سلسلة مقالات بدون عنوان ١٣

(326) 25/4/2015 (هل القرآن، في حاجة إلى تنقية؟)
عدد المشاهدات : 209
إنه من الخطورة بمكان، أن تُناقش قضايا تتعلق بملة «الوحدانية»، وأطراف الحوار لا يملكون «منهجية علمية»، يديرون على أساسها هذا الحوار!!
إن أول خطوة في «المنهجية العلمية»، هي ما يُعرف بـ «تحرير المصطلحات»، المستخدمة في الحوار، فعندما تتحدث عن «التراث الديني»، يجب أن تحدد ماذا تقصد بـ «التراث الديني»، هل هو أمهات كتب فرقة بعينها، أم أمهات كتب الفرق الإسلامية المختلفة، هل يشمل (القرآن)، أم أن (القرآن) خارج دائرة (التراث الديني)!!
إن كلمة (تراث) تعني، عند جميع التوجهات الفكرية العالمية المختلفة:
(مرجعية تاريخية) – (صناعة بشرية) – (اجتهادات بشرية) … كلها قد تصيب أو تخطئ!!
إن الذي يحفظ (التراث الديني)، لجميع الفرق والمذاهب المختلفة، هم أصحابه، والتابعون لهم، وقد يصحح التابعون تراث أئمتهم، وقد يطالبون بتنقيته!!
ولكن اللافت للنظر، والغريب حقا، هو اعتبار جهود أئمة الفرق والمذاهب المختلفة في حفظ تراثهم الديني، حفظا إلهيا!!
إن الذين يعتبرون القران «رواية»، ويقولون إنه لولا حفظ (القراء) للقرآن لضاع القرآن، تماما كما حفظ (الرواة) أحاديثهم النبوية…، هولاء لا يعلمون شيئا عن المنهجية العلمية في التفكير، لا دراسة ولا بحثا ولا تحقيقا..، وسأختصر هذه المنهجية، (في ما يتعلق بحجية القرآن)، في عدة نقاط:
أولا: أن تحدد مفهومك للقرآن:
١- هل هو كتاب إلهي، لا يأتيه الباطل مطلقا!!٢- أم كان كتابا إلهيا قبل وفاة النبي، ثم أتاه الباطل بعد وفاة النبي!!٣- أم هو أصلا كتاب بشري، صنعه محمد بن عبد الله!!
ثانيا: أن تحدد الفرق بين الكتاب الإلهي والكتب البشرية، من حيث الدور الذي يقوم به البشر في حفظهما، وهل حفظ البشر الكتب الإلهية التي سبقت القرآن؟!
ثالثا: هل يمكن أن ينزل الله تعالى كتابا علي (نبي) دون أن يؤيده بالآية الدالة على أنه (نبي)، مبلغ عن الله كتابه (رسالته)؟!
رابعا: إذا كانت (الآية الإلهية)، ضرورة منطقية، وهي الحجة التي يقيمها الله على الناس، فما هي (الآية الإلهية)، التي أيد الله بها رسوله الخاتم محمدا؟!
خامسا: إذا كانت (الآية الإلهية)، التي أيد الله بها رسوله الخاتم محمدا، (آية قرآنية)، وليست (آية حسية) تراها الأعين، كالتي أيد الله بها الأنبياء السابقين، فهل انتهى مفعول (الآية القرآنية) بوفاة النبي، أم هي مستمرة إلى يوم الدين؟!
بدون مناقشة هذه المسائل، على أساس المنهج العلمي في البحث والتحقيق، يكون من الأفضل، ألا يُقحم أطراف الحوار أنفسهم في موضوعات، يستحيل مناقشتها، بمعزل عن هذه المنهجية العلمية!!
«وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ – قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ – وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ»
«أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ – أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ – إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً – وَذِكْرَى – لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»
(327) 26/4/2015 (عندما تحكم ثقافة الرواية، فقه الآية)
عدد المشاهدات : 202
إن نسبة أي نص تشريعي إلى (النبي)، يجب أن تكون قطعية الثبوت عن الله، (وليس عن النبي)، فمقام «النبوة»، مقام «تلقي» عن الله، مقام (وحي)، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
لذلك، كان من الخطأ الكبير، أن يُدوّن المحدثون بعد قرنين من وفاة النبي، (على أقل تقدير)، كل ما تناقلته ألسن الرواة، من مرويات، منسوبة إلى (النبي)، تحمل أقوالا وأفعالا وتقريرات …، دون تمييز بين ما كان يحدث في «عصر التنزيل»، و(النبي) في «مقام النبوة»، هذا المقام الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بظروف وأحداث هذا العصر، والذي انتهت فاعليته بوفاة «النبي»..، وبين (النبي) وهو في «مقام الرسالة»، هذا المقام الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالنص القرآني، الذي حمل ما شاء الله أن يتضمنه القرآن، من أحداث «عصر التنزيل».
لقد نقل صحابة رسول الله إلى (التابعين)، ونقل التابعون إلى (تابعي التابعين) …، كل ما كان يحدث في عصر «التنزيل»، عصر «اكتمال الدين»، سواء كان (خاصا) بهذه المرحلة التشريعية الانتقالية، أو (عاما)، حمله القرآن لكل العصور، إلي يوم الدين.
ومن الأحداث الخاصة بـ «عصر التنزيل»، والتي ما كان للصحابة أن يتداولوها، وما كان للرواة أن ينقلوها إلى (عصر التدوين)، وما كان للمحدثين أن يُدوّنوها في كتبهم، وما كان لها أن تصل إلينا اليوم، عبر تراث الفرق والمذاهب المختلفة….، ما يُعرف بـ (حادثة الإفك)!!
إن القرآن لم يذكر شيئا عن تفاصيل (حادثة الإفك)، لا عن الذين شاركوا فيها، ولا عن المرأة التي أصابها…، وإنما أشار فقط إلى ما يمكن للناس كافة، على مر العصور، الاستفادة منه وهو:
«إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ (عَذَابٌ أَلِيمٌ) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»!!
وحذر الله تعالى، صحابة رسول الله، من تداول ونشر هذا (الإفك) بين الناس، فقال تعالى:
– «لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ»
– «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ (عَذَابٌ عَظِيمٌ)»
فهل التزم الصحابة بتحذير الله لهم؟! لا لم يلتزموا، والرسول مازال يعيش بينهم!!
ثم انظر إلى العقوبة التي كان من المفترض أن تصيبهم لولا أن الله تغمدهم برحمته: «لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ»!!
فهل معنى أن الله تعالى رحمهم، ولم يعاقبهم بهذا العذاب العظيم، وقد يكون ذلك بسبب ظروف هذه المرحلة التشريعية الانتقالية، من «عصر التنزيل»…، هل معنى هذا، أن يعودوا (بعد وفاة النبي)، لتداول ونشر تفاصيل هذا (الإفك)، ليصل إلى ألسنة الرواة، مع آلاف المرويات الأخرى، ثم يأتي (المحدثون)، فيدوّنوها في أمهات كتب (الحديث)، وتصبح من نصوص «السنة النبوية» واجبة الاتباع؟!!
هل تدبر الذين أشاعوا هذا (الإفك)، من صحابة، وتابعين، وتابعي التابعين…، ومحدثين، وعلماء الفرق والمذاهب، والمشايخ…، هل تدبروا قول الله تعالى:
«إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ – وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ – (مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) – وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً – وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ»؟!
إن قوله تعالى: «وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ – مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ»، من أقوى البراهين الدالة على سقوط ما يُسمى بعلم (الجرح والتعديل) من قواعده، ذلك لأن الحلقة الأولى من سلسلة حلقات (السند الروائي)، وهي الصحابة، قامت على أساس أن جميع الصحابة (عدول)، لا يستطيع أحد الاقتراب منهم بـ (جرح)، مهما فعلوا في حياتهم..، في الوقت الذي يُبيّن الله فيه، أن من الصحابة منافقين، ومنهم الذين نقلوا روايات هذا (الإفك)!!
فإذا كان الصحابة، الذين عاصروا هذه الحادثة (زمانا ومكانا)، تداولوا بينهم (روايات) باطلة، مفتراة…، فكيف بحال (الروايات)، التي نسبها الرواة إلى الصحابة، مرفوعة إلى النبي، ودوّنها المحدثون في أمهات الكتب، بعد قرنين من وفاة النبي، وادعوا أنها حملت (السنة النبوية)، التي أمر الله اتباعها؟!
هل تدبر جهابذة علم الحديث، من الفرق والمذاهب المختلفة، قول الله تعالى: (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) – (قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا) – (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)…، قبل تدوين ونشر روايات هذا (الإفك)؟!
وهل تدبر الأئمة، والمشايخ، والدعاة، قول الله تعالى: (يَعِظُكُمْ اللَّهُ) – (أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً) – (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)، قبل أن ينشروا، على منابر الدعوة الإسلامية، المحلية والفضائية، مرويات هذا (الإفك)؟!
ولكن السؤال: لماذا لم يُدخل أئمة الجرح والتعديل الصحابة، الذين أشاعوا هذا (الإفك)، دائرة (الجرح)، وقد استحقوا العذاب العظيم، بعد تداول ونشر روايات هذا (الإفك)، بعد وفاة النبي؟!
لماذا لم يستبعد أئمة التصحيح والتضعيف في عصر التدوين، هذه الروايات من التراث الديني كله؟! والجواب: على أمل أن يأتي جهابذة (علم الحديث)، في عصر من العصور، فيوحي الله إليهم بـ (الأحاديث النبوية) الصحيحة، التي خرجت على لسان (النبي)!!
ولكن الأهم من ذلك: هل كان رسول الله يعلم أسماء هؤلاء الذين شاركوا في تداول وإشاعة هذا (الإفك) بين الناس؟! الجواب: احتمال لا، لأن الله تعالى قال له:
«وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ، (لا تَعْلَمُهُمْ) نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ، سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ»!!
