

(1561) 9/10/2020 عموم «البلوى» وفتنة «إبليس» [2]
28 يناير 2025
6 min read
0
2
0

«قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ – إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»
لقد أمر الله الجن والإنس بعبادته:
* «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ»
ومن مقتضى «لِيَعْبُدُونِ» الابتلاء والفتنة:
* «أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا»:
– «أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ»
– «وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ»
– فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا»
– «وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ»
# أولًا:
في سياق بيان مقتضيات العبودية، يُذكر الله الناس أنه الذي خلق السماوات والأرض والموت والحياة، وهو الذي جعل الحياة الدنيا زينة، ليبتليهم أيهم أحسن عملاً:
* «وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ – لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»
* «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ – لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»
* «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا – لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً»
١- إن البلوى والبلاء واحد، فالمصدر «بلا – يبلو»، فتقول: بلوت الرجلَ بلاءً وابتليته: إذا اختبرته وامتحنته، بالخير أو بالشر:
* «وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً»
و«الابتلاء» يشمل ما يقع التكليف به، ويكون بهدف «الفتنة» والاختبار:
* «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ»:
– «الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ»
– «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ»
ـ «الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ»
– «إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ»
إن معايشة القلب المؤمن لـ «معية الله» يُهوّن عليه المصائب، ويُخفف عليه آلامها، فقال تعالى:
ـ «أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ»
– «وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»
إن التكليف الذي فيه مشقة على النفس سواء كان:
– «بدنيًا»: كالقتال في سبيل الله:
* «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ»
– «نفسيًا»: كإلزام المرأة بثياب معينة مقيدة لحريتها:
* «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ»
* «يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ»
٢- «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ»:
ذلك أن «القتال في سبيل الله»، مع الإحساس بالخوف وآلام الجروح … يحتاج إلى صبر وتحمل وثبات.
وإلزام المرأة نفسها بلباس يُقيّد حريتها خارج بيتها، قد يُشعرها من منطلق شهوة النفس، بالضيق، خاصة إذا كانت قد ورثت هذا اللباس ولم يدخل الإيمان قلبها، فإذا بها مع أول فتوى لملحد منافق مثلها، تتحلل منه.
فليس أمام التزام المؤمن بأحكام القرآن ومواجهة تحدياتها غير الصبر، «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ»، والإيمان بأن هذه الأحكام «كلام الله» واجب الطاعة والعمل به، والذي يستحيل أن تكون مخالفته في يوم من الأيام مباحة لأنها من «عموم البلوى»!!
# ثانيًا:
كيف يصنع المسلمون «البَلاوَى» والمصائب العقدية والفقهية بأيديهم، ثم يستحلونها بدعوى «الضرورات تبيح المحظورات»؟!
١- إن «الضرورات» التي لا دخل للإنسان فيها، هي التي تبيح «المحظورات»، فتدبر:
* «مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ»:
– «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ»
* «إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ»:
– «الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ»
– «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ»
– «فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»
٢- يقول الله تعالى:
* «لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً – إِلاَّ وُسْعَهَا»
لا يكلفها إلا بما تقدر عليه ويتسع لفعله طاقتها.
* «لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً – إِلاَّ مَا آتَاهَا»
لا يكلفها إلا بقدر ما أعطاها من طاقة وأسباب الرزق.
وجعل الله لأحكام شريعته حدودًا يحرم تعدّيها:
* «تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا»:
– «وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»
وقال الله تعالى:
* «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»
وهذه الكلمة النكرة «حَرَج»، المؤكدة بحرف «مِنْ»، تنفي أي حرج في أحكام القرآن.
فكيف يأتي فقهاء المذاهب العقدية والفقهية ويبتدعون رخصة «عموم البلوى» لتشمل كل انحرافات المسلمين عن أحكام القرآن، بدعوى أن الالتزام بهذه الأحكام أصبح فيه مشقة على أنفسهم؟!
# ثالثًا:
لقد كانت قاعدة أو رخصة «عموم البلوى» من أهم الأسباب الداعية إلى تغير الحكم مع تغير الأحوال وتطور الحضارات عندما تصبح «البَلاوَى» هي الغالبة على المجتمع، ويصعب على الناس التخلص أو الابتعاد عنها.
ولكن، ما علاقة «عموم البلوى» بأصول الإيمان وأحكام القرآن وثوابت الدين؟!
والجواب:
لا تنسى أن إبليس وجنوده وراء كل سيئة يرتكبها المسلم، في المقام الأول، ثم باقي الملل الأخرى، ووراء جعل المسلم يُحوّل السيئة الواحدة إلى كبيرة بالإصرار عليها وعدم التوبة منها، فتدبر:
* «بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً»:
لاحظ: سيئة واحدة.
– «وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ»
ثم أصر على ارتكاب هذه «السيئة» فأصبحت «خطيئة»:
– «فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»
وبذلك يكون إبليس وجنوده قد نجحوا على مر العصور في إغواء المسلمين وجعلهم يُلحدون في أحكام الله ويُزيِّفونها برعاية وحماية رخصة «عموم البلوى»، ليكونوا معه في الدرك الأسفل من النار.
١- الإلحاد في الوحدانية وشرك التفرق في الدين:
نهى الله تعالى رسوله محمدًا والذين آمنوا معه عن شرك التفرق في الدين الذي مصيره جهنم، فقال تعالى:
* «مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ»:
– «وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ»
– «وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ»
– «مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً»
– «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»
٢- الإلحاد في أكبر الكبائر:
لقد جعل إبليس صحابة رسول الله يُشعلون نار الفتنة بينهم، ويسفك بعضهم دماء بعض مع سبق الإصرار والرصد، ثم جعل فقهاء مذاهبهم يعتبرون هذه الفتن من «عموم البلوى» التي لا يحرم فعلها، مع أن الله تعالى يقول:
* «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً»:
– «فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا»
– «وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً»
٣- الإلحاد في مدلولات كلمات القرآن ومحو لغة القرآن العربية من أذهان المسلمين، ليسهل على إبليس وجنوده ضم أكبر عدد من المسلمين إلى حزبه، والله تعالى يقول للعقلاء:
* «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً – لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»
# رابعًا:
الإلحاد في مفهوم «النهي عن المنكر» وإيجاد حالة من التبلد واللامبالاة بدعوى «عموم البلوى»، فلا نجد أحدًا ينهى عن هذه «البَلاوَى» التي استحلها المسلمون بدعوى رفع الحرج:
١- يقول الله تعالى:
* «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ»: