

(1280) 28/4/2019 * «الضرب» بين الحقيقة والمجاز و«قرينة السياق» «على هامش المنشور السابق»
29 يناير 2025
4 min read
0
1
0

سأبدأ بسؤال:
هل مشكلة المسلمين وأزمتهم العالمية تكمن في تأليف عشرات الكتب ومئات الفيديوهات، في بيان هل تخرج المرأة كاشفة عورتها للناس، وهل نعطيها مثل حظ الرجل في الميراث، وهل في القبر عذاب، وهل يحل رجم القردة الزانية… إلى آخر القراءات الإلحادية التنويرية المعاصرة؟!
أم أن أزمتهم في وجوب دخولهم من جديد في «دين الإسلام»، ومن بابه الوحيد باب «الآية القرآنية»، وإعادة خيرية أمتهم بإقامة الشهادة على الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور؟!
وكيف يدخلون في «دين الإسلام»، الذي حمله كتاب الله الخاتم «القرآن الحكيم» وهم أصلًا أعاجم، يجهلون «اللسان العربي» الذي كان ينطق به العرب من قبل نزول القرآن؟!
ثم كيف يدخلون في «دين الإسلام» وهم يتعاملون مع معاني كلمات القرآن وفق الرصيد المعرفي الذي حملته قلوبهم، حسب البيئة التي تربوا فيها، ظنًا منهم أن الذي تعلّموه في بيئتهم هو الذي بَيّنه الله وفَصّله داخل القرآن، والحقيقة أنه لا وجود لهذا البيان في القرآن؟!
إن بيان معاني كلمات القرآن موجود خارج القرآن وليس بداخله، ومعنى الكلمة القرآنية محفوظ بحفظ الله لـ «مُسَمّاها» الموجود خارج القرآن، والذي يعلمه معظم الناس.
أن ميزان الآخرة «مُبرمج» على «مُسَمَّيات» كلمات الله التي أنزلها على رسله، وسيحاسب الله الناس على مدى تفاعلهم مع «المُسَمَّيات» وليس مع «الكلمات».
ولذلك كان فهم معنى الكلمة القرآنية يتوقف على «القرينة» الدالة على صحة هذا المعنى، طبعا إلا عند أعضاء «منظمة الإلحاد العالمية» الذين يفهمون القرآن بمنهج:
«شغل عقلك – واستفت قلبك»
فأي قلب هذا الذي يُسْتَفْتَى في غياب القرينة الدالة على معنى الكلمة، إلا إذا كان قلبًا فقد آليات عمله، آليات التفكر والتعقل والتدبر والتفقه… إلى آخر آليات عمل القلب؟!
إنه لا توجد كلمة في أي لغة من لغات العالم لا تحمل القرينة الدالة على معناها وفي مقدمة القرائن «مُسَمّاها» الذي يعلمه المخاطب مسبقا، وإلا ما فهم معناها، وكان بالسبة لها أعجميًا.
أولًا:
عندما عجز «أهل اللسان العربي» أن يأتوا بمثل سورة من سور القرآن، لم يكن ذلك بسبب عدم استطاعتهم الإتيان بجمل عربية مثل جمل القرآن وإنما بسبب:
– عدم استطاعتهم أن ينفخوا «الروح» في هذه الجمل فيتحول كلامهم البشري إلى كلام إلهي.
– عدم استطاعتهم تحويل الكلام البشري إلى «آيات قرآنية» لها مقابل كوني في الآفاق والأنفس
ولذلك قال الله تعالى لهم:
* «فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ – وَلَن تَفْعَلُواْ – فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ – أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ»
لقد خاطب الله «أهل اللسان العربي» بنفس الأساليب العربية البيانية التي كانوا يتكلمون بها قبل نزول القرآن، ومنها ما هو «حقيقي» مادي ملموس، وما هو «مجازي» معنوي يُفهم من القرائن الدالة على ذلك.
فأنت عندما تقول لصديقك، في سياق حديث معين، «رأيت أسدًا يرمي بسيفه»، فإنه يفهم أنك تقصد الإشارة إلى الرجل الشجاع الذي فعل كذا وكذا، وذكره في سياق هذا الحديث.
ويستحيل أن يفهم صديقك أنك تقصد بكلمة الأسد الحيوان المفترس وذلك لوجود «قرينة» صرفت المعنى الحقيقي «الأسد» إلى المعنى المجازي «الرجل الشجاع» وهي جملة «يرمي بسيفه».
فهل معنى هذا أن كلمة «أسد» تحمل معنيين، أحدهما حقيقي والآخر مجازي، كما يظن «الملحدون» الذين ينكرون وجود المجاز في القرآن، ليسهل عليهم تسويق إلحادهم بين «الجُهّال»؟!
إن الأسد يستحيل أن يكون رجلًا في حقيقة الأمر، والرجل يستحيل أن يكون أسدًا في حقيقة الأمر، لذلك يبقى «الأسد» على معناه الحقيقي، ويبقى الرجل على معناه الحقيقي، ولا يُصرف هذا المعنى الحقيقي أبدا إلى المعنى المجازي إلا بـ «قرينة» تقتضي ذلك.
هذا هو معنى «المجاز» بصورة مبسطة، والذي يجب على كل متدبر للقرآن أن يكون على دراية به، حتى لا يُلحد في معاني كلمات القرآن وأحكامه وهو لا يدري، وحتى لا يتبع الملحدين بغير علم.
ثانيًا:
عندما يسبق مادة «الضرب»:
١- حرف «الباء» فإنه يدل على «السببية»، كما في قوله تعالى لموسى عليه السلام:
* «وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا»
فهل يُعقل أن يكون «الضرب» هنا بمعناه الحقيقي، فكيف يضرب «الطريق» في البحر؟!
إن فعل «الضرب» هنا بمعنى «الجعل»، أي فاجعل لهم طريقًا يبسًا في البحر، وهو أسلوب «مجازي».