذلك فنحن أمام مصيبة كبرى، تجعل عقود الزواج التي يوقع عليها الزوجان على أساس التزامهما بالكتاب والسنة، «باطلة»، لأن هذا الشرط لا أصل له في الشريعة القرآنية، وعقد النكاح عقد مدني، الشرط الشرعي الوحيد فيه هو تحقق صفة الإيمان في الزوجين المسلمين، ،لا يُكتفى بالهوية الإسلامية، لأن المنافقين يرفعونها:

«قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا، قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا، وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»

إن الإيمان ليس عمل القلب وحده، ثم بعد ذلك يفعل الإنسان ويستحل كل ما حرمه الله تعالى، كما تدعي بعض المذاهب العقدية، كالأشعرية، وإنما هو تصديق عمل الجوارح لعمل القلب: «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»، فلا ينفصل الإيمان عن العمل الصالح مطلقا.

منذ قرون مضت، والمسلمون يَدْعُون ربهم ليل نهار، في البيت الحرام وفي مساجد العالم، أن ينصرهم على أعدائهم، ويرفع عنهم ضنك معيشتهم، ويعيد إليهم خيريتهم، فلماذا لم يستجب الله تعالى لهم؟!

الإجابة: لأن الحابل اختلط بالنابل

الحابل: الذي مهمته أن يمسك بحبال الخيل والجمال في الحروب

النابل: الذي مهمته أن يرمي السهام

فعندما تشتد المعركة، وتلتحم الجيوش، ويعم الغبار أرض المعركة، وتتزلزل الأقدام، لا يمكن وقتها معرفة الحابل من النابل، وهو مثل يطلق على الفوضى واضطراب الأمور.

محمد السعيد مشتهري


(414) 27/1/2016 (شبهات حول لباس المرأة بين خمارها ونقابها)

 عدد المشاهدات : 200

عندما نتحدث عن الشريعة القرآنية، فنحن نتحدث عن الدين الإلهي، الذي ارتضاه الله للناس جميعا: «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ»، وأمرهم باتباعه: «ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ»، فالشريعة هي ما شرع الله لعباده من الدين، لهدايتهم إلى صراطه المستقيم.

ولم تأت الشريعة القرآنية بلباس للمرأة المسلمة اسمه «النقاب»، والآية القرآنية التي يستدلون بها على ذلك لا علاقة لها بلباس يحجب المرأة عمّن حولها، فقد وردت هذه الآية في سياق الحديث عن آداب الدخول على نساء النبي، وبيان أن التحدث معهن يجب أن يكون من وراء حجاب، أي «ساتر»، يقول الله تعالى:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ … وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ … وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا».

لقد جاءت الشريعة القرآنية تحافظ على العلاقات الاجتماعية بين الرجال والنساء، بعيدا عن إثارة الشهوات، فوضعت لثياب المرأة وزينتها حدودا وضوابط، تصحح ما اعتادت عليه قبل الإسلام، ولم تأت لحجبها عن القيام بشؤونها، أو النيل من حقوقها وحريتها.

وعندما غابت المنهجية العلمية عن تدبر القرآن، ظهرت قراءات غير صحيحة، خرج أصحابها بفتاوى تُحرم على المرأة كشف وجهها، وأخرى تبيح للمرأة أن تظهر أمام الناس بأي صورة شاءت، وقراءة جاءت بتحريم النقاب!!

إن تدبر آيات الذكر الحكيم يقوم على منهجية علمية، تفرض على أصحاب هذه القراءات أن يقفوا أولا على الأدوات التي يستحيل أن يُفهم القرآن وتستنبط أحكامه بمعزل عنها، وفي مقدمتها اللسان العربي، وما حملته «منظومة التواصل المعرفي» من دلالات الكلمة، «اسما، وفعلا، وحرفا»، في إطار السياق الذي وردت فيه.

إن «منظومة التواصل المعرفي» ليست مرجعية دينية، ولا تواترا عمليا حمل السنة النبوية أو الرسالية، وإنما منظومة معرفية، تواصلت حلقاتها من لدن آدم، عليه السلام، كما قال تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ»، فالله تعالى لم يعرض على الملائكة الأسماء فقط، وإنما عرض «المسميات»، شاخصة أمامهم، لذلك قال «عَرَضَهُمْ»، ولم يقل «عَرَضَها»!!

إن «منظومة التواصل المعرفي» تحفظ مسميات الكلمات على أرض الواقع، على مستوى الوجود البشري، لذلك يستحيل فهم القرآن بمعزل عنها، وقد سبق بيان ذلك في أكثر من مقال.

فعلي سبيل المثال: لقد ذكر الله أن من المستثنين من ستر المرأة زينتها أمامهم، كما سيأتي بيانه: «التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ»، فهل بيّن الله في كتابه من هم «أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ»؟! أو هل ورد في كتاب الله معنى « الْإِرْبَة»، أم سنذهب إلى «منظومة التواصل المعرفي»، ومعاجم اللسان العربي، لنعلم من هم؟!

إن تفعيل الشريعة القرآنية قائم بين الناس إلى يوم الدين، ويستحيل أن يخاطب الله الناس بأحكام لا يفهمون مدلولات كلماتها، فقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، ومن يريد فهمه واستنباط أحكامه، يجب أن يكون على دراية بهذا اللسان الذي نزل به، وهذه مسألة منطقية قبل أن تكون شرعية!!

لقد جاءت أحكام الشريعة القرآنية في سياق تشريعي، يضع الحدود والضوابط لثياب المرأة، ويحمل الأوامر والنواهي، أي افعل ولا تفعل، ولم تأت في سياق خبري، أو قصصي، وبيان ذلك على النحو التالي:أولا: يقول الله تعالى في سورة النور:

«قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ» ـ- «وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ…، وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».

فهذه الأحكام، التي يخاطب الله تعالى بها الذين آمنوا: «قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ» ـ- «وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ»، جاءت بأوامر: «يَغُضُّوا ـ- يَحْفَظُوا»، «يَغْضُضْنَ ـ- وَيَحْفَظْنَ»، وخصت المرأة المؤمنة بأمر: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ..»، ونهتها عن: «وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ـ- وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ..».

فهل يمكن أن نُخرج حكما من هذه الأحكام عن سياقه التشريعي، فنقول مثلا بوجوب حفظ الفرج، أما ضرب الخمار على الجيوب، فحرية شخصية، أو مسألة يحكمها العرف؟! والجواب: لا يمكن، فهذه منظومة تشريعية مترابطة، لا يمكن فصل أجزائها عن وجوب الاتباع!!

مثال: لقد ذكر الله تعالى صفات عباد الرحمن، فقال تعالى: «وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا يَزْنُونَ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا..»، فهل يمكن فصل أجزاء هذه المنظومة التشريعية، من حيث وجوب الاتباع، فنقول: إن الشرك بالله، غير قتل النفس، غير الزنى؟!

إن الزاني الذي يصر على الزنى، والقاتل الذي يصر على سفك الدماء بغير حق، هؤلاء قد أشركوا مع الله إلها آخر هو الهوى، لذلك جاؤوا جميعا في سياق واحد، وكان جزاؤهم واحدا: «وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا» -ـ «يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا».

كذلك تتساوى جميع الأوامر والنواهي التي وردت في سياق آيات سورة النور، فكلها جاءت في سياق تشريعي واحد، عَقَّبَ الله تعالى عليه بقوله: «وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»، فأمرهم، رجالا ونساءً، بالتوبة الفورية إن هم خالفوا حكما من هذه الأحكام!!

ثانيا: ماذا فعلت النساء المؤمنات عندما نزلت هذه الأحكام؟! هل كن يعلمن مدلولاتها؟! نعم، لأنه يستحيل أن يخاطبهم الله بأحكام لا يعلمن معناها!! فإذا ذهبنا إلى القرآن فهل نجد تفصيلا لمعنى «الخُمر»، و«الجيوب»، الخاصة بالنساء، التي وردت في قوله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ»؟!

لا يوجد في كتاب الله بيان لمعنى خمر النساء، ولا لمعنى جيوبهن، ولا لكيفية ضرب المرأة خمارها على جيبها، لذلك لا مفر من الاستعانة بمعاجم اللسان العربي، وما حملته «منظومة التواصل المعرفي» من دلالات، لنفهم ماذا فعلت المرأة المؤمنة عندما نزل قوله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ».

فإذا ذهبنا إلى معاجم اللسان العربي، سنجد للكلمة أكثر من معنى، وعلينا أن نختار المعنى الذي يتفق مع السياق، بشرط أن يكون السياق القرآني حاكما على المعنى المختار، فإذا ذهبنا إلى لسان العرب، لابن منظور، والمفردات للأصفهاني، سنجد الآتي:

ـ «الضرب»: وضع الشيء على الشيء، مع إحكامه.

ـ «الخمار»: أصل مادة خمر الستر والتغطية، يقال لما يستر به «خمار»، وهو ثوب كانت المرأة العربية تضعه على رأسها تستر به شعرها، فأمر الله من أسلمت أن تغطي به جيبها.

ـ «الجيب»: كل شيء قطع وسطه فهو مجيوب، ومنه: جيب القميص للرجال، وجيب الجلباب للنساء، وهو ما ينفتح على النحر، مما يسمح بظهور العنق وشيء من الصدر، وهو ما أمر الله المرأة أن تضرب خمارها عليه.إذن فالمقصود بضرب الخمار على الجيب إحكام وضعه، بحيث يستر بعض الصدر المكشوف من فتحة الجيب!!

ثالثا: هل كانت النساء المؤمنات يعلمن ما هي الزينة التي جاء الضمير يشير إلى التصاقها بهن، في قوله تعالى: «وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ»، وما «مَا ظَهَرَ مِنْهَا»؟!

إننا إذا تدبرنا قوله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ» وجدناه يقع بين نهيين: الأول: «وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا»، ثم قوله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ»، ثم جاء النهي الثاني: «وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ…».

نفهم من ذلك أن قوله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ»، جاء تخصيصا للعام الذي سبقه: «إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا»، فإذا كان الخمار هو الثوب الذي تغطي به المرأة شعرها، فلا يمكن أن يكون ضربه على جيبها معناه أن تغطي به وجهها، لأنه في هذه الحالة لن يكون لاستثناء «مَا ظَهَرَ مِنْهَا» معنى!!

لقد جاء هذا التخصيص، «إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا»، لبيان استثناء الوجه من التغطية، كي يقوم بوظيفته، وبذلك يصبح الخمار ساترا للشعر والأذن والعنق وأعلى الصدر «الجيب»، ويكون هذا هو الجزء الأول من لباس المرأة، الذي كان العرب يسمونه «الخمار».

إن الله تعالى عندما استثنى من الزينة الخِلْقِية «مَا ظَهَرَ مِنْهَا»، فإن ذلك لحكمة، وهذه الحكمة يعلمها الناس جميعا، فقد خلق الله الوجه، «وفيه الفم، والأنف، والعينان» ليقوم كلٌ بوظيفته، وكذلك الكفين والقدمين، وفي ستر هذه الأعضاء تعطيل لوظيفتها، أما ما عدا ذلك فلن تتعطل وظيفته بستره!!

وعن النهي الثاني: «وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ..»، فإن ذكر الزوج في هذا السياق له حكمة، فمعلوم أن الزوج يحل له أصلا رؤية ما شاء من جسد زوجه، فلماذا ورد ذكره في المستثنين؟!

لقد ورد ذكر الزوج في هذا السياق لبيان أن المقصود بـ «زِينَتَهُنَّ»، في النهيين الأول والثاني الزينة الخِلْقِية، التي خُلقت المرأة بها، وهي معظم جسدها، الذي يُباح للزوج رؤيته، وأوجبت الفطرة السليمة إخفاءه عن الذين استثنتهم الآية، وتتوقف الزينة التي تبديها لهم على درجة قرابتهم من المرأة، فما تبديه للزوج، غير ما تبديه للأب، غير ما تبديه للأبناء والأخوة!!

ولا يصح القول بأن المراد بالزينة ما يُزيّن به الشيء وليس من أصل خلقته، ذلك أن كل شيء تتزين به المرأة وليس من أصل خلقتها، بداية بتزيين شعرها، وحتى ما تضعه على قدميها، هو مما «أظهرته» ووضعته بإرادتها، والله تعالى لم يقل: «إلا ما أظهرن منها»، وإنما قال: «إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا»، أي ما ظهر منها بمقتضى الأداء الوظيفي للأعضاء، وفي ستره تعطيل لوظيفته!!

رابعا: يقول الله تعالى في سورة الأحزاب:

«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»

وتأتي هذه الآية في إطار وضع الضوابط للباس المرأة المؤمنة، وهي تتحدث عن الجزء الثاني من هذا اللباس، فجاءت تأمر المرأة بإدناء الجلباب، فإذا ذهبنا إلى معاجم اللسان العربي، لنقف على معنى الإدناء، ومعنى الجلباب، نجد ما يأتي:

ـ «الإدناء»: الدنو القرب، ودانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما من الآخر: قاربت بينهما، ومنه أدنت المرأة ثوبها عليها إذا أرخته وأسدلته وتسترت به.

ـ «الجلباب»: ما يتغطى به من ثوب فوق اللباس الأصلي، بغرض ستر ملامح الجسد، وأصل مادة جلبب يفيد التجمع والإحاطة، وتجلببت المرأة: لبست الجلباب.

إذن «الجلباب» ثوب تلبسه المرأة فوق لباسها الأصلي، الساتر لزينتها الخفية، تستر به ملامح جسدها، والخمار ثوب تلبسه المرأة تستر به رأسها وعنقها وجيبها، باستثناء وجهها.

خامسا: يقول الله تعالى في سورة النور:

«وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ»

ولقد جاءت هذه الآية أيضا في إطار نهي المرأة عن إبداء زينتها الخفية، وهي تؤكد ما ذهبنا إليه من أن المقصود من هذه الزينة «الزينة الخِلْقِية، التي هي في الأصل مستورة «مخفية»، فأمر الله النساء ألا يضربن بأرجلهن الأرض، «كالرقص مثلا»، فيترتب عن ذلك إظهار مواضع زينتها، لذلك جعل علة النهي: «لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ».

سادسا: يقول الله تعالى في سورة النور:

«وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»

فإذا ذهبنا إلى معاجم اللسان العربي، لنقف على معنى «تبرج» المرأة، نجد أنه إظهار زينة المرأة ومحاسنها، وأصله من الثوب المبرج، وهو الذي صورت عليه بروج، واعتبر حسنه، فقيل تبرجت المرأة، أي تشبهت به في إظهار محاسنها.

إذن فقد جاءت هذه الآية أيضا في إطار إغلاق باب إثارة الشهوات، حتى أنه شمل المرأة التي أقعدتها الشيخوخة، فلم تعد لها رغبة في النكاح، ولم يعد للرجال رغبة فيها، أي لم تعد محل إثارة للشهوات، فرخص الله لها أن تضع عنها «الخمار»، كاشفة شعرها، وكذلك «الجلباب»، بشرط أن يكون الثياب الذي تحته لا يُظهر شيئا من زينتها الخفية: «غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ».

ومع أن الحديث عن نساء أقعدتهن الشيخوخة، إلا أن هناك احتمالا أن تجد هذه المرأة من يشتهيها، إن هي وضعت الخمار والجلباب، لذلك عقب الله تعالى على ذلك بقوله: «وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ»، أي أن الخير لها أن تتعفف عن الأخذ بهذه الرخصة، وتلتزم بضرب الخمار على الجيب، وإدناء الجلباب!!

فإذا كان هذا هو حال القواعد من النساء اللاتي أقعدتهن الشيخوخة، من حيث الالتزام بأحكام الشريعة، فكيف بحال غيرهن؟!

سابعا: قوله تعالى في سورة النور:

«قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ..» ـ- «وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ..»

فما الذي بقي من زينة المرأة، حتى يأمر الله الرجال أن يغضوا أبصارهم عنه، بعد أن ضربت المرأة الخمار على جيبها، وسترت بالجلباب زينتها الخفية، ولم تقم بحركات تُظهر ملامح جسدها، إلا إذا كان هذا الغض، في المقام الأول، عن «مَا ظَهَرَ مِنْهَا»: الوجه والكفين والقدمين؟!

لقد أمر الله تعالى الرجال والنساء بستر العورات، والالتزام بضوابط اللباس التي تحافظ على كرامة الإنسان وتقواه، فقال تعالى في سورة الأعراف، مخاطبا الناس جميعا:

«يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ»

إن ستر العورات فريضة شرعية، حملها قوله تعالى «أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً..»، وليست عادة أو عرفا، ولقد وصف الله هذا اللباس بأنه: «يُوَارِي سَوْآتِكُمْ»، ثم قال بعدها «وَرِيشاً»، لبيان الصورة العامة التي يجب أن يكون عليها هذا اللباس، والضوابط التي يجب أن تحكمه، وذلك على النحو التالي:

فهناك لباس لستر العورات: «يُوَارِي سَوْآتِكُمْ»، وهو ما نسميه بالملابس الداخلية، وآخر لحماية الجسم من المؤثرات الخارجية، ويسميه العرب القميص، وقال عنه الله تعالى: «وَرِيشاً»، لأنه يغطي معظم جسد الطير باستثناء وجهه ورجليه، ثم فوق القميص يأتي «الجلباب» ليستر ما قد يظهره القميص من ملامح ومفاتن المرأة.

لقد جاء الإسلام يضبط الشهوات المباحة، ويحفظ القلوب من الشهوات المحرمة، ويوجه الشهوات الفطرية إلى مصارفها الآمنة، ويأمر الرجال والنساء بغض البصر، ويأمر المرأة بستر زينتها الخفية، إلا ما ظهر منها، للقيام بدورها في الحياة دون مشقة أو حرج، وليس لحجبها عن هذا الدور بالقرار في البيت، أو بعزلها عن من حولها بتعطيل وظائف أعضائها بالنقاب، أو تركها تثير شهوات الرجال بإظهار مفاتنها!!

إن المرأة لها مطلق الحرية أن تختار اللباس الذي يعينها على أداء عملها، في إطار الأوامر والنواهي التي وردت في الآيات السابق ذكرها، ولن تتعطل إنتاجيتها، ولا مشاركتها الفعالة في جميع مجالات العمل المختلفة، عندما تستر ما حرم الله كشفه!!

محمد السعيد مشتهري


(415) 31/1/2016 (السنة والتشريع بين أزمة التخاصم والتكفير)

 عدد المشاهدات : 231

إن لهذا العنوان قصة، من الضروري أن أعرض جانبا منها، في ظل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد في مواجهة الإرهاب والتطرف الديني، فإذا بالإرهاب والتطرف الديني يدخل إلينا من باب آخر لا يحمل معه سلاحا، ولكنه أشد خطرا على مستقبل البلاد من الإرهاب المسلح، لأنه يحارب حرية الفكر!!

لقد نشأت في بيئة دينية سلفية، وسط مئات الكتب وعشرات العلماء، وعملت في مجال الدعوة الإسلامية بين طلاب الكليات المختلفة، أحمل إليهم تدين أئمة السلف، وفي أوائل الثمانينيات ظهرت أمامي إشكاليات التراث الديني، ليس فقط على مستوى أهل السنة والجماعة، وإنما على مستوى الفرق الإسلامية الأخرى، ومن هذه الإشكاليات:

أولا: لم أجد عالما من علماء الفرق الإسلامية يفتي في مسألة، إلا وجاءت فتواه وفق مذهبه الذي تخصص فيه، وإذا كان من المتخصصين في الفقه المقارن، فإن اجتهاده يظل مقيدا ومرتبطا باجتهاد أئمة الفقه السابقين، لا يحل له الخروج عليهم، فأمامه سلاح مصوب نحوه يقول: من سبقك في هذا الرأي؟!

ثانيا: إذا كان الأمر سيؤول في النهاية إلى فقه واجتهادات السابقين، إذن فما أهمية «الأحاديث» التي حملت السنة النبوية المبينة والمكملة لأحكام القرآن؟! أليس من المفترض ألا يحتاج البيان النبوي إلى من يبينه؟!

هل المفسرون والمحدثون والفقهاء أولى من رسول الله لتكون لهم مؤلفاتهم في بيان سنته، وصاحب السنة نفسه ليس له مؤلف محفوظ بحفظ الله له، يستقي منه المسلمون سنته، من خلال خطابه المباشر لهم؟!

ثالثا: إن الدراس لعلم الحديث يعلم أن المحدثين دوّنوا «الأحاديث»، بعد قرن ونصف القرن من وفاة النبي، نقلا عن رواة لم يشاهدوا أصلا النبي، فإذا أراد الباحث أن يتحقق من صحة «الأحاديث» التي نسبها المحدثون للنبي، فلن يجد مدونات للصحابة يرجع إليها، ولو كانت هذه المدونات موجودة، لما قام علم الحديث أصلا، ولا علم الجرح والتعديل، ولا ظهر المحدثون، ولا كان هناك ما يُعرف بـ «السند الروائي»، لأن المسلمين وقتها سيرثون كتابا واحدا للأحاديث لا سند له إلا النبي!!

رابعا: لم أجد دليلا واحدا في كتاب الله، ينص على أن الله تعالى أنزل على النبي «نصا تشريعيا» غير القرآن، وأن هناك «شريعة إسلامية» غير التي جاءت أحكامها في كتاب الله، وكل من يقول إن «الشريعة الإسلامية» ومبادئها يمكن أن تُستقى من غير كتاب الله، قد افترى على الله الكذب، فلم يعرف رسول الله وصحبه الذين رضي الله عنهم نصا تشريعيا غير القرآن، وهو الكتاب الذي تعهد الله تعالى بحفظه دون غيره من كتب البشر، بل ونهى الله عن اتباع غيره، فتدبر:

«كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ـ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ»

وتدبر قوله تعالى محذرا من اتباع شريعة غير الشريعة القرآنية:

«ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ»

والسؤال: إذا لم تكن الشريعة التي أمر الله رسوله اتباعها، وحذره من اتباع غيرها، هي الشريعة القرآنية التي شهد رسول الله تدوينها بنفسه، فهل يُعقل أن تكون هي شريعة أهل السنة، أو الشيعة، أو الأشعرية، أو الحنابلة، أو الوهابية، هذه الفرق العقدية التي لم تظهر إلا بعد قرنين من وفاة رسول الله على أقل تقدير؟!

هذه بعض الإشكاليات التي وقفت عليها خلال رحلتي من الإيمان الوراثي إلى الإيمان العلمي، الأمر الذي جعلني أشعر بخطر عظيم يهدد مستقبل المسلمين، فكيف يأمرهم الله أن يكونوا شهداء على الناس، فلا يستجيبون لأمر الله، ويأمرهم أن يخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، فإذا بهم يخرجون أنفسهم من النور إلى الظلمات؟!

وبناء على هذه الإشكاليات، قررت عقد مؤتمر يحضره علماء من كل فرقة من الفرق الإسلامية، لبحث سبل علاج هذه الإشكاليات، وكان ذلك في أواخر عام ٢٠٠٤م، واقترحت أن يكون عنوان المؤتمر «السنة والتشريع بين أزمة التخاصم والتكفير»، وقمت بإعداد دراسة من ثلاثة أجزاء، شرحت فيها المحاور الرئيسة لهذ الموضوع، وأرسلتها إلى بعض علماء السنة والشيعة والمعتزلة للإطلاع عليها، وإعداد الأوراق البحثية التي ستقدم للمؤتمر.

ولكني علمت أن أحد أعضاء المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، قام بتقديم هذه الدراسة إلى مركز السنة التابع للمجلس، والذي كان يرأسه الدكتور موسى شاهين لاشين، الذي قام بدوره بتشكيل لجنة لإبداء الرأي في هذه الدراسة، وطلب مقابلتي لمناقشتي في محاورها الرئيسة، وبعد ساعات من الحوار معه، أعطاني كتابين أحدهما بعنوان «السنة كلها تشريع»، والآخر بعنوان «السنة والتشريع»، وطلب مني الاطلاع عليهما وأبداء الرأي.

وجدت أنه في كتابه »السنة والتشريع«، وجه اتهامات خطيرة إلى كل من الشيخ محمود شلتوت «شيخ الأزهر الأسبق»، والدكتور عبد المنعم النمر «وزير الأوقاف الأسبق»، والسبب أنهما يقولان إن السنة ليست كلها تشريع، والدكتور موسى يقول إن «السنة كلها تشريع»، فقال «ص٤٧»:

«لكن مشكلة العصر تشكيك بعض علماء المسلمين فيها بصفة عامة بهدف أو بآخر، ولا نبالغ إذا قلنا: إن أعداء الإسلام والمستشرقين بل والاستعمار والغزو الثقافي وراء هذه المحاولات، أو بالأحرى وراء بعض هذه المحاولات، ومما لا شك فيه أن كثيرا ممن يرفع عقيرته في السنة بغير علم، قد رضع لبنا غير لبانها وفطم عن ثدي غير ثديها سواء أدرك ذلك أو لم يدرك».

ثم يرد على ما كتبه الدكتور عبد المنعم النمر في كتاب له باسم «السنة والتشريع»، فيقول »ص ٥٥»:

«يقرر الباحث أن له أن يجتهد كما كان الرسول يجتهد، ويبيح لنفسه أن يخالف حكم الرسول وصريح لفظه ونص حديثه، فيقول في كتابه: «مادام الرسول كان يجتهد، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات أفلا يجوز لمن يأتي بعده من أيام الصحابة، وحتى الآن، أن يدلي في الموضوع باجتهاده أيضا، ولو أدى اجتهادُه إلى غير ما قرره رسول الله باجتهاده، ولا يصبح ما قرره الرسول باجتهاده حكما ثابتا للأبد».

ويقول في »ص٥٨« عن الشيخ محمود شلتوت: «هذه القضية، السنة كلها تشريع، لم يخالف فيها أحد من علماء المسلمين في أربعة عشر قرنا مضت، ولم نسمع ولم نعلم أن واحدا من علماء المسلمين قسم السنة، أي الحديث، إلى تشريع وإلى غير تشريع، حتى كان النصف الثاني من القرن الخامس عشر الهجري، فكان أول من قسم السنة إلى تشريع وإلى غير تشريع فضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت في كتابه «الإسلام عقيدة وشريعة»، فيقول:

«إن كل ما ورد عن النبي، ودُوّن في كتب الحديث من أقواله وأفعاله وتقريراته، وكان على سبيل الحاجة البشرية، كالأكل، التزاور، والشفاعة، والمساومة في البيع والشراء، أو كان على سبيل التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كشئون الزراعة، الطب، اللباس، أو على سبيل التدبير الإنساني، كتوزيع الجيوش، وكل ما يعتمد على وحي الظروف الخاصة، فكل ذلك ليس شرعا يتعلق به طلب الفعل أو الترك وإنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها تشريعا ولا مصدر تشريع».

ويقول «ص٧٢»: «وهكذا يتبين أن الشبهات التي تعلق بها المخالفون شبهات واهية، نشأ أكثرها من التباس الأمر عندهم، بين التشريع الملزم المطلوب، والتشريع غير الملزم وغير المطلوب، لكنهم كلهم على اختلاف مناهجهم ينفون التشريع عن بعض أفعاله، بل ينفون الرسالة عنه في بعض أقواله، كلهم يقول ذلك، والفرق بينهم في الأفعال التي تطبق عليها هذه الصفة».

انظر وتدبر اتهامه للمخالفين له بقوله: «بل ينفون الرسالة عنه في بعض أقواله»!!

ويقول في «ص١٠٢»: «قد أكون أطلت بعض الشيء، وعذري أن البحث خطير، بل وأخطر ما كتب عن السنة حتى اليوم، وأخطر من كتابة المستشرقين والمبشرين، لأنه ممن ينتسب إلى العلماء المسلمين».

انظر وتدبر قوله: «وأخطر من كتابة المستشرقين والمبشرين»، ولكن المصيبة الأعظم، توظفيه للآيات القرآنية، لإسقاطها على المخالفين لمذهبه، واتهامهم بالضلال ومعصية الرسول ومخالفة أمره، ومن هذه الآيات قوله تعالى في سورة الأحزاب «الآية ٣٦»:

«وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا»

وقوله تعالى في سورة النور «الآية ٦٣»:

«… فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»

ويعلق الدكتور موسى على هذه الآيات بقوله: «وما كان لمسلم يبلغه حديث رسول الله فيرده زاعما أن المصلحة في خلافه.. »، لقد ساوى بين حكم الرسول الذي سمعه الصحابة منه مباشرة، وبين ما سمعه المحدثون من الرواة منسوبا إلى رسول الله!! ثم أخرج »الآية ٦٣» من سياقها الذي يخاطب المعاصرين لرسول الله، والذي يستحيل أن يخاطب غيرهم، لأن الآية تبدأ بقوله تعالى:

«لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»

فالتحذير الوارد في قوله تعالى: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ»، يعود إلى: «الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا»، أي إلى المنافقين الذين كانوا يخرجون من مجلس النبي، متسللّين خفية، يلوذ بعضهم ببعض، أي يستر بعضهم بعضا، فكيف يتحقق ذلك بعد وفاة النبي؟!

ومما يؤكد أن الخطاب كان للمعاصرين للرسول، قوله تعالى في الآية التي قبلها «الآية ٦٢»: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»

فمن هم الذين قال عنهم الله تعالى: «وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ»؟!

إنهم الصحابة الذين اجتمعوا مع رسول الله في أمر هام، يستوجب عدم الانصراف إلا بعد استئذانه!!

ولكن العقلية السلفية، التي حكمت تدين المسلمين منذ القرن الثالث الهجري، قامت بتوظيف الآيات لخدمة مذاهبها العقدية والتشريعية، فساوت بين أوامر الرسول الصادرة منه شخصيا، وأوامر المحدثين حسب مذاهبهم العقدية، فجعلت مخالفة المحدثين مخالفة للرسول، وأصبح من يخالف البخاري في صحيحه، أو الكُليني في الكافي، مخالفا للرسول، عاصيا لأمره، يُحكم عليه بالردة، لأنه خالف معلوما من الدين بالضرورة، وازدرى الدين الإسلامي!!

ولكن الأعظم من ذلك، أن ينفي الدكتور موسى صفة الإيمان عن الذين خالفوا مذهبه في أن السنة كلها تشريع، واعتبرهم من الذين قال الله فيهم:

«فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا».

فهل يعقل أن يحل «المحدثون»، وعلماء «الجرح والتعديل» محل الرسول في ضمير الخطاب «يُحَكِّمُوكَ»، و«قَضَيْتَ»، ليشمل التحكيم حكمهم بصحة أو عدم صحة مرويات الرواة، حسب مذاهبهم العقدية والتشريعية؟!

وبعد اطلاعي على الكتابين وتدوين ملاحظاتي، ومنها ما ذكرته سابقا، التقيت بالدكتور موسى، وكان يدير الحوار بيننا أحد تلاميذه، والحوار مسجل ومنشور على موقعي «قسم الصوتيات، بعنوان «المذهبية المعاصرة بين أزمة التخاصم والتكفير».

لقد بينت للدكتور موسى أن ما ذكره المخالفون لمذهبه لا يعني أنهم عصوا الرسول وخالفوا أمره، وكفروا بشريعته، فلو بعث الله رسوله ليعيش معنا اليوم، لأنكر معظم مرويات المحدثين!!

لقد نفى الدكتور موسى تكفيره لأحد من المخالفين لمذهبه، فقال: أنا مكفرتهوش، فقلت له: ولكنك قلت إنه خالف الرسول، وكان يجب أن تقول: إنه خالف ما نُسب إلى الرسول، ولا تسقط على من خالفوك الآيات التي تتحدث عن المنافقين الكافرين!! «راجع الجزء الرابع من الحوار»

ثم يأتي الدكتور موسى ويقول إن عدم الإيمان بأقوال الرسول يعتبر عدم إيمان بالرسول نفسه، والقول بعدم قبول أقوال الرسول إلا في ما وافق القرآن «كفرٌ» وإلغاء للعقل، وهذا هو نص ما قاله عني، وعن الدراسة التي قُدّمت إلى مركز السنة:

«كتاباته كلها تعطي أنه لا يقبل قوله (يقصد قول الرسول) في غير القرآن، «وهذا كفر»، ثم كررها: »كفرٌ«!! «راجع الجزء الخامس من الحوار»

إذن فهناك من علماء الأزهر من يُكفّرون المخالفين لمذهبهم، ولن ينفع مؤسسة الأزهر القول إنها حالة فردية، لأن مكانة الدكتور موسى العلمية والوظيفية تجعل فتواه يُعمل بها على الفور، لذلك لم يكن غريبا أن يُصدر مركز السنة تقريره النهائي عن الدراسة التي أعدتها من ثلاثة أجزاء، وسميتها «نحو تأصيل الخطاب الديني»، يقول فيه: «إن الكتاب فكره منحرف، ولا يقتدى به، ولا يؤخذ به، وغير مستقيم»!!

وبناء على هذا التقرير تمت مصادرة الدراسة، ولم يُعقد المؤتمر، وقد نشرت جريدة الحياة قرار المصادرة في عددها ١٥٢٣٤ ديسمبر ٢٠٠٤م، ثم ذهب القرار إلى مجمع البحوث الإسلامية لإبداء الرأي، وظل عدة شهور يُدرس، ثم في الساعة الثانية من صباح الأحد الموافق ٢٩-ـ ٥ ـ- ٢٠٠٥م، تم اقتحام بيتي، وتفتيش كل كبيرة وصغيرة فيه، بحثا عن القلم الذي أكتب به، ثم اصطحابي إلى حجز قسم ثان مدينة نصر، وحُبست فيه شهرا من باب التأديب، أو كما قالوا عند الإفراج عني: هذه فقط «أرصة ودن»!!

عندما تعلن مؤسسة الأزهر، ويعلن علماؤها، أنهم لا يكفرون مسلما، ولا يُخرجونه من دائرة الإيمان، فإنهم يقولون ذلك للإعلام فقط، أما واقع حالهم يشهد أنهم يُكفرون المخالف لهم في المذهب العقدي، بل والتشريعي، فقد أخرج المذهب الأشعري الحنابلة والوهابية من دائرة أهل السنة والجماعة، وإذا كان المذهب الأشعري يرى أن أتباعه هم الفرقة الناجية، فأين إذن يذهب الحنابلة والوهابية؟!

وقد سبق بيان ذلك في مقال بعنوان: «عندما تصبح ثوابت الدين الإلهي ثوابت مذهبية»، وآخر بعنوان: «عندما يصبح الكافر مؤمنا، حسب هوى المذهب».

