

(1046) 25/2/2018 “وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ…” [الرد على محمد شحرور «٤»]
2 فبراير 2025
4 min read
0
1
0
إن الدراسة المتعلقة ببيان أحكام الطلاق، حسب ورودها في السياق القرآني، ثمرة من ثمار تفعيل مشروعي الفكري، قبل تفرق المسلمين في “دين الإسلام” إلى فرق ومذاهب عقدية وفقهية، ما أنزل الله بها من سلطان.
وليست هي المرة الأولى التي أنشر فيها هذه الدراسة، فهي موجودة ضمن مجموعة من الدراسات في لجنة الفتوى بالأزهر منذ عام “١٩٩٠م”، ولقد نشرت قصة هذه الدراسة وموقفي مع لجنة الفتوى على هذه الصفحة أكثر من مرة.
والحقيقة أني أنشر الموضوعات التي حملها مشروعي الفكري عندما تأتي مناسبة لنشرها، وكان آخر ما نشرته عن موضوع “الطلاق”، ردًا على الدكتورة سعاد صالح، مقال صحيفة “المقال” في “٢٤/ ٦/ ٢٠١٥» بعنوان:
“كيف تكون المرأة زوجة عند الله، ومطلقة عند أئمة السلف”
ولكن لماذا مع كل هذا لم يتحر ك أحد لتفعيل هذه الدراسة؟!
لأننا أمام “منظومة مذهبية” لا علاقة لها بـ “دين الإسلام” الذي ارتضاه الله للناس وأمر المؤمنين أن يكونوا شهداء عليهم، وأن يخرجوهم من الظلمات إلى النور، فإذا بهم بتفرقهم في “دين الإسلام” يخرجون من النور إلى الظلمات، فأصبحنا أمام:
١- منظومة سلفية: جعلت “المرويات” حاكمة على فهم القرآن واستنباط أحكامه.
٢- منظومة تنويرية: ظهرت كرد فعل لهدم المنظومة السلفية وهدمت معها أحكام القرآن.
وكان من الطبيعي أن يسعد المسلمون بهذه المنظومة “التنويرية” لأنها وضعت عنهم “الأغلال السلفية”، وفتحت لهم أبواب الاستمتاع بشهوات الدنيا على مصراعيها، فخسروا الدنيا والآخرة.
أولًا:
إن معظم “أيْمَان الطلاق”، إن لم يكن كلها، تخرج على اللسان وليس من القلب، ولذلك بدأ السياق القرآني ببيان الفرق بين “الأيْمَان” بوجه عام، و”أيْمَان” الطلاق خاصة.
ففي سياق بيان أحكام معاشرة الأزواج، والنهي عن قربانهن حتى يَطْهُرْنَ، يقول الله تعالى في سورة البقرة “الآية ٢٢٢”:
* “وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ..”
ثم يقول تعالى “الآية ٢٢٣”:
* “نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ…”
ثم عطف على ذلك أحكام “الأيْمَان” لإبطال عادات الجاهلية وما كان يفعله المسلمون مع نسائهن منها، فقال تعالى “الآية ٢٢٤”:
* “وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”
لقد نهاهم الله أن يجعلوا “الأيْمَان” ديدنًا لهم، فيحلفون تارة أن يفعلوا، وتارة أن لا يفعلوا، لضعف إيمانهم وعدم ثقتهم في أنفسهم!!
إن الله تعالى أعظم من أن تجعلوا اسمه حاجزًا بينكم وبين فعل الخير أو عدم فعله، فهو سبحانه “سَمِيعٌ” لكل ما تنطقون به، “عَلِيمٌ” بأحوالكم وما في قلوبكم.
ولن يؤاخذكم الله بما تنطق به ألسنتكم، وإنما بما كسبت قلوبكم وعقدتم عليه العزم، فقال تعالى “الآية ٢٢٥”:
* “لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ”
وبذلك يصبح “٩٩٪” من “أيْمَان” الطلاق التي يوقعها المسلمون من باب “اللغو” الذي لا علاقة له بأحكام الطلاق، يقول تعالى في سورة المائدة “الآية ٨٩”:
“لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ…”
لقد جاءت جملة “وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ”، بيان لجملة “وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ”
ثم خاطب الله بعد ذلك المسلمين الذين كانوا يحلفون “الأيْمَان” بعدم القرب من أزواجهن للإضرار بهن، وبيّن أن أقصى مدة يمكن لهم اعتزال النساء هي “أَرْبَعَة أَشْهُر”، فقال تعالى “الآية ٢٢٦”:
* “لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”
أفهم من ذلك أن المرأة التي يغيب أو يبتعد عنها زوجها ما يزيد عن “أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ”، وهي لا تطيق ذلك، من حقها أن تطلب منه الطلاق، فإن رفض تذهب إلى المؤسسة المعنية بشؤون الطلاق وتطلب الانفصال “الخلع”.
فإن استجاب لطلبها، وقدّر موقفها، فعليه اتخاذ الإجراءات التي تبدأ بـ “العزم” على “الطلاق”، وإرادة الزوج إطلاق سراح زوجه، فقال تعالى “الآية ٢٢٧”:
“وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”
ونلاحظ العلاقة بين قوله تعالى في هذه الآية “فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” في سياق بيان حكم “الإيلاء” وهو أن يحلف الرجل ألا يقرب امرأته، فيتلفظ بيمين من “الأيْمَان”.
وقوله تعالى “وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” الوارد في سياق “الآية ٢٢٤” الذي يُبيّن حكم “الأيْمَان”.
لنعلم أن قوله تعالى “وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ” بيان لوجوب اتخاذ “إجراءات” الطلاق وليس “وقوع” الطلاق، لأن “العزم” شيءٌ، و”تنفيذ” ما تم العزم على فعله شيء آخر قد يحدث وقد لا يحدث، كما في قوله تعالى:
“وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ”
أي لا تُنفذوا ما عقدتم عليه العزم، وهو “عقد النكاح”، حتى انتهاء فترة “العدة”.
فلا علاقة مطلقا بين “وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ”، وبين “وقوع الطلاق”، كما يدعي “محمد شحرور” الذي حَسَبَ العزم “طلقة”.
ثم يبدأ السياق القرآني في بيان الإجراءات التي إذا تمت حتى نهايتها وقع “الطلاق”، وليس في بدايتها كما يقول فقهاء المذاهب المختلفة، واتبعهم “شحرور” في ذلك، وهو الذي يدعي أنه يقرأ القرآن قراءة معاصرة، فيقول الله تعالى “الآية ٢٢٨”:
* “وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ…”
إنها البداية التي تبيّن وجوب “العدة” وهي “ثَلاثَةَ قُرُوءٍ”.
فعلى من اتُخذ بشأنهن قرار “الطلاق” أن “يتربصن”، أي ينتظرن مرور ثلاثة قروء، وبعد انتهاء هذه الفترة تصبح المرأة “مطلقة”.
و”القَرْء” هو الفترة بين الطهر والحيض، وعليه تكون عدة المرأة:
١- طهر … حيض ٢- طهر … حيض ٣- طهر … حيض
ومعلوم أن براءة الرحم تتحقق بحيضة واحدة، إذن فطول فترة “العدة” ليس من أجل التحقق من عدم الحمل، وإنما لإعطاء فترة كافية لبحث أسباب “قرار الانفصال” وعلاجها.
ولا يحل للمرأة إن كانت حاملًا أن تكتم حملها، ولا أن تكتم حيضها إن كانت حائضًا، كما كانت تفعل النساء في الجاهلية، وهذا ما حذر الله منه في قوله تعالى استكمالًا لـ “الآية ٢٢٨”:
* “وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ”
فإذا لم يُمسك الزوج امرأته خلال هذه الفترة، وقبل الطهر الرابع، تصبح المرأة طالقًا، وتحسب “طلقة”.
وطبعا الحديث هنا عن “عدة” المرأة “الحائض”.
أما “الحامل” فعدتها “أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ”
والتي لا تحيض عدتها “ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ”
والتي لم يدخل بها زوجها “فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا”
فإذا عزم الزوج على طلاق امرأته فعليه أن يخبرها بذلك لتعتد مع أول “طهر” بعد “الحيضة”، ثم يذهبان إلى المؤسسة المعينة بشؤون الطلاق ومعهما الشاهدان لتسجيل ذلك وتحديد بداية “العدة”.
ثم يعودان إلى “بيت الزوجية”، ويعيشان حياتهما الطبيعية، باستثناء العلاقات الحميمة وفي مقدمتها المباشرة “الجماع”.
فإذا حدث خرق لعزم الرجل، وباشر امرأته خلال فترة “العدة”، فكأن شيئًا لم يحدث، وعليهما الذهاب إلى المؤسسة المعينة بشؤون الطلاق، وإثبات ذلك، ليتوقف إحصاء “العدة”.
وهذا ما نفهمه من قوله تعالى استكملا لـ “الآية ٢٢٨”:
* “وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً”
وهنا استخدم “البعولة” التي تعني “الرجولة” في حسم الأمور واتخاذ القرار، باعتبار أن الرجل هو مالك وسيد قراره في هذا السياق، بعد إتمام عملية “الإصلاح” بين ال زوجين، وإعادة المياه إلى مجاريها.
وللموضوع بقية
محمد السعيد مشتهري