إذن، فعلى أي أساس شرعي، ذهب أئمة الجرح والتعديل، إلى أن الصحابة كلهم (عدول)، ومنهم من كان (النبي) لا يعرفهم؟!!
لقد قام (علم الحديث) عند أهل السنة، على قاعدة (عدالة الصحابة)، وقام عند الشيعة على قاعدة (عصمة الأئمة)، وعلى هذا الأساس، خرج كل (الصحابة)، عند أهل السنة، وخرج كل (الأئمة) عند الشيعة، من دائرة (الجرح)، فلماذا وضعوا هذه القواعد؟!
والجواب: لأنه لو سقطت الحلقة الأولى (الصحابة، والأئمة)، من (السند الروائي)، سقط (علم الحديث) كله، فكان من الضروري المحافظة على هذه الحلقة، والتنظير والتقعيد لها، بأي شكل، وبأي مبرر، حتى لو خالف هذا المبرر القرآن، وأدى إلى سفك دماء المخالفين لهذه التقعيدات!!
إنه من الخطر الكبير، أن نعتمد في فهم النص القرآني، على مرويات (مذهبية)، شقت طريقها بين المسلمين، وأخذت قدسية «النص القرآني»، بل وأصبحت تنافسه، بدعوى أنها حملت «السنة النبوية» المبينة للقرآن، والمكملة (والناسخة) لأحكامه!!
إن تفعيل النبي لآيات الكتاب، ثبت ثبوتا قطعيا عن النبي، في عصر الرسالة، وهذا التفعيل هو (سنة النبي)، التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بآيات الكتاب، فهل يُعقل، أن يتحول هذا الارتباط الوثيق بآيات الكتاب، إلي ارتباط وثيق بمرويات الفرق المختلفة، التي ظهرت بعد وفاة النبي؟!
إن كل ما يُتهم به (الإسلام) اليوم، من فتاوى استحلال الدماء والأعراض بغير حق، ومن سلبٍ لحرية المرء في الاعتقاد، والحكم على المخالف للمذهب بالردة، والتكفير والتفسيق بدعوى إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإعادة فتح أسواق (النخاسة)، لبيع وشراء النساء…، كل ذلك حدث بعد أن حكمت ثقافة (المرويات)، فقه (الآية القرآنية)، بدعوى اتباع (السنة النبوية)!!
إنه لا سبيل للخروج من أزمة التفرق والتخاصم بين المسلمين، ومن الخلافات الفقهية المتلاطمة الأمواج، إلا بتدبر كتاب الله تعالى، والتعامل معه باعتباره (الآية القرآنية)، التي حملت في ذاتها، البرهان على صدق من أنزلها، وصدق من بلغها.
«أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»
محمد السعيد مشتهري—————————-معلومات:
* الإفك: صرف الشيء عن حقيقته، كالصرف عن الحق إلى الباطل، ومن الصدق إلى الكذب، ومن الجميل في الفعل إلى القبيح.
* التصحيح والتضعيف: الأساس الذي قام عليه (علم الحديث)، وهو مسألة اجتهادية، خضعت لمذاهب أئمة الجرح والتعديل، لذلك لم يحدث اتفاق بين أئمة (الحديث)، ولا بين أئمة (الفقه)، حول عدد الأحاديث التي صحت نسبتها إلى النبي!!

(328) 27/4/2015 (هل لم يحفظ الله القرآن بعد وفاة النبي؟)
عدد المشاهدات : 208
فظ الله تعالي الكتب الإلهية (التي سبقت القرآن)، في حياة الرسل، ثم أسند حفظها إلى أتباع الرسل، ليبين لهم ماذا سيصنعون بها!!
لذلك تعهد الله تعالى بحفظ كتابه الخاتم (القرآن الحكيم)، لأنه رسالته إلى العالمين، وآيته الدالة على صدق (نبوة) رسوله محمد، إلى يوم الدين.
لقد أمر الله تعالى (أهل الكتاب)، أن يحفظوا (كتاب الله)، فقال تعالى في سورة المائدة (٤٤):
«بِمَا (اسْتُحْفِظُوا) مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ»
فهل حفظ (أهل الكتاب) كتاب الله؟!
إن أهل الكتاب لم يحفظوا كتبهم، وكتبوا بأيديهم كتبا نسبوها إلى الله، وقالوا هي من عند الله، تماما كما فعل أتباع النبي الخاتم محمد، (كتبوا كتب الأحاديث القدسية والنبوية)، فنزل القرآن يُبيّن كذبهم، فقال تعالى في سورة البقرة، يخاطب أهل الكتاب:
«فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ…»
فويلٌ لكل أتباع الرسل، الذين كتبوا كتبا، ونسبوها إلى الله، وقالوا هي الوحي الثاني، الذي حمل المصدر الثاني للتشريع!!
إن من حق أي إنسان أن يعتقد ما شاء، وأن يقول ويكتب ما شاء، ولكن ليس من حقه، أن يدخل مقام (العلم)، دون أن يكون (عالما) بما يكتب، وبما يقول، فيستند في ادعائه تحريف القرآن، إلى آية لا علاقة لها بالقرآن أصلا، فقال تعالى مخاطبا أهل الكتاب:
«وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ – لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ – وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ»
«فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ – ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ – لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً – فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ – وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ»
(329) 1/5/2015 (هل رواة الحديث، هم الذين حفظوا القرآن؟!)
عدد المشاهدات : 667
هل ترك الله (القرآن) للصحابة، يحفظونه، فاختلفوا فيه، حتى جاء الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ت ٣٥ هـ)، فجمعهم على مصحف واحد، وحرق كل النسخ التي كان حولها خلاف؟!
وإذا كان الأمر كذلك، فمن الذي نشر ما كان بين الصحابة من خلاف حول آيات الكتاب، حتى وصلت إلى عصر التدوين، فدوّنها المفسرون والمحدثون في أمهات الكتب، حسب توجهاتهم العقدية والتشريعية، لتصل إلينا اليوم على هذا الحال المأسوي؟!
إن (القرآن) بريء من كل ما دونه المفسرون والمحدثون من مرويات، سواء كانت عن (جمع القرآن)، أو عن غيره، وبرهان ذلك، أن الله تعالى لو أسند جمع القرآن للصحابة، لوصل إلينا روايات مذهبية، كما وصلت مرويات المحدثين، كلٌ حسب مدارسته في الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف، وهي مسألة لا خلاف عليها بين أهل البصيرة!!
وانظر وتدبر، ماذا قال الله تعالى عن قضية (جمع القران):
«لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» – «إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ»!!
إن قضية (جمع القرآن)، فتنة كبرى، أشعلها المحدثون، خاصة أتباع السنة والشيعة، فالسنة يتهمون الشيعة بتحريف القرآن، وأن عندهم قرآنا غير القرآن الموجود بين أيدي المسلمين، والشيعة يتهمون السنة بتحريف القرآن، والتقول على الله بغير علم!!
ومن (المرويات)، التي يتهم فيها الشيعة السنة بتحريف القرآن، ما رواه البخارى في صحيحه، (4944)، حيث قال:
(حدثنا عمر، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء فطلبهم فوجدهم، فقال أيكم يقرآ عليَّ قراءة عبد الله؟! قال: كلنا، قال فأيكم أحفظ؟! فأشار إلى علقمة قال: كيف سمعته يقرأ «والليل إذا يغشى»؟! قال علقمة: «والذكر والأنثى»، قال أشهد أني سمعت النبي يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ: «وما خلق الذكر والأنثى»، والله لا أتابعهم)!!
إن معظم (مرويات) الفرق المختلفة، حول (جمع القرآن)، تطعن في حفظ الله للقرآن، فماذا لو أن الله تعالى أسند مهمة حفظ القرآن للصحابة، كلٌ حسب إمكاناته الثقافية والمعرفية!!
تعالوا إلى إشكالات رواية البخاري، وهي كثيرة، لذلك سأذكر بعضها:
أولا: اختلاف الصحابة حول صحة آية في كتاب الله!!
ثانيا: يُقسم أحد الصحابة بالله، أن رسول الله علمه الآية، الموجودة في المصحف اليوم، في سورة الليل، وهي: «وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى»، علمه إياها هكذا: «وَالذَّكَرَ وَالأُنْثَى»، بدون جملة «مَا خَلَقَ»!!
ثالثا: يصر فريق من الصحابة، أن الآية التي بها جملة «مَا خَلَقَ»، هي الصحيحة!!
رابعا: إن هذا الخلاف حدث بعد وفاة النبي، ولم يحدث في «عصر التنزيل»، وهذا معناه أن (النبي) تُوفي، ولم يكن (القرآن) كتابا، والله تعالى بيّن في أول سورة البقرة، أن الآيات القرآنية التي كانت تتنزل على رسول الله، ستؤول في النهاية إلى كتاب قبل وفاته، وهذا ما يُفهم من وجود اسم الإشارة (ذلك)، فقال تعالى: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ»!!
فهل يُعقل، أن يتوفى رسول الله، ولم يكن كتاب الله قد جُمع، انتظارا للجمع الأخير، الذي قام به الخليفة الثالث عثمان بن عفان؟!
سادسا: إن حذف جملة «مَا خَلَقَ» من الآية، ليس قراءةً من (القراءات)، كما قد يدعي البعض، لأنه على فرض أنها كانت من (القراءات)، ما حدث حولها خلاف بين الصحابة!!
سابعا: إذا كانت مشكلة المصاحف المختلفة، والقراءات المتعددة، والآيات التي زيدت ونقصت من كتاب الله..، هذه الإشكالات التي تدّعي كتب (علوم القرآن) أنها كانت منشرة بين الصحابة، إذا كانت قد انتهت بالجمع الأخير، فما سر تداول الصحابة لها بعد ذلك، ثم كيف يقوم المحدثون بتدوينها في أمهات الكتب، وهي تهدم ما قام به الخليفة الثالث؟!
لقد حملت أمهات كتب (علوم القرآن)، عشرات الروايات التي تطعن في صحة نسبة القرآن إلى الله تعالى، والتي لم يستطع أحد من المحدثين حذفها، خشية المساس بحجية جميع (المرويات) المنسوبة إلى النبي، فما علاقة حجية هذه (المرويات) بحجية (القران)؟!
