

(1688) 26/1/2021 «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا»
يناير 28
4 min read
0
0
0

بعد ما سبق بيانه في المقالات السابقة من مقدمات موضوع «الإيمان والإسلام»، وكيف أنهما «متلازمان» فلا ينفصل الإيمان عن مقتضياته التي يحملها مفهوم «الإسلام» والتسليم لحكم الله، ولا ينفصل «الإسلام» عن قاعدته «الإيمانية» التي ينطلق منها:
* أقول:
لماذا أعطى المسلمون وجوههم لـ «الإسلام» وظهورهم لـ «الإيمان»؟!
والجواب:
لأن هذه هي مهمة إبليس:
١- أن تألف قلوب المسلمين تدين آبائهم:
* «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ»:
* «قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا (أَلْفَيْنَا) عَلَيْهِ آبَاءَنَا»:
* «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ»:
* «لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً – وَلاَ يَهْتَدُونَ»
فهل قام الآباء بتعليم أبنائهم «أصول الإيمان»، قبل إلزامهم العمل بـ «أحكام القرآن»؟!
٢- أن ينشغلوا بـ «علوم الدنيا» عن «علوم الآخرة»:
وهكذا وجد المسلمون أنفسهم منذ طفولتهم يفعلون، وفي أذهانهم بدعة أن «العمل عبادة»، وبدعة الاستعداد ماديًا وتكنولوجيًا لإعادة «الخلافة» التي ستحكم العالم …:
لقد جعل إبليس بوصلة المسلمين تتجه منذ طفولتهم نحو «الدنيا وزينتها»، وفي الوقت نفسه نحو التسليم لأحكام الشريعة الإسلامية التي حملتها أمهات كتب الفقه على المذاهب العقدية والفقهية المختلفة، والتي لا يفتي فيها إلا أئمة السلف.
ولقد فعل أقوام الرسل كلهم ذلك، سواء في حياة الرسل أو بعد وفاتهم، أعطوا ظهورهم لـ «أصول الإيمان» واتبعوا العلوم الدينية والأحكام التي صنعها لهم أئمتهم، فيقول الله تعالى في ختام سورة غافر:
* «فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ»:
* «فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ»:
– فرحوا بالعلم الذي ورثوه عن أئمة سلفهم، وتشربته قلوبهم، حتى أصبحت لا تقبل آيات الله البينات، بل وتستهزأ بها:
* «وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون»
* «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا»:
* «قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ»:
لم يقولوا «أسلمنا» لأن قلوبهم كانت «كافرة» بالآيات البينات، والآن ستؤمن بها، وتكفر بما ورثته عن أئمة السلف وجعلهم مشركين:
* «وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ»
– فهل نفعهم «الإيمان» الذي هو الفريضة الغائبة في حياة معـظم المسلمين اليوم؟!
* «فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا»:
– «سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ»
– «وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ»
إن «الإيمان» هو طوق النجاة الوحيد من إغواء وفتن «إبليس»، وطوق النجاة الوحيد من وقوع المسلمين أسرى في سجون الملحدين، وطوق النجاة الوحيد من إضلال الضالين الذين يكفرون بلغة القرآن بدعوى أن القرآن تبيانٌ وتفصيلٌ لكل شيء.
٣- أشعل بين المسلمين نار العداوة والبغضاء والبغي:
منذ قرون مضت، وإبليس يحكم سيطرته الكاملة والتامة على قلوب «99 %» من المسلمين، أتباع الفرق الإسلامية، حتى لا يخلعوا ثوب «شرك التفرق في الدين»، ليكون حالهم كحال أهل الكتاب، ومنهم النصارى «المائدة / ١٤»:
* «فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْ مِ الْقِيَامَةِ – وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ»
٤- جعل «المسلمين» يصدون عن سبيل الله ويحسبون أنهم مهتدون «مؤمنون»، فتدبر:
* «وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ – نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً – فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ»
* «وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ – وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ»
– ثم يحدث التبرؤ من هذا القرين الشيطاني:
* «حَتَّى إِذَا جَاءنَا – قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ – فَبِئْسَ الْقَرِينُ»
* «وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ»
– ثم بيان طبيعة وصفات الذين أعطوا ظهورهم لـ «أصول الإيمان» ووجوههم لـ «الإسلام»:
* «أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ»
– ثم بيان أن الله تعالى يُمهل ولا يهمل:
* «فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ»
* «أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ»
* وبيان أن الله تعالي لم يأمر المؤمنين بغير التمسك بـ «الذكر» الذي تعهد بحفظ آياته ومقابلها الكوني:
* «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ»
– وأن السؤال يوم القيامة سيكون على مدى تمسك المؤمنين بصراط ربهم المستقيم:
* «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ – وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ»
فمن أين جاء الـ «99 %» من المسلمين بما يُسمى بـ «المصدر الثاني للتشريع»، وعلى أي أساس شرعي آمنت قلوبهم بحجية مروياته في «دين الإسلام»، هذه المرويات التي أصبحت إلهًا يُعبد من دون الله؟!
* «وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا – أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ»؟!
عندما يغيب «الإيمان» عن القلوب، يسكنها «إبليس» على الفور، ويُزيّن لأصحابها أنهم مؤمنون مسلمون يُحسنون صنعًا، والسبب:
* «فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ»
والزيغ: ميل «القلب» عن طريق الحق، أي قضية «إيمانية»، ينتج عنها ميل «الجوارح»، وهي قضية «إسلامية»، وبميل القلب والجوارح يخرج المرء من «دين الإسلام» فيكون من «الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ».
٥- جعلهم ينغمسون في الترف واللهو ليفسد «إيمان» قلوبهم:
انظروا إلى حياة المسلمين ومعايشهم، وكيف يديرون شؤونها، وعلى أي أساس تقوم إدارتها، هل على أساس «الأحكام الفقهية» التي صنعها أئمة السلف، أم على أساس «الأحكام الإيمانية» التي أنزلها الله على قلوبهم؟!
* «فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ – أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ – إِلاَّ (قَلِيلاً) مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ – وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا (أُتْرِفُواْ) فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ»
* أقول:
تعالوا نتدبر بعض الآيات لنقف على أهمية أن يسبق إيمان «القلب» تسليم «الجوارح»:
(أ): «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى»:
– «قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ»:
– «قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي»:
– «قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً – وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»
(ب): «مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ – وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ – يَهْدِ قَلْبَهُ – وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»
(ج): «وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً – إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ – لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا – لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ»
(د): «وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ – نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ – عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ»
– فالأصل هو «الإيمان» الذي محله «القلب»، وتدبر:
(هـ): «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ – إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»
(و): «إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ – وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ»:
– «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ»
– «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ»
– «وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً»
– «فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ»
(ز): «وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ»:
– «قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ»
– «وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»
– «وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا»
(ح): «يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ»:
– «الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا – وَكَانُوا مُسْلِمِينَ»
وجملة «وَكَانُوا مُسْلِمِينَ» حال من ضمير «آمَنُوا»، والمراد الانقياد والتسليم لما حملته الآيات من أحكام.
محمد السعيد مشتهري