لذلك أقول: عندما تصادر المؤسسة الدينية الرسمية كتابا دينيا لمخالفته ثوابت الدين، حسب مذهبها العقدي، أو تصادر فكرا حرا بدعوى إنكاره معلوما من الدين بالضرورة، حسب مذهبها التشريعي، ثم يُعاقب صاحب الكتاب، أو صاحب الفكر بأي عقوبة، سواء كانت «أرصة ودن»، أو سجنا لعدة سنوات، أو إعداما، فإنها لا تفعل ذلك دفاعا عن دين الله تعالى، ولا عن سنة النبي، ولا عن ثوابت الدين، وإنما عن مذهبها العقدي والتشريعي، والتاريخ الدموي للصراع بين المذاهب الفقهية والعقدية خير شاهد على ذلك!!

أما بالنسبة لدفاع المؤسسات الدينية عن «دين الله»، فقد حذر «دين الله» من التفرق في الدين، وهذه المؤسسات الرسمية وغير الرسمية تابعة للفرق والمذاهب العقدية المختلفة:

«الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»!!

وبالنسبة لدفاعهم عن «سنة النبي» فليتفقوا أولا على مفهوم السنة ومصادرها، وهل من حق النبي أن يستقل بالتشريع خارج حدود كتاب الله، فإذا قال الله «اجلدوا»، يقول النبي «ارجموا»؟!

وإذا كانت عقوبة «الرجم» من «السنة النبوية» واجبة الاتباع، فلماذا لم يصدر الأزهر بيانا يكفر فيه الشيخ محمد أبو زهرة، لإنكاره معلوما من الدين بالضرورة، وازدرائه للدين الإسلامي، لأنه أنكر أن يكون الرجم من الشريعة الإلهية، وذلك في مؤتمر دولي، وأمام علماء من الفرق الإسلامية المختلفة!!

أما دفاعهم عن «ثوابت الدين»، فهل تفرق المسلمين إلى فرق ومذاهب عقدية وتشريعية، يُكفر بعضها بعضا، من ثوابت الدين؟! هل مرويات »السنة النبوية«، التي آتاها الباطل من بين يديها ومن خلفها من ثوابت الدين؟!

هل المذهب «الأشعري»، الذي هو مذهب المؤسسة الدينية الرسمية المسؤولة عن مصادرة حرية الفكر، من ثوابت الدين، وقد ولد مؤسسه عام «٢٦٠هـ»، أي بعد وفاة البخاري بأربع سنوات »ت ٢٥٦هـ«؟!

إذن فلتتوقف دعاوي الحسبة، وليتوقف العمل بقانون ازدراء الأديان، حتى تصدر المؤسسة الدينية الرسمية بيانا توضح فيه مفهومها للشريعة الإسلامية، التي تنص المادة الثانية من الدستور على أن مبادئها هي المصدر الرئيسي للتشريع، وما هي المرجعية الإلهية التي تستقى منها هذه المبادئ؟! وهل في هذه المرجعية الإلهية نص يعاقب على ازدراء الدين الإسلامي بأي عقوبة؟!

إن كتاب الله تعالى لا يحمل أي عقوبة على ازدراء الدين الإسلامي، بل ولا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، فقال تعالى:«وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ (آيَاتِ اللَّهِ) – (يُكْفَرُ بِهَا) – (وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا»!!

فهل أمرنا الله تعالى بمعاقبة الذين يستهزؤون بآيات الله بأي عقوبة، أم أمرنا أن ننسحب فورا من المجلس، فإن أقلعوا عن الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، أي إن زال السبب الموجب لعدم الجلوس، فلا مانع من أن نستمر في الجلوس معهم؟!

ومن منطلق هذه الآية القرآنية، قطعية الدلالة، ألا يعتبر قانون ازدراء الأديان، مخالفا للشريعة الإسلامية، التي تنص المادة الثانية من الدستور على أن مبادئها هي المصدر الرئيسي للتشريع؟!

محمد السعيد مشتهري

معلومات:

* موسى شاهين لاشين، «ت ٢٠٠٩م»: دكتوراة في الحديث، عمل مدرسا بقسم الحديث بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، ثم رئيسا لقسم الحديث، ثم عميدا لكلية أصول الدين، ونائبا لرئيس جامعة الأزهر، ورئيسا لمركز السنة بوزارة الأوقاف.

* الكُليني صاحب كتاب الكافي، «ت ٣٢٩هـ»: محمد بن يعقوب الكليني، صاحب أصح كتاب للحديث عند الشيعة، صنف كتابه في عشرين سنة، وله عدة كتب منها كتاب الرجال، وكتاب الرد على القرامطة، وكتاب رسائل الأئمّة.



(416) 3/2/2016 (يسألون عن الحل؟)

 عدد المشاهدات : 203

أولا: علينا أن ندرك أن المسلمين، بجميع توجهاتهم الفكرية المختلفة، في أزمة حقيقية مع الله تعالى، لتخليهم عن مسئوليتهم في الشهادة على الناس، فهم يحملون كتابا إلهيا، جعله الله «آية قرآنية»، قائمة بين الناس إلى يوم الدين، حتى لا يأتي أحد يوم القيامة ويقول: «مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ»، وأمرهم فيه بإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فلم يفعلوا!

ثانيا: إن مشكلة التوجهات الدينية المختلفة، «السلفية وغيرها»، أنها ظنت أن تأليف الكتب، وإلقاء الخطب المنبرية بالفهم الواعي لآيات الذكر الحكيم، وكتابة المقالات في الحداثة والمعاصرة، وإنشاء الصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي في نقد السلفية، وبيان وجوب الاكتفاء بالقرآن..، ظنوا أن ذلك هو نهاية الطريق، والحقيقة عكس ذلك تماما.

ثالثا: بعد أن ندرك مشكلة المسلمين الحقيقية، علينا أن نبحث لها عن حل، والحل في يد من يملكون الملايين من الأموال، لأننا في حاجة إلى ترجمة المشاريع الفكرية إلى «أعمال صالحة»، لا تقل في جودتها عن المشاريع العالمية، في مجالات التقنيات الحديثة، التي لا يستغنى عنها الناس.

رابعا: لن يستطيع المسلمون تغيير ما بأنفسهم وهم فرادى: «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، والذئب هو إبليس، فالله تعالى عندما تحدث عن سنن التغيير خاطب القوم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ».

خامسا: لذلك لا مفر من إقامة مجتمعات إيمانية تعين المسلمين على التغيير، تضم خبارات علمية في مجالات التقنيات الحديثة، يعيش أفرادها القرآن سلوكا علميا وعمليا، بحيث تكون نواةً لمشاريع أكبر وأكبر، يقوم على إدارتها من يعلمون معنى «الإيمان والعمل الصالح».

محمد السعيد مشتهري



(417) 8/2/2016 (عندما تزدري السلفية كتاب الله)

 عدد المشاهدات : 231

لقد تعهد الله بحفظ كتابه من التحريف والتبديل والتغيير، وجعله «آية قرآنية» قائمة بين الناس إلى يوم الدين، تشهد أن الله حق، والرسول حق، والكتاب حق، ولكن المسلمين بعد وفاة نبيهم، وكعادة أتباع الرسل، تفرقوا في الدين إلى فرق ومذاهب عقدية وتشريعية، لكل فرقة مصدرها التشريعي القولي الثاني، الحامل لنصوص «السنة النبوية» التي صحت عندها، والتي جعلتها بعض المذاهب مبيّنة لأحكام القرآن، وجعلها البعض الآخر قاضية عليها!!

جاء في كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، باب تبيين الكتاب بالسنة: «روى سعيد بن منصور، حدثنا عيسى ابن يونس عن الأوزاعي عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، وبه عن الأوزاعي قال، قال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة»!!

فإذا علمنا أن يحيى بن أبي كثير توفي عام «١٣٢هـ»، والأوزاعي، توفي عام «١٥١هـ»، فهذ معناه أنه حتى منتصف القرن الثاني الهجري كانت هناك إشكاليات حول حجية مرويات «السنة النبوية» وعلاقتها بأحكام القرآن!!

فإذا أردنا معرفة مصدر هذه الإشكاليات، وجدنا مصدرها أهل السُّنة، ورواية عند ابن ماجة تقول: «يوشك الرجل متكئا على أريكته، يحدث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله»!!

أما معظم الفرق الأخرى، كالمعتزلة، والخوارج، والشيعة، فقد ذهبوا إلى أن «الكتاب قاض على السنة»، وأن السنة يجب أن تعرض على الكتاب، استنادا إلى رواية صحت عندهم وهي: «ما أتاكم عني فأعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله»!!

وكان من الطبيعي أن تُضعّف كل طائفة مرويات الطائفة الأخرى، وتقول إن مروياتها من وضع الزنادقة، وعندما سُئل أحمد بن حنبل «ت٢٤١هـ» عن رواية «السنة قاضية على الكتاب»، قال «ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكني أقول إن السنة تفسر الكتاب وتبينه»!!

فهل التزم أحمد بن حنبل، وهو شيخ وإمام السلفية، بقوله: «إن السنة تفسر الكتاب وتبينه«، ولا تكون قاضية على أحكامه؟! أم أنه خشي التصريح بذلك لظروف محنته مع المعتزلة؟!

إن عقوبة «رجم» الزانية والزاني المحصنين، حُكم مستقل تمامًا عن أحكام القرآن، وليس بيانا ولا تفصيلا لعقوبة الجلد الواردة في كتاب الله: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»، فكيف يقول أحمد بن حنبل: «ولكني أقول إن السنة تفسر الكتاب وتبينه»، وهو في حقيقة الأمر يؤمن أن »السنة قاضية على الكتاب« بإيمانه بعقوبة الرجم؟!

إنه على الرغم من وضع أئمة السلف كتاب الله في مكانته التشريعية التي أمر الله بها، فإنهم في الوقت نفسه يدّعون أن الله أعطى رسوله مصدرا تشريعيا مستقلا عن القرآن هو «السُّنة النبوية»: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، وهذا المصدر لا يقل في أهميته ومكانته التشريعية عن كتاب الله، بل ويعلوها، لأن أحكامه تكون قاضية على أحكام كتاب الله!!

والسؤال: كيف تكون مرويات الفرق والمذاهب المختلفة، ومدارس الجرح والتعديل المتخاصمة، ومعايير التصحيح والتضعيف المذهبية، ومذاهب الفقه المتصارعة، حَكمًا على اختيار «الرواية» الصحيحة القاضية على حكم آية قرآنية، من وجهة نظر المذهب العقدي أو التشريعي؟!

كيف تكون مرويات الفرق والمذاهب المختلفة، ظنية الثبوت عن الرواة أنفسهم، قبل أن تكون ظنية الثبوت عن النبي، هي المكوِّن الرئيسي لمفهوم «السُّنة النبوية» القاضية على أحكام الكتاب، فهل تتساوى حجية الظني عن البشر بحجية القطعي عن الله؟!

كيف تكون مرويات الفرق والمذاهب المختلفة، المكوّن الرئيسي للمصدر الثاني للتشريع، والبنية الأساسية للأصول التي قامت عليها المذاهب الفقهية، وقد تداولها الرواة شفاهة قرنًا من الزمن قبل تدوين المحدثين لها، كلٌ حسب مذهبه العقدي أو التشريعي؟!

لقد جاء عصر التدوين، وأمام أئمة الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة كم هائل من المرويات، تحمل إشكاليات عقدية وتشريعية، تهدمها من قواعدها كشريعة إلهية واجبة الاتباع، ومع ذلك أقاموا على أساسها العلوم الدينية المختلفة، من تفسير وحديث وفقه وتاريخ وسيرة، وإن مما يهدم حجية هذه العلوم ما يسمى بعلم «الناسخ والمنسوخ» الذي حمل معه بدعة «السنة قاضية على الكتاب»، وقد سبق أن أشرت إلى بعض إشكاليات هذا العلم في مقال سابق بعنوان: «علم الناسخ والمنسوخ وسيلة السلفيين للتلاعب بالدين».

ثم أرسل إليّ بعض الأصدقاء عدة روابط لمقاطع فيديو منشورة على «اليوتيوب» خاصة بموضوع النسخ، وطلبوا مني الرد عليها، وسأكتفي بعرض ثلاثة منهما، الأول للشيخ محمد حسان، والثاني للشيخ أبي اسحاق الحويني، والثالث للمهندس فاضل سليمان مدير مؤسسة جسور للتعريف بالإسلام!!

أولا: ينقل الشيخ محمد حسان، عند تفسيره لقوله تعالى «الآية ٢١٩»:

«مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»

ما ذكره القرطبي، في سياق حديثه عن القسم الأول من أقسام النسخ، قوله عن معناه، وهو إبطال الشيء وإزالته، وإقامة شيء آخر مقامه، ومثاله في كتاب الله قوله تعالى في سورة البقرة «الآية ٢٣٤»:

«وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»

هذه عدة المتوفى عنها زوجها، هذا الحكم نَسَخَ حكمًا آخر في قول الله تعالى في سورة البقرة «الآية ٢٤٩»:

«وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ»

أي أن حكم الآية الأولى: «يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» نسخ حكم الآية الثانية: «مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ».

أقول: الذي يستمع إلى حديث الشيخ يفهم أن مسألة النسخ مسألة قطعية الثبوت والدلالة، لا خلاف عليها، في الوقت الذي يقول فيه القرطبي (الذي نقل الشيخ عنه) عند تفسيره للآية الأولى «٢٣٤»: المسألة الثانية: «وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل: «وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ …»، وقال قوم: ليس في هذا نسخ وإنما هو نقصان من الحول..، وهذا غلط بَيّن»!!

إذن فالمسألة خلافية، والقوم الذين قال القرطبي عن مذهبهم إنه «غلط بَيّن«، هم الذين خالفوا مذهبه، وقد ذكر أبو جعفر النحاس «ت ٣٣٨هـ» في كتابه «الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم»، الخلاف حول هذه المسألة، بما يُسقط حجية هذا العلم من قواعده!!

فإذا تدبرنا سياق الآيتين، علمنا أنه لا نسخ فيهما مطلقا، فالآية الأولى «٢٣٤»، تتحدث عن «العدة»، وهي أربعة أشهر وعشرة أيّام، بعدها يحلّ للمتوفى عنها زوجها الخروج من بيتها!! أما الآية الثانية فتتحدث عن «الوصية»، أي عن حق المرأة في الاستفادة من وصية زوجها، من نفقة وسكنى، سنة كاملة، إن أرادت ذلك!!

وعند حديثه عن القسم الأول من أقسام النسخ، وهو «نسخ الحكم وبقاء التلاوة»، قال الشيخ محمد حسان:

«خلي بالكم يا أمة القرآن، هذا حكم من أجمل وأجَلّ أحكام القرآن الكريم كله، الحكم لا يُعمل به، وتبقى الآية التي اشتملت على هذا الحكم تتلى إلى قيام الساعة»!!

أقول: انظر كيف تقبل المذهبية السلفية القول بأن الله ينسخ «يمحو» حكما من أحكام الشريعة القرآنية، مع بقاء الآية القرآنية التي حملت الحكم تتلى في المصحف!! وهناك نوع آخر من أنواع النسخ، كما سنُبيّن، تُنسخ فيه الآية القرآنية التي تحمل الحكم، أي »تُمحى» من المصحف، ويبقى حكمها يُعمل به إلى قيام الساعة!!

والأغرب من ذلك أن يتهم القرطبي من لا يقبلون هذا النسخ بالغباء، فيقول في المسألة الثانية: «معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام»!!

فهل لم يقرأ الشيخ محمد حسان هذه الجملة من كلام القرطبي، وهو المرجع الذي نقل عنه موضوع النسخ؟!

أهذه هي »السنة النبوية» التي يكفر منكرها؟! وإذا لم يكن هذا ازدراءً لكتاب الله فماذا يكون؟!

ثم ينقل الشيخ عن القرطبي قوله: «وحذاق الأئمة من أهل السنة متفقون على أن القرآن يُنسخ بالسنة»، ويقول:

«أنا عارف إن الحكم ده شديد شوية، وقد أنكره إمامنا الإمام الشافعي، وقال لا يُنسخ القرآن إلا قرآن، واستدل بالآية التي نحن بصددها: »مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا»، على أن القرآن لا يُنسخ إلا بالقرآن!!

أقول: إذن فهناك من أئمة السلف، مثل الشافعي، من تدبر القرآن، فوجد أن «الناسخ» يجب أن يكون «آية» وليس «رواية»، لأن الله تعالى يقول: «نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا«، أي الآية، فلماذا أعطى معظم أئمة السلف والخلف ظهورهم لهذا الرأي؟!

الجواب: بسبب أزمة التخاصم المذهبي، التي جعلت الشيخ يعطي ظهره لقول الشافعي، ويقول نقلا عن القرطبي:

«وحذاق الأئمة من أهل السنة متفقون على أن القرآن يُنسخ بالسنة»،

واستدل على ذلك برواية: «لا وصية لوارث»، وقال: «هذا الحكم النبوي ينسخ حكما قرآنيا آخر، في قول الله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ»، فلا وصية لوارث، وقد اتفق أئمة أهل السنة على ذلك!!

أقول: إن أئمة أهل السنة لم يتفقوا على ذلك، فقد أورد أبو جعفر النحاس في كتابه «الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم» الخلاف الكبير حول هذه المسألة، ثم قال: «فتنازع العلماء معنى هذه الآية، وهى متلوة، فالواجب أن لا يقال إنها منسوخة، لأن حكمها ليس بناف حكم ما فرضه الله عز وجل من الفرائض، فوجب أن يكون: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ»، كقوله: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ»!!