لقد ابتدع المحدثون قاعدة، تعطي شرعية لمروياتهم، فقالوا: إن الذين حفظوا (القرآن)، ونقلوه إلينا، هم الذين حفظوا (الحديث) ونقلوه إلينا!!
ثم قالوا: إن هذا القرآن، نُقل إلينا بالرواية، تماما كما نُقلت مرويات الحديث، فإذا شككنا في رواية الحديث، شككنا في رواية القرآن!!
ثم وضعوا على هذا الأساس قاعدة أخرى تقول: إن حجية (القرآن) ثبتت بالرواية، كما أن حجية (الحديث) ثبتت بالرواية!!
ثم خرجوا بنتيجة: إن التشكيك في (حجية الحديث)، يعد تشكيكا في (حجية القرآن)!!إن هذه المصيبة الكبرى، التي حلت بالفكر الإسلامي، ظهرت بعد تفرق المسلمين إلى فرق عقدية وتشريعية، وبعد أن هجرت قلوبهم كتاب الله، هذا الذكر الحكيم، الذي بيّن للناس جميعا ما يلي:
أولا: أن حفظ (الذكر) ليس معناه حفظ أوراق المصحف من أن يمسّها أحد بسوء، أو حفظ سور القرآن من أن يقلدها أحد، ويكتب سورا مشابهة لها!!
لقد حرق أعداء (الإسلام) المصاحف، وكتبوا جملا يحاكون فيها الجمل القرآنية، وأطلقوا على كتاب من كتبهم اسم (الفرقان الحق)…، فهل شلّ الله أيديهم؟! هل خسف الله بهم الأرض؟! إن كتاب (الفرقان الحق)، موجود على شبكات التواصل الاجتماعي، إلى يومنا هذا!!
ثانيا: إن الله تعالى عندما طلب من أهل اللسان العربي أن يأتوا بمثل سور القرآن، ولم يستطيعوا، لم يكن ذلك بسبب عدم قدرتهم على تقيلد الجمل القرآنية، وإعادة صياغتها بأسلوبهم الخاص، كما فعل أصحاب (الفرقان الحق)!!
إن السبب: أنهم يعلمون، أن المطلوب ليس فقط تقليد الجمل، وإنما أن يأتوا (بمثلها)، والمثلية هنا لا تشمل فقط الإتيان بمثل (الجملة القرآنية)، وإنما أيضا بمثل (الآية القرآنية)، والفرق كبير، بل لا وجه للمقارنة أصلا، لذلك قال تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا – وَلَنْ تَفْعَلُوا)!!
ثالثا: إن العلاقة بين (الرسول)، و(القرآن)، و(الكون)، منظومة متكاملة، يستحيل أن يخترقها إنس ولا جان، ومن الآيات القرآنية التي جاءت تبيّن هذه العلاقة، قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ، وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ»؟!
تدبر العلاقة بين الرسول (إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)، والكون (مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، والقرآن (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)!!
فهل يُعقل، أن يكون الذين نقلوا (حديث الله)، الذي تشهد له هذه المنظومة الكونية المحكمة، هم الذين نقلوا مرويات (المصدر الثاني للتشريع)، بمدارسه المذهبية المختلفة؟!
عندما طلب المكذبون برسالة النبي الخاتم محمد، عليه السلام، الآيات الحسية، نزل القرآن يبين لهم، أن هذا القرآن، قد حمل في ذاته، الآية الدالة على أنه من عند الله، فقال تعالى:
«وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ»
ثم تدبر ماذا قال الله بعدها:
«أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ، أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى، لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»؟!
إن مسألة مساواة حجية (المرويات) بحجية (القرآن)، لإعطاء قدسية لهذه (المرويات)، على مستوى الفرق الإسلامية المختلفة، بدعوى أن العامل المشترك بينهما، هو (السند الروائي)…، إنها مصيبة كبرى، في حق الدين الذي ارتضاه الله للناس جميعا، وقال عنه:
«وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً، (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ»
فأي إسلام سيقبله الله تعالى:
الإسلام الذي قام على مرويات (جمع القرآن)، حسب مرجعيات (أهل السنة)، أم حسب مرجعيات (الشيعة)؟!
أفلا يتدبرون .… أفلا يتفكرون …. أفلا يعقلون ….!!
محمد السعيد مشتهري
علوم القرآن:أنواع المعارف والعلوم المتصلة بالقرآن الكريم، سواء كانت خادمة له، أو دل القرآن على مسائلها وأحكامها، كعلم التفسير، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ…، ولكل فرقة من الفرق الإسلامية، العلوم الخاصة بها. المصدر الثاني للتشريع:وحي ثان، يدّعي أئمة كل فرقة، أنه نزل ليفسر القرآن، ويستكمل أحكامه، فإذا نظرنآ إلى الروايات التي نسبها الرواة إلى النبي، على أساس أنها وحي من الله، وجدنا بينهم اختلافا كبيرا!!

