

(1360) 12/3/2020 «مقال الخميس» «عندما يقف شحرور ومنصور معًا في خندق واحد»
29 يناير 2025
6 min read
0
1
0
في لغات العالم، يتوقف فهم أي نص على الصورة الذهنية لـ «مسميات» كلماته المطبوعة في قلب القارئ من قبل قراءة النص.
وفي اللغة العربية، التي كان ينطق بها لسان العرب من قبل نزول القرآن، يستحيل استنباط أي حكم من أحكام القرآن دون أن يكون «المستنبط» يحمل في قلبه «مسميات» كلمات الآية التي حملت هذا الحكم ومعناها، وإلا فلا يقترب نهائيا من استنباط أي حكم.
وفي معنى الاستنباط «بوجه عام»، والذي لا يقوم به إلا «أهله»، يقول الله تعالى «النساء / ٨٣»:
«وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ:
– وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ
– لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ …»
أما الاستنباط في القرآن:
فهو ليس الفهم الظاهري لكلمات القرآن، وإنما استخراج المعاني الدقيقة، والأحكام الخفية …، الأمر الذي يستلزم أن يكون «المستنبط» على دراية بأدوات التعامل مع القرآن، وفي مقدمتها لغته العربية.
فإذا علمنا أن «مُسَمّيات» كلمات القرآن موجودة خارج القرآن وليست بداخله، فهذا يعني أن هناك مصدرًا معرفيًا خارج القرآن يستحيل التعامل مع القرآن بمعزل عنه، وهو ما أسميه بـ «منظومة التواصل المعرفي»، وهو أداة من الأدوات الخمس حسب توجهي «نحو إسلام الرسول».
ويصبح القول:
* «إن الحرام هو: ما نص عليه الله صراحة في القرآن»
قولًا غير صحيح، ذلك أن «الأعجمي» يستحيل أن يتعامل مع القرآن دون أن يكون على علم بلغته العربية، ودون أن يكون على دراية بعلم السياق القرآني … إلى آخر الأدوات الخمس.
فتعالوا نضرب بعض الأمثلة:
# أولًا:
يقول الله تعالى «المائدة / ٣»:
«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ»
١- لا يوجد في القرآن مسمى أي كلمة من كلمات هذه الآية «اسم – فعل – حرف»، وهي من آيات الأحكام، فكيف نتعامل مع ما حملته من «محرمات» ومُسمّياتها خارج القرآن أصلًا، ثم نقول:
* «إن الحرام هو: ما نص عليه الله صراحة في القرآن»؟!
وإنما نقول:
«إن الحرام هو: ما استنبط من الآيات بأدوات ا لاستنباط القرآنية»
٢- يقول الله تعالى «النحل / ١٤»:
«وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا …»ومعلوم أن «البحر» غير «النهر»، وعليه فإن «الحلال» هو صيد «البحر» فقط، حسب ظاهر النص، ولعدم وجود نص قرآني يُحلّ صيد «النهر»، ويصبح أكل صيد «النهر» حرامًا.
وهنا سيضطرون إلى الاستعانة بأدوات الاستنباط الخمس، ويقولون:
«إن البحر يُلحق به غيره مما يصطاد منه … كالأنهار».
٣- ولكن تبقى الإشكالية قائمة:
إن قول الله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» يُحرّم أكل صيد «البحر والنهر» إلا إذا كان إعداده للطعام وهو حي، والتعامل مع الأسماك في العالم يكون وهي «ميتة مجمدة»، فمن أين جاء المسلمون بأن أكل ميتة «البحر والنهر» حلال؟!
# ثانيًا:
يوجد في علم السياق القرآني ما يُسمى بتخصيص العام، إذا كان هناك في القرآن ما يُخصص هذا العام بدلالة قطعية، ذلك أنه لا يوجد نص قطعي الثبوت عن الله غير النص القرآني.
أما ادعاء أن «الأحاديث» المنسوبة إلى النبي تُخصص وتقيد أحكام القرآن، فهو ادعاء باطل لا يقوم على أساس قرآني علمي.
يقول الله تعالى «الأنعام / ١١٨-١٢١»:
«فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ»
«وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ»
نتدبر جيدا قوله تعالى «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» ونقول لأصحاب بدعة «القرآن وكفى»:
هل تذكرون اسم الله على طعامكم قبل أكله، وربيتم أولادكم على ذلك، «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ»، وأن من لم يفعل ذلك ويُصرّ عليه يرتكب كبيرة من الكبائر، إن لم يتب منها مات كافرا مخلدا في جهنم، وإن كان من القائمين الصائمين الحافظين لكتاب الله، وبرهان ذلك هو قوله تعالى:
«وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ:
– وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
– وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ
– وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ»
يصبح يحرم على المؤمن الذي أسلم وجهه لله أن يأكل أي طعام قبل أن يذكر اسم الله عليه، وهذا بنص قرآني قطعي الدلالة، ذلك أن النهي الوارد في الآية «وَلاَ تَأْكُلُواْ» نهي تحريم لا يوجد في القرآن ما يُقيّده أو يخصصه.
فكم عدد الذين شغلوا أنفسهم بهذه الفريضة الغائبة، من نجوم التنوير والحداثة والقراءات القرآنية المعاصرة، ودعوا المسلمين إلى وجوب الالتزام بها وإلا ماتوا كافرين؟!
طبعا لا يستطيع أحد منهم أن يخاطب المسلمين بهذا الأسلوب الفظ الغليظ الذي يستخدمه محمد مشتهري ويقول لهم: إن لم تفعلوا «ما يجب أن يكون» ومتم على «ما هو كائن» متم كافرين.
من أجل ذلك يطلبون من محمد مشتهري أن يُغيّر أسلوبه، وطبعا هم «لا يعلمون» أني لا أخاطب بهذا الأسلوب إلا «المنافقين»، والأصدقاء المؤمنون، الذين أسلموا وجوههم لله، يعلمون ذلك منذ إنشاء هذه الصفحة.
# ثالثًا:
يقول الله تعالى «النساء / ٢٥»:
«وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن:
– يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ»
فلا يحل لمؤمن أسلم وجهه لله أن ينكح غير مؤمنة، سواء كانت حرة أو ملك يمين، ولذلك لم يقل الله «مِّن فَتَيَاتِكُمُ المُسْلِمَات» لبيان أن عقد النكاح لا يصح مطلقا إلا إذا قام على أصول الإيمان التي يجب أن يتحلى بها المؤمن والمؤمنة.
ولذلك اشترط الله أن تُمتحن الكافرة التي آمنت، وهاجرت إلى المسلمين، للتأكد من صدق إيمانها قبل أن يطلب زواجها أحد من المؤمنين، فقال تعالى «الممتحنة / ١٠»:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:
– إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ
– فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ
– فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ
– فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ
– لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ ي َحِلُّونَ لَهُنَّ …
– وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ …
ثم نتدبر ماذا قال الله عقب ذلك:
– وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ»
فعلى من كان متزوجًا من كافرة أن يطلقها.
فإذا أضفنا إلى ذلك قول الله تعالى «البقرة / ٢٢١»:
«وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ»وتدبرنا جيدًا: «حَتَّى يُؤْمِنَّ»
فمن المستحيل أن يحل الله للمؤمن نكاح نساء «الذين أوتوا الكتاب»، بدعوى أن الله تعالي قال «المائدة / ٥»:
«الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ: