

(980) 9/12/2017 «فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا» … مسؤولية من؟!
فبراير 2
4 min read
0
0
0
إن تربية «الأولاد» منظومة إيمانية محورها الأساس قوله تعالى:
* «لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً»
أولًا:
إن إقرار الإنسان بـ «الوحدانية» يقتضي أن تكون حياته في طاعة دائمة لله تعالى، مشتغلًا بعبادته، حريصًا على ألا «يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً»، لذلك قال تعالى بعدها:
* «وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ»
لا يوجد على وجه الأرض، من له فضل على غيره، كفضل الوالدين على الولد، ولذلك بدأ السياق بـ «الوحدانية»، ثم الأمر بعبادة الله وطاعته وحده، ثم الأمر بـ «الإحسان» بالوالدين، وهي إشارة إلى منزلة «الإحسان» بالوالدين عند الله تعالى.
ولكن السؤال:
إذا كان المسلمون قد عصوا الله بـ «تفرقهم في الدين»، وغاب عنهم الأصل الأول من أصول الإيمان، وهو «الوحدانية»، فهل تلزمهم أحكام القرآن، وفي مقدمتها الأمر بالإحسان بالوالدين؟!
* «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً»
إن «التنكير» في اللغة يدل على التعظيم، فكلمة «إِحْسَاناً» تعني إحساناً عظيماً، وذلك في مقابل إحسان الوالدين إلى الولد بكل ما يملكان من إمكانيات مادية ومعنوية.
ثانيًا:
إن سياق الآيات التي تأمر بـ «الإحسان» بالوالدين تنطلق من قاعدة «الوحدانية» وإخلاص العبودية لله تعالى، وهذه القاعدة يندر وجودها في عالمنا اليوم.
إن «الأولاد» الذين أمرهم الله بـ «الإحسان» إلى الوالدين، يخرجون إلى الدنيا ثمرة «معايير» الزواج التي يضعها كلٌ من الرجل والمرأة، والتي يتم على أساسها عقد «النكاح».
فهل يعلم الرجل، وهل تعلم المرأة، أن «الزواج» آية إلهية، تقوم على العلم بمسؤولية كل منهما «الشرعية» تجاه الأولاد، قبل إقامة بيت الزوجية، حتى يسهل على الأولاد الالتزام بقوله تعالى بعدها:
* «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا»
لقد اختار الله تعالى حالة الضعف والعجز التي يصل إليها الوالدان لأنها الحالة التي تظهر عندها حقيقة التزام الأولاد بـ «الإحسان» إلى الوالدين في الكبر، في مقابل «إحسان» الوالدين إليهم في الصغر.
وجاء بـ «أَحَدُهُمَا»، و«كِلاهُمَا»، ليجعل الحكم عليهما سواء، حتى لا يعتذر الولد عن عدم «إحسانه» بوالديه بأنهما اثنان، فكيف يُحسن إليهما معًا؟!
ثالثًا:
لقد وصل أمر «الإحسان» بالوالدين إلى درجة تحريم مجرد إظهار علامات الضجر وعدم الرضى بما يفعلانه:
* «فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً»
وليس فقط تحريم «التأفيف»، وإظهار «الضجر» بأي صورة من صوره، وإنما أيضا «الزجر» ورفع الصوت وإظهار مخالفتهما في الرأي بأسلوب يؤذي مشاعرهما.
ولذلك قال بعدها «وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً».
وكما كان الولد يعيش في أحضان والديه، فقد جاء الوقت الذي يعيش فيه الوالدان في أحضان أبنائهم:
* «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ»
ويستحيل أن يصل الولد إلى هذا المستوى من «التواضع» و«الإحسان» بالوالدين، دون تربية صالحة تجعله يدعو ربه ويقول:
* «وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً»
وعندما يأتي الدعاء بـ «الرحمة» في سياق الاعتراف بجميل الوالدين وفضلهما على الولد، فهذا معناه أنه يطلب من ربه أن يرحم والديه رحمة تكافئ تربيته صغيرا.
رابعًا:
ولما كان الأمر بـ «الإحسان» بالوالدين ينطلق من قاعدة «الوحدانية»، وإخلاص «العبودية» لله تعالى، فعلى الوالدين والأولاد أن يعلموا أن الله تعالى مطلع على ما في نفوسهم، ويعلم حقيقة ما فيها:
* «رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ»
* «إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً»
و«الأوّاب» هو الذي من عادته الرجوع إلى الله «تائبًا» عما وقع منه من تقصير أو أذية للوالدين، لأن «أوّاب» على وزن «فعّال» الذي يفيد «المداومة».
وقد ضرب الله مثلا لهذا الابن «الأوّاب» البار بوالديه، حيث قال في سياق الآية «١٥» من سورة الأحقاف:
* «…قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ»
* «وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ»«وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي»
إنها «منظومة إيمانية» متكاملة، فها هو يطلب من الله أن يجعل «الصلاح» ساريًا في ذريته، راسخًا في قلوبهم، ولكنه لم يقل «وَأَصْلِحْ لِي ذُرِّيَّتِي»، وإنما قال «فِي ذُرّيَّتِي».
إنه يعلم ماذا يريد لذريته، إنه يريد أن تتشرب قلوبهم «الصلاح»، فجاء بحرف «في» الذي يفيد التمكن، ولذلك كان جزاؤهم:
* «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ»
خامسًا:
ثم جاء الله تعالي بعدها ببيان حالة «الابن العاق»، وهنا سيظهر جليًا، كيف أن الأمر بـ «الإحسان» بال والدين ينطلق من قاعدة «الوحدانية»، وإخلاص «العبودية» لله تعالى.
لقد بدأ سياق الآية «١٥»، المشار إليها سابقا، بقوله تعالى:
* «وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً..»
وهذا الإنسان قد دعاه أبواه إلى دين الله الحق، ولكنه كفر به، وأهانهما:
* «وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا»
وسخر منهما لقولهما له إن الإنسان سيبعث من قبره بعد الموت:
* «أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي»
ويصر على كفره بدعوى أن القرون مضت، ولم يبعث أحد من القبور، وهما ينكران قوله هذا، ويستغيثان الله من كفره، ويطلبان من الله أن يهديه ويغيثه مما هو فيه:
* «وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ»
ولكنه يصر على كفره:
* «فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ»
والنتيجة:
* «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ»أي حقت عليهم كلمة العذاب.
* «إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ»
والسؤال:
هل نحن الذين نُربّي أولادنا، أم هم الذين يُربّوننا؟!
والجواب:
عندما أتحدث عن «ما هو كائن» أقول:
إن «الأولاد» هم الذين يُربّون «الوالدين».
أما «ما يجب أن يكون» أقول:
إن طوق النجاة في إقامة مجتمعات «الإيمان والعمل الصالح»، حيث يتربى «الأولاد» في بيئة «إيمانية» تنطلق من قاعدة «إسلام الرسول».
محمد السعيد مشتهري