(330) 5/5/2015 (نظرية (المؤامرة) الإلكترونية)
عدد المشاهدات : 220
جاءتني رسالة من (سيد عبد الله)، أحد أنصار (الفُرقة والمذهبية)، كما يشهد بذلك حسابه، قال فيها:
«نموذج مصغر من طرق اليهود فى التحكم فى الخواطر والأفكار، كما هو واقع عليك»!!
وأرسل الرابط، الذي يعتبره دليلا على أن اليهود هي التي تتحكم في أفكاري، وهو:
فعندما استمعت إلى هذا المقطع من الفيديو، ضحكت كثيرا، ولم أتصور أن الأمر، قد وصل بأنصار (الفُرقة والمذهبية)، إلى هذا الحد من التغييب العقلي!!
الفيديو عبارة عن إعلان عن (لعبة)، لطائرة (هليكوبتر)، يحركها الإنسان عن طريق (المخ) وليس عن طريق الريموت كنترول، كما هو معتاد!!
وفكرة هذه اللعبة باختصار، أن يوضع جهاز حول الرأس، يلتقط الإشارات من المخ الخاصة بتوجيه الطائرة، حسب ما يريد الإنسان، وجهاز آخر (في حجم الموبايل)، يضعه أمامه، ليكون هو الوسيط بين الطائرة وما يصدره المخ من إشارات!!
إذن فآلية عمل هذه اللعبة هي (إخراج) إشارات من المخ، وليس (إدخال) إشارات إليه، فما علاقة تحكم اليهود في أفكاري، يا أستاذ (سيد عبد الله)، وهذا التحكم لا يكون إلا بعملية (إدخال) الأفكار، وليس بعملية (إخراجها)؟!
إن الإنسان، (الجاهل)، المقلد بغير علم، هو الذي يترك مخه لليهود والإسرائيليات تعبث به، وللمرويات تدمره، وهذا ما وجدته على حسابك، ويكفيك مثالا واحدا!!
تقول في (٢٣- ٤- ٢٠١٥)، تحت عنوان: من أين أقرأ تاريخ الأمة؟!: (اعلم أخى فى الله، أن كل الروايات التاريخية، من عصر الصحابة، رضي الله عنهم، لها إسناد متصل الى الوقت الحالى، تماما مثل القراءن والحديث).
أقول: إن الذين يؤمنون بما جاء في هذا النص، إن ماتوا ولم يخلعوا ثوب (المذهبية)، فإنهم سيموتون مشركين بالله تعالى، لسببين:
الأول: يقول الله تعالى، محذرا رسوله والذين آمنوا معه، من الشرك: «مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» – «مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»!!
إذن فالتفرق في الدين (شرك بالله تعالى)!!
ثانيا: أنك من المستهزئين بـ (القرآن)، لأنك جعلت كلام الله مثل كلام (المؤرخين) و(المحدثين)، بدعوى أن (السند الروائي) للكل متصل، وهذا دليل على أنك لا تعلم (شيئا) عن آلية حفظ الله للقرآن، ولا عن علم الجرح والتعديل (المذهبي)، ولا عن أزمة تدوين أمهات كتب (الحديث)، عند جميع الفرق المختلفة!!
ولأنك أقحمت نفسك في ما ليس لك به علم، فعليك أن تأتي، وتعليقا على هذا المنشور، بعنوان كتاب واحد، من كتب (الحديث)، دوّنه صاحبه في القرن الأول الهجري!!
ولا تحدثني عن سند روائي متصل، معلق في الهواء، أي ليس له على الأرض مدونات تشهد له بهذا الاتصال، حتى وإن كان هذا السند متصلا برسول الله (أي مرفوعا)، فصناعة (السند الروائي المتصل)، والمعلق في الهواء، كانت هي طوق النجاة الوحيد، لتغطية المحدثين لأزمة قرن من الزمن (على أقل تقدير)، لم يشهد كتابا واحدا، من أمهات كتب الحديث، التي يقيم عليها (المذهبيون) اليوم، مصادرهم الثانية للتشريع!!
وإنا منتظرون…..
«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»
(331) 8/5/2015 (صورة مقال “كل ما روي عن النبى لا قيمة له أمام القرآن” والمنشور بجريدة التحرير في 23/8/20414)
عدد المشاهدات : 230
أذكركم بمحاور الحوار، الذي أجرته معي صحيفة التحرير، في ٢٣ أغسطس ٢٠١٤م، لأهميته في هذا الوقت، وهو مدوّن في منشورات على هذه الصفحة، في هذا التاريخ، بما في ذلك ما تم حذفه بمعرفة الصحيفة

(332) 9/5/2015 (سنة الإيمان الوراثي، وسنة الإيمان العلمي)
عدد المشاهدات : 219
إن المنهجية العلمية، في الدراسة والبحث والتحقيق، تقوم على طلب (البرهان) المثبت للحقائق التي يريد الباحث التوصل إليها، «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ»!!
فأين البرهان الدال على أن مفهوم (السنة النبوية)، مفهوم (مذهبي)، يعني: كل ماصدر عن النبي، من قول أو فعل أو تقرير…، حسب اجتهادات أئمة الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف؟!
إن غياب المنهجية العلمية عن الفكر الإسلامي، كلف المسلمين خسائر كبيرة، في جميع المجالات العلمية، مما جعلهم في مؤخرة التقدم الحضاري.
لقد أقام أئمة الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة، مذاهبهم، على مناهج ونظريات وقواعد، تخدم توجهاتهم (العقدية والتشريعية)، فأصبح لكل فرقة، مصادرها التشريعية الخاصة بها، ومروياتها المنسوبة إلى رسول الله، التي إن صحت عندها، لم تصح عند الفرق الأخرى!!
فهل يُعقل، أن يجعل الله تعالى (المرويات) الظنية الثبوت عن الرواة، وليس حتى عن رسول الله، يجعلها مصدرا تشريعيا ثانيا، مبيّنا ومكملا لأحكام القرآن، ويكون هو (السنة النبوية) التي يكفر منكرها؟!
وهل قدم أئمة كل فرقة، لأتباعهم المقلّدين بغير علم، الذين فهموا أن الإسلام هو إسلام (الفرقة) التي ينتمون إليها، وأن علماء الإسلام هم علماء (الفرقة)، وأن (السنة النبوية) الصحيحة، هي التي حملتها مرويات (الفرقة)..، هل قدم هؤلاء الأئمة، برهانا واحدا، يثبت صحة هذه الادعاءات؟!
إنني، ومنذ نهاية السبعينيات، وخلال رحلتي من الإيمان الوراثي (المذهبي)، إلى الإيمان (العلمي) اليقيني..، لم أجد إماما من أئمة الفرق الإسلامية، يملك برهانا واحدا، على أن (نصوص) الدين التي ارتضاها الله للناس جميعا، هي آيات (الكتاب)، ومرويات (السنة) المذهبية!!
فهل يوجد مسلم، على هذه الأرض، يشك في صحة نسبة آيات (الكتاب)، إلى الله تعالى؟!!
الجواب: لا، لا أحد من المسلمين (مطلقا)!!
وهل يوجد مسلم، على هذه الأرض، يشك في صحة نسبة (مرويات) الفرق المختلفة إلى رسول الله؟!
الجواب: نعم، يوجد الكثير والكثير …، وفي مقدمتهم علماء الجرح والتعديل!!
إنني لم أجد برهانا واحدا، يثبت صحة نسبة (مرويات) الفرق المختلفة إلى الله تعالى، ولا حتى إلى رسول الله..، وإنما وجدت أن صحة هذه النسبة، لا تتعدى الرواة الذين نقلوا هذه (المرويات)، وهذا يتوقف على شروط علماء الجرح والتعديل، وخاصة شرط (العدالة)، وهل هذا الشرط، يشمل جميع الصحابة، وهم الحلقة الأولى من سلسلة حلقات (السند الروائي)، أم يشمل فريقا منهم..، هذا الإشكال الكبير، القائم بين أكبر فرقتين من الفرق الإسلامية، السنة والشيعة؟!!
فهل يُعقل، أن يؤمن المسلمون بمرويات مصدر تشريعي، لا برهان على أنها شريعة إلهية، ولا على أن الرسول أشرف على تدوينها بنفسه، ولم يشهد عصر (الخلافة الراشدة) مدونة واحدة باسمها؟!
هل يُعقل، أن تُسفك الدماء بغير حق، استنادا إلى (مرويات) مصدر تشريعي، إن صحت عند فرقة، لم تصح عند أخرى، وإن صحت عند (مذهب فقهي) من مذاهب الفرقة الواحدة، لم تصح عند آخر؟!
فكيف ندعو إلى محاربة الإرهاب، والتطرف الديني، والمؤسسات الدينية تقوم على حراسة المرجعيات التي يستند إليها الإرهابيون، في إثبات شرعية أعمالهم، التي تتم تحت سمع وبصر هذه المؤسسات الدينية، وتحت راية العمل بالكتاب والسنة؟!
لقد كنت حريصا، خلال رحلتي من الإيمان (الوراثي)، إلى الإيمان (العلمي)، أن أجري حوارات مع علماء من الفرق الإسلامية المختلفة، وكان المحور الأساس لهذه الحوارات، هو الوقوف على مفهوم (السنة النبوية)، وحكم من ينكرها، وذلك بطرح عدة أسئلة:
أولا: ما هو مفهوم (السنة النبوية)، من وجهة نظر أئمة كل فرقة؟!
ثانيا: ما هي المصادر التي تستقي منها كل فرقة نصوص (السنة النبوية)؟!
ثالثا: هل أجمع علماء الجرح والتعديل، عند جميع الفرق، على عدالة وجرح رواة (السنة النبوية)؟َ!
رابعا: هل قولهم إن هذا الحديث (صحيح)، يعني أن الرسول قاله؟!
خامسا: ما موقف علماء كل فرقة من باقي علماء الفرق الأخرى؟!
ولقد كان من الطبيعي، أن أجد إجماعا حول المفهوم المذهبي لـ (السنة النبوية)، وهو: كل ما صدر عن (النبي) من قول أو فعل أو تقرير… ، في الوقت الذي يختلفون فيه اختلافا كبيرا، وجذريا، حول حجية مصادر (السنة النبوية)، ومن ذلك:
أولا: لا تعتبر مرويات (السنة النبوية) حجة، إلا إذا كان الرواة، ينتمون إلى الفرقة أو إلى المذهب، الذي ينتمي إليه علماء الجرح والتعديل، فقد فوجئ علماء الجرح والتعديل، لفرقة أهل السنة (على سبيل المثال)، بعد قرن من تدوين المحدثين لأمهات كتب الحديث، أن عددا كبيرا من الرواة المذكورين في كتب أهل السنة، ليسوا من أهل السنة، وإنما من أتباع فرق أخرى، فما كان منهم إلا أن أضافوا في كتبهم، (عن رواة الشيعة)، هذه العبارات:
(فلان ثقة إلا أنه رافضي) – (إلا أنه رمي بالتشيع) – (إلا أنه مغال في التشيع) – (يروي أحاديث في فضائل أهل البيت) – (من شيعة عليّ) – (كان معروفا بالتشيع من غير سب) – (كثير العبادة والغزو، لكنه شيعي)…، إلى آخر التعبيرات التي تعني رفض رواية الشيعي، أو تضعيفها!!
وهكذا كان موقف الشيعة من رواة أهل السنة، فقالوا: فلان (ناصبي)، لا تقبل روايته.ثم انظر ماذا يعني قولهم: «فلان كان معروفا بالتشيع (من غير سب)»، والذي يعكس حال المسلمين، بعد أحداث (الفتن الكبرى)، وتفرقهم إلى طوائف متصارعة، يسب بعضهم بعضا، تحت رعاية الدولتين الأموية والعباسية، وبرهان ذلك مفصل في تاريخ الفرق والمذاهب الإسلامية!!
ولذلك، لم تنجح جهود التقريب بين الفرق والمذاهب المختلفة، (ولن تنجح)، بعد أن تشربت قلوب أتباعها، أزمة التخاصم والتكفير، وأصبحنا نرى اليوم، أئمة وعلماء كل فرقة، يتحدثون عبر الفضائيات، باسم (الأمة الإسلامية)، وباسم (السنة النبوية) الصحيحة!!
ثانيا: لا تعتبر (توثيقات)، و(توهينات)، علماء الجرح والتعديل حجة، فقد مرت بعصور زمنية مختلفة، في غياب الإشراف العلمي من قبل (الخلافة الإسلامية)، التي لديها إمكانات البحث والتحري عن أحوال الرواة…، لذلك أخذ (السند الروائي) ينمو وينمو، حتى توقف عند عصر تدوين علماء الجرح والتعديل لكتبهم، ولم يظهر كتابا واحدا من أمهات كتب الجرح والتعديل، باسم (الخلافة الإسلامية)، ودُوّن تحت إشرافها!!
ثالثا: إن اختلاف الرواة، والمحدثين، وعلماء الجرح والتعديل..، حول صحة الحديث وضعفه، يُسقط حجية الحديث من قواعده، هذا إذا اعتبرناه نصا تشريعيا إلهيا واجب الاتباع، ذلك أن الحكم على الراوي جرحا أو تعديلا، يخضع لوجهات نظر المحدثين، وعلماء الجرح والتعديل، بل قد تتعارض أقوال الجارحين والمعدلين في الراوي الواحد، فيوثقه بعضهم ويجرحه آخرون، وبرهان ذلك مُفصّل في أمهات كتب الجرح والتعديل!!
رابعا: إن قول علماء الحديث (هذا حديث صحيح)، إنما يقصدون بهذه الصحة ظاهر الحال لا حقيقا، فقد يصح الحديث وفق شروطهم في ظاهر الحال، بينما هو باطل في حقيقته، وذلك لمضي قرن ونصف من الزمن، (على أقل تقدير)، على ما وصل إليهم من معلومات عن الرواة، وما حملوه من مرويات، عبر رحلتها إلى عصر التدوين!!
لقد كانت تربطني بفضيلة الشيخ محمد الغزالي قنوات اتصال علمية، وكنت قد قدمت له دراسة بعنوان «نحو تأصيل الخطاب الديني»، هي خلاصة ما توصلت إليه من نتائج، بعد دراستي للأصول العقدية التي قامت عليها الفرق والمذاهب المختلفة!!
ثم صدر كتاب الشيخ الغزالي «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»، فقوبل بسيل من الاتهامات، وحكمت عليه بعض المذاهب السلفية بالردة والكفر…، فذهبت إلى رئيس لجنة الفتوى بالأزهر، د/ عبد الله المشد، وأعطيته هذه الدراسة، «نحو تأصيل الخطاب الديني»، وطلبت من لجنة الفتوى، أن تجيب على هذا السؤال:
«ما حكم من أنكر استقلال السنة، بإثبات الإيجاب والتحريم، هل يعد كافراً؟!»
وجاء رد لجنة الفتوى، في