

(1073) 29/3/2018 «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»
30 يناير 2025
4 min read
0
1
0

يمكن أن يفعل المسلم حرامًا، نص عليه الله صراحة في كتابه، أو ثبت «علميًا» حرمته، باعتباره من الخبائث، ولكن يجب أن يتوب من هذا «الفعل المحرم» في أقرب وقت.
بعد أن بيّن الله في سورة النساء «الآية ١٧» عقوبة إتيان فاحشة السحاق «وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ»، وعقوبة عمل قوم لوط «وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ».
فتح باب التوبة للذين يَعصوْنه، ويعملون «السوء»، فقال تعالى:
* «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ – ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ – فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ – وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً»
أولًا:
تعري ف المصطلحات:
١- «التوبة»: هي الندم على معصية الله، والعزم على عدم تكرار هذه المعصية مستقبلا.
٢- «السوء»: الفعل المذموم المدفوع بهوى النفس، الذي يُسيء إلى فاعله صغيرًا كان أم كبيرًا، مخالفًا أحكام الشريعة الإلهية.
ونلاحظ أن الله قال في الآية السابقة «الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ»، ولم يقل «السَّيِّئَاتِ»، وذلك لبيان أن بداية «الفواحش» «سيئة»، فإذا تراكمت «السيئات» دون «توبة»، فلا توبة لصاحبها عند موته:
* «وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ – حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ – وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ – أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً»
٣- «الجهالة»: الاندفاع نحو السيئة دون تفكير ورَوِيَّة، والجهالة غير «الجَهل» الذي هو انتفاء العلم، لأن الذي يجهل حرمة شيء لا شيء عليه أصلًا.
وجاء بـ «باء الملابسة»، في «بِـ جَهَالَةٍ»، لبيان أن فعل «السيئات» يكون دائمًا مدفوعًا بـ «هوى النفس»، دون تفكير في العواقب.
ثانيًا:
فإذا تدبر قوله تعالى:
* «وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ – حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ – وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ»
نجد أن الله ساوى بين «المسلم» الذي أصر على فعل «السيئات» حتى حضره الموت، فلم يقبل الله توبته، وبين «الكافر» الذي عاش كافرًا ومات كافرًا.
إذن فانتبه أيها «المدخن»:
لأن حالتك كحالة المخاطبين في هذه الآية، فأنت ترتكب «سيئة» بتدخين أول سيجارة في اليوم، ثم تتراكم عليها باقي سجائر اليوم، ثم يأتي اليوم التالي…، وهكذا دون توبة!!
١- إن أقل ما يقال في تدخين أول سيجارة إنها «سيئة»، لأن «المدخن» لم يفعل شيئًا «طيّبًا»، بإجماع «العقلاء».
والفعل «الطيب» يقابله الفعل «الخبيث».
إذن فـ «المدخن» يفعل كل يوم ومع كل سيجارة «سيئة»، حتى أصبحت «السيئات» تحيط به، فتكون عاقبته:
* «بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً – وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ – فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»
٢- وإذا كان «المدخن» ممن يتلون كتاب الله، ويقيم الصلاة «على أي هيئة وبأي أحكام حسب هواه»، فإن صلاته من المفترض أن تنهاه عن «تدخين السجائر»، لأن الله يقول له:
* «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»
فكيف يصلي ويقول «الله أكبر» وهو مُصِرٌّ على ارتكاب «الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»؟!
ثالثًا:
وهنا يجب أن نفرق بين «الْفَحْشَاءِ»، و«الفَاحِشَةً».
إن «الصلاة» تنهى المسلم عن «الفحشاء»، قبل أن يفعل «الفاحشة»، لأنه لو فعل «الفاحشة» لم يعد لـ «النهي» فائدة!!
١- إن «الفحشاء» تصور ذهني، وتفكير فيما يريد المرء «فعله»، ومحله القلب، فإذا فعله فقد فعل «فَاحِشَةً».
يقول الله تعالى:
* «وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»
إن «مَا بَطَنَ» هو الفحشاء وهي مرحلة التفكير والتصور الذهني.
و«مَا ظَهَرَ» هو ما تم فعله، وهو مرحلة إتيان «الفاحشة».
٢- لقد جاء بيان ذلك في قوله تعالى:
* «وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً – قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا – وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا»
فالحديث عن «فعل فاحشة»، وجاء رد الله عليهم بقوله:
* «قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ – أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ»
وهنا استخدمت كلمة «الْفَحْشَاءِ» من باب الوقاية خير من العلاج، لأن الله في سياق بيان المحرمات، ينهى عن الاقتراب منها، ولو بالتصور الذهني والتفكير، لذلك جاء بكلمة «الفحشاء».