وأقول: إن حكم الوصية في الآية قائم إلى قيام الساعة، وذلك حسب تقدير الموصي لظروف الوالدين والأقربين، إضافة إلى أنصبتهم بعد ذلك في الميراث!!

ثم يقول الشيخ محمد حسان: «وأيضا حكم الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»، هذا الحكم ساقط عن الثيب بـ «السنة»، بفعل النبي، كما إقامته الحد على ماعز والغامدية، فهذا الحكم ساقط في حق الثيب والثيبة بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم»!!

أقول: انظر ماذا فعلت المذهبية في قلوب أصحابها، إلى درجة التقول على الله بغير علم، وذلك بمرويات ظنية الثبوت عن أصحابها، فيقول: «هذا الحكم ساقط عن الثيب بـ »السنة«، فإذا أردت معرفة حدود هذه «السنة»، وجدت نفسك في بحر متلاطم الأمواج!!

ولن أتحدث عن تهافت وسقوط رواية «الرجم» بأحكامها، بنزول قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»، لأني سبق أن بينت ذلك في مقال بعنوان: «عندما يكون الرجم شريعة يهودية، لبست ثوب السنة النبوية».

أما أن تكون هناك آية قرآنية نزلت بحكم الرجم، ثم ينسخها الله تعالى من كتابه، »يمحوها«، ويبقى حكمها قائمًا إلى قيام الساعة، ثم يأتي محدث العصر، الشيخ أبو اسحاق الحويني، ويؤكد صحة هذه الرواية، فهذا سقوط بعد التهافت!!

فيضرب الشيخ أبو إسحاق مثالا عما نُسخ لفظه وبقي حكمه، فيقول: «والبخاري فيه برده، وهذا صح من طرق، أن عمر بن الخطاب كان يقول كنا نقرأ «إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة نكالا من الله، والله عزيز حكيم»!!

ويقول: «فهذه كانت آية تُقرأ في كتاب الله، وهذا مثل يضربه الأصوليون على نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، فالرجم ثابت بـ «السنة»، وكان قرآنا يُتلى، وأنا قرأت لكم نص الآية: »إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة نكالا من الله والله عزيز حكيم«، هذا اللفظ رُفع كله، وبقي حكمه، وأي واحد يستطيع أن يذهب إلى كتب الأصول في باب النسخ علشان يعرف أن نوع من أنواع النسخ أن يُرفع لفظ الآية ويبقى الحكم الشرعي»!!أقول: تدبر قول الشيخ «وكان قرآنا يُتلى، وأنا قرأت لكم نص الآية: »إذا زنى الشيخ والشيخة…»، فأي عقل يقبل أن يعلق الله تعالى حكمًا قرآنيًا في الهواء دون نص قرآني يقوم عليه؟!ولكن هذه هي المذهبية السلفية، فإذا ذهبنا إلى المهندس فاضل سليمان، في سياق رده على شبهات الإسلام، نجده يهدم القول بوجود آية قرآنية تحمل حكم الرجم، اسمها «الشيخ والشيخة»، ودليله على ذلك شيوخ الوهابية، فيقول:

«أما مسألة رفع الحكم مع بقاء اللفظ فهذا يُسمى الإنساء، يقول الله تعالى: «مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»

قدير على إيه؟!

قدير أن يُنسي الصحابة ما أنزله من قبل: «سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ»، إذا رُفعت آية لفظا لا تبقى في ذاكرة أحد، وده موجود فعلا في حالتين: حالة حكم الرجم، وحالة حكم العشر رضعات بقوا خمس رضعات، لكن الآيات نفسها لا تكون موجودة»!!

ثم يقول: «ولذلك الشيخ رشيد رضا يرى إن مسألة «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، هذا لا يمكن أن يكون قرآنا، وتعالَ نشوف الشيخ ابن عثيمين قال إيه في فتاوى نور على الضرب: والخلاصة أن قوله «والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، وإن كان مشهورا، معروفا في السنن..، إلا أن في نفسي من صحته شيئا!!

أولا: لأنه يخالف الحكم الشرعي الثابت، إذ الحكم معلق بالإحصان لا بالشيخوخة، يعني لو شيخ وشيخة زنيا وهمه مش محصنين، شيخ عازب هل يرجم؟! طيب فرضنا شاب عنده ١٥-١٦ سنة ومحصن متزوج، هل لا يرجم لأنه مش شيخ؟!

ثانيا: أن لفظ حديث عمر الثابت في الصحيحين ذكر أن آية الرجم على من زنى إذا أُحصن، وليس إذا شاخ، إذن الآية المنسوخة، إلي احنا منعرفهاش، تتعلق بحكم الإحصان لا بالشيخوخة، هذا مما يدل على ضعف هذا الحديث المروي، فيجب التثبت فيه!!

ثم يقول المهندس فاضل: «يمكن الشيخ ابن عثيمين غلط، الشيخ الفوزان، إلي يفتح النهاردة الموقع بتاعه «رسالة الإسلام»، أثبت إن كل الأسانيد إلي جه فيها ما يُسمى بآية الرجم، وهي ليست آية، كلها أسانيد ضعيفة..، يبقى احنا يا اخونا عايزين نتقي الله ونفهم ديننا كويس»!!

أقول: فما رأى الشيخ أبو إسحاق في ما قاله الوهابيون؟!

لقد قمنا بجولة سريعة استعرضنا فيها آراء بعض رموز السلفية والوهابية، حول مسألة واحدة تتعلق ببدعة اسمها «السنة قاضية على الكتاب»، ووقفنا على مدى الخلاف بين أئمة السلف حولها، وهو مفصل في كتاب «الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم»، للنحاس، ونختم بمقطع للدكتور علي جمعة، يقول عند حديثه عن النسخ، وعن رواية «لا وصية لوارث»:

«الفقهاء المصريون الذين وضعوا الوصية في سنة ١٩٤٦م لم يروا أن حديث »لا وصية لوارث« صحيح، ولذلك ذهبوا إلى أنه يمكن الوصية للوارث..، فأبقوا الآية على عمومها، وهذا لابد منا أن ننكر رواية الحديث لما فيه من مقال … والنسخ يمكن أن يقع في السنة، والقرآن ينسخ السنة، ولكن السنة لا تقوى على نسخ القرآن، وذلك أن القرآن قد وصل إلينا بطريق متواتر قطعي، وأن السنة وصلت إلينا بطريق الآحاد، والآحاد هو الظن، والمتواتر هو القطع، والظن لا يقوى على أن ينسخ أو يُغير القطع»

ويقول في مقطع آخر: «فيه علماء قالوا القرآن فيه نسخ، وعلماء قالوا لا نسخ في القرآن، وأنا بقول زي سيدنا الشيخ محمد الغزالي لا نسخ في القرآن، زي شيخي الشيخ عبد الله الغماري في كتابه «ذوق الحلاوة في امتناع نسخ التلاوة»، مفيش نسخ في القرآن، القرآن ده محكم، يُستفاد من كل كلمة فيه..، فالقرآن ليس فيه ناسخ ولا منسوخ..، وكل آية قيل فيها إنها منسوخة قيل إنها غير منسوخة!!

أقول: إذا كانت كلمة «ازدراء»، حسب ما ورد في معاجم اللسان العربي، تعني: العتاب، الانتقاص، الاستهانة، التحقير..، ألا يمكننا اعتبار قولهم إن »السنة قاضية على الكتاب« انتقاصا واستهانة بكتاب الله، باعتبار أن الكتاب الإلهي يستحيل أن تنسخ أحكامه روايات دُوّنت بعد وفاة النبي بقرنين من الزمن، بدعوى أنها حملت «السنة النبوية»؟!

محمد السعيد مشتهري



(418) 11/2/2016 (رسالة من الأستاذ ممدوح كوشباي mamdouh koushbay)

 عدد المشاهدات : 430

لتعريف بكاتب الرسالة: انظر صفحته

الموضوع: تعليق منه على مقالاتي بوجه عام، وعلى مقال «النسيء» بوجه خاص، والرسالة منشورة على صفحته.

الدافع إلى نشر هذه الرسالة: ضرب المثل بالمنهجية العشوائية التي يتحلى بها المدافعون عنها!!

نص الرسالة:

«حضرة الدكتور محمد سعيد المشتهري

هل تعرف نفسك بأنك مثل محطة الإذاعة البريطانية التي كانت تعمل خلال الحرب العالمية الثانية فتذيع (٩٩) خبرا صحيحا، وخبرا واحدا مفترى يغطّي الفائدة من الأخبار الـ (٩٩).