٣- مثال:
يقول الله تعالى في سياق قصة يوسف، عليه السلام:
* «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا – لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ – كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ»
لقد صرف الله عن يوسف «السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ»، أي صرف عنه مجرد التفكير في مقدمات «الفاحشة»، فكان «همّه» غير «همّها»، وإلا لقال تعالى «لنصرفه عن الس وء والفحشاء» فيكون يوسف قد أقدم على شيء، ثم صرفه الله عنه، وهذا لم يحدث.
أما عندما يقول الله «لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ»، فهذا معناه أن «السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ» لم يقتربا أصلًا من قلب يوسف، حتى يَهِم مع امرأة العزيز بأي مقدمات لـ «الفاحشة».
رابعًا:
و«الفواحش» تجمع بين «الفحشاء»، أي الأفكار والتصورات، و«الفاحشة» أي إتيان الأفعال، وتشمل كل شيء «قولًا أو فعلًا»، فليست قاصرة على «الزنا»، فتدبر:
* «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»
إن «مَا بَطَنَ» من «الْفَوَاحِش» المحرمة، وهو التفكير المؤدي إلى فعل «الفاحشة».
١- إن كل «سيئة» «فحشاء» يفعلها المسلم تبدأ بالتفكير، ثم يُصدّقه الفعل، أي إتيان «الفاحشة»، وسُمّيت بذلك لأنها تتجاوز الحدود التي أمر الله بعدم تعدّيها، فأصبح «فُحْشَها» ظاهر لتراكم «السيئات» دون «توبة»، والله تعالى يقول:
* «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً – أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ – ذَكَرُوا اللَّهَ – فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ – وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ»
٢- ثم نتدبر جيدًا قوله تعالى بعدها:
* «وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ»
فبماذا يُسمّى المدخن «تدخينه» للسيجارة، والآثار المترتبة على فعله هذا، الذي تشهد بها الصور المرفقة، و«إصراره» على ذلك، غير أن عمله هذا ظاهر «الفُحش»؟!
خامسًا:
سيخرج علينا الفلاسفة، وأهل الشهوات..، بكلام شهدت تعليقاتهم بقيمته في ميزان «العلم»، فهم يتركون ما جاء بالمنشورات، ويذهبون يدافعون عن شهواتهم!!
١- فهل ينكر مؤمن درس كتاب الله على «علم»، أن «التحريم» لا يكون إلا بنص قرآني؟!
٢- وهل لا يوجد في المنشورات الثلاثة، وفي هذا المنشور، نص قرآني واحد يفيد تحريم «تدخين السجائر» بالدلالة القطعية؟!
أما إذا كنتم تعتبرون «التبغ»، ومكوناته السامة، عندما يُحرق، ويستنشق دخانه «المدخن»، من «الطيبات»!!
وهنا يصح أن أقول لكم «أَفَلا تَعْقِلُونَ»؟!
٣- عندما تحكم «العشوائية» أذهان من يُفتون بغير علم في أحكام القرآن، ويُعجب بهم «المعجبون»، يصبح الأمر في منتهى الخطورة.
فلا يصح، حسب أصول البحث العلمي، خروج الباحث عن موضوع البحث إلى موضوعات فرعية، إلا إذا كانت ذات صلة وثيقة بموضوعه الأساس.
لقد أشرت في المنشور السابق إلى تقارير منظمات الصحة العالمية عن أضرار «التدخين»، التي أصدرت تعليمات لجميع الشركات المنتجة للسجائر بضرورة تحذير المدخنّين من تدخينها، وذلك بوضع ما يفيد أضرارها على العلبة.
فخرج علينا من يقول:
إن هذه المنظمات قد حذرت أيضًا من الملح، والسكر، والدهون، والأطعمة المحفوظة، والألوان الصناعية… إلى آخره، فهل تصبح هذه كلها «خبائث» مُحرّمة؟!
الحقيقة أتعجب جدًا من هذه «العشوائية الفكرية»، التي لا تملك أولويات طرق الاستدلال، وأن لكل مقام مقال.
يوم أن تفرض منظمات الصحة العالمية على الشركات المنتجة للملح والسكر والملوخية والبطاطس..، أن تكتب على عبوات هذه المنتجات، نفس التحذيرات المكتوبة على علب السجائر اليوم.
سأقول مثل ما قلت في المنشورات الأربعة.
محمد السعيد مشتهري