مثلا: سؤالك: هل يتحمّل الصحابة الجالسين في بيوتهم أثناء فتنة قتل عثمان (ر) مسؤولية تلك الفتنة، وكشيعي محض حمّلت عائشة أم المؤمنين بشهادة الله الذي جعل نساء الرسول أمهات للمؤمنين مسؤولية تلك الفتنة، وبرأت علي (ر) من الفتنة، والذي كان جالسا في بيته كالآخرين».

أقول: يا أستاذ ممدوح أنا لست سنيا ولا شيعيا، وسبق أن قلت في أكثر من مقال، إن الذين شاركوا في أحداث الفتن الكبري، من الجانبين، قد انقلبوا على أعقابهم، وهم جميعا بنص القرآن في جهنم، إذا لم يكن قد تابوا من مصيبتهم هذه، ولن ينفعهم تأويل أئمة السلف لقوله تعالى: «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا…»، والسبب تعرفه عندما تقرأ وتتدبر مقالي الخاص بهذا الموضوع!!

إنني عندما أذكر أحداثا متعلقة بالتاريخ الإسلامي، فذلك في إطار المنهجية العلمية التي قام عليها مشروعي الفكري، ومنها تفعيل النص القرآني الذي خاطب الله فيه الصحابة مبينا أنهم بعد وفاة النبي سينقلبون على أعقابهم:

«وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ»!!

فهل انقلبوا أم لم ينقلبوا؟! نعم انقلبوا

فأنا لا أنقل عن التاريخ الإسلامي إلا ما هو حقيقة تاريخية، أجمع عليها المؤرخون، المسلمون وغير المسلمين، وذلك دون دخول في تفاصيل الأحداث، التي ذكرها الأستاذ ممدوح في رسالته!!

ثم يقول الأستاذ ممدوح في رسالته: «ولا شك بأن الكثيرالـ (٩٩) مما ذكرت عن القرآن كان صحيحا، إلا الخبر الوحيد الذي ذكرته عن الأشهر الحرم والنسيء واتهمت الذين فهموا ما هو النسيء بأنهم ابتدعوا شيئا جديدا في كتاب الله»

أقول: الحمد لله أن فهمي للقرآن، من وجهة نظر الأستاذ ممدوح، لا ينقصه عن الـ (١٠٠٪) إلا (١٪)، وأن هذا الـ (١٪) يتعلق بموضوع «الأشهر الحرم والنسيء»، ولكن فهل هذا الـ (١٪) يجعل الأستاذ ممدوح يتهمني بأني شيعي، ويؤكد ذلك بقوله:

«لقد قلت عن الأشهر الحرم ما قاله المخرّبون السلف عنها، وسمّيتموها بالإشتراك مع أهل السنة: ذو القعدة، وذو الحجة، اللذين هما من أشهر الحج المعلومات ولا علاقة لهما بالأشهر الحرم»!!

ويقول: «ومن ثم قفزتم مع أهل السنة، وكما قفز الجاهلون من أهل السلف، ستة أشهر لتجعلوا من شهر رجب الذي كان المشركون يرجّبونه ترجيبا لآلهتهم المبثوثة حول الكعبة حينئذ شهرا حراما»!!

ويقول: «وقلت في معلوماتك الشيعية بأنه لا بأس بأن نسمي شهر الربيع في عز الشتاء أو الصيف ربيعا، واتهمت من لا يقبل ذلك بالعبثية في كتاب الله، وكذلك عن النسيء إلي لا تعرف عنه شيئا، لا أنت كشيعي ولا أهل السنة والجماعة »

ويقول: «إقرأ أنت ومن معك الآيتين (٩٤-٩٥) من سورة المائدة، تعرف معنى الحرم هذا، إذا شئت أن تهتدي»!!

أقول: لن أدخل في تفاصيل الرد على بدعة «الأشهر الحرم والنسيء» التي خرج علينا بها من لا يعلمون شيئا عن «المنهجية العلمية» في فهم القرآن، لأني قمت بالرد عليها في دراسة علمية قرآنية على هذه الصفحة، وإنما سأقول كلمة واحدة عن هذه «المنهجية العلمية» التي يفتقدها «العشوائيون».

أولا: يستحيل، يستحيل، يستحيل…، فهم «كلمة» واحدة من كتاب الله، بمعزل عن ما أسميه بـ «منظومة التواصل المعرفي»، وهذه المنظومة المعرفية، ليست تراثا دينيا، ولا سنة نبوية مذهبية، ولا سنة رسالية، وإنما هي منظومة المعارف المتواصلة التي قامت عليها حضارات الأمم، وفي مقدمتها «الألسن»، ومنها اللسان العربي، فهل هناك مدرسة داخل القرآن تعلم فيها المسلمون هذا اللسان!!

ثانيا: يستحيل، يستحيل، يستحيل…، فهم الموضوعات «العلمية» الموجودة في القرآن، وأحكامها، دون الرجوع لأهل التخصص العلمي، وتكون كلمتهم هي الحاكمة، إلى أن يأتي العلم بجديد!!

منذ عقدين من الزمن، لم يكن معرفة نوع الجنين ممكن، وكنا نفهم قوله تعالى: «وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ» على أن الله وحده هو الذي يعلم ما إذا كان الجنين ذكرا أو أنثى، واليوم وبعد أن استطاع الأطباء معرفة نوع الجنين، أصبحنا نفهم الآية على أن علم الله يتعلق بما سيكون في الأرحام منذ لحظة التلقيح الأولى!!

ثالثا: كل الإشارات العلمية المتعلقة بآيتي الشمس والقمر، وعلاقتهما بالأرض تكون الكلمة الأولى فيها لعلماء الفلك، وليس للذين يجلسون في بيوتهم سنوات وسنوات يدرسون الآيات في كتاب الله، بمعزل عن هؤلاء العلماء، ثم بعد كل هذا الجهد، يخرجون علينا بقولهم:

«أن السنة ليست (٣٦٥) يوما، ولا (٣٦٦)، بل إن هذا بحسابنا، وقد أمرنا العليم الحكيم أن نتعلّم الحساب وأخبرنا بأن هنالك حساب للشمس والقمر، وقال: «الشمس والقمر بحسبان»، وعلّمنا بأن هنالك شهرا يأتي متأخرا في كل (٣٢) شهر قمري سمّاه الله الشهر النسيء»!!

أقول: إن الذين يقولون بهذا يفترون على الله الكذب، وهذه هي مصيبة المنهجية العشوائية، التي جعلت أصحابها يتقوّلون على الله بغير علم، ويقولون: «إن هنالك شهرا يأتي متأخرا في كل (٣٢) شهر قمري سمّاه الله الشهر النسيء»!!

أين ومتى وكيف تعلمتم من الله أن هناك شهرا يأتي متأخرا في كل (٣٢) شهر قمري سماه الله شهر النسيء؟!

أين هذا النص الذي ذكر الله فيه جملة «كل ٣٢ شهر قمري»؟!

من أين جئتم بهذه البدعة، ومن من علماء الفلك وافقكم عليها؟!

لقد اطلعت على كل ما كٌتب حول هذا الموضوع، وقد ذكرت ذلك في مقالي، فلم أجد له أصلا في كتاب الله، وكلها استنتاجات هوائية، على نظام (القص واللصق)!!

ولذلك أطلب من هؤلاء (فقرة واحدة من عدة أسطر)، يشرحوا لنا فيها كيف استنتجوا من كتاب الله وحده، أن هناك شهرا يأتي متأخرا في كل (٣٢) شهر قمري سماه الله شهر النسيء؟!

أما إذا خرجوا في تعليقاتهم عن الاستشهاد بنصوص قرآنية، فلن تساوي تعليقاتهم المداد الذي كُتبت به، ولن ألتفت إليها!!

رابعا: يقول: «إقرأ أنت ومن معك الآيتين (٩٤-٩٥) من سورة المائدة، تعرف معنى الحرم هذا، إذا شئت أن تهتدي»!!

أقول: يقول الله في الآية (٩٤):

«لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ»

ثم قال تعالى في الآية (٩٥):

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ».

ويطلب مني الأستاذ ممدوح أن أقرأ الآيتين لأعرف معنى «حُرُم»، وأنا أطلب منه أن يأتينا من كتاب الله، بمعنى كلمة «رماحكم»، التي سيقتل بها الصيد وهو «حُرُم»!!

إنه لن يجد لها وصفا في كتاب الله، لذلك أقول له:

إن المصدر المعرفي الذي ستتعلم منه معنى «الرمح» وصفاته، هو نفسه الذي سيعلمك معنى «حُرُم»، فاذهب إليه، وليس إلى كتاب الله!!

محمد السعيد مشتهري

1 فبراير 2025

82 min read

0

4

0

منشورات ذات صلة

Comments

مشاركة أفكارككن أول من يعلِّق.

جميع الحقوق محفوظه © 2025 نحو إسلام الرسول 

  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
bottom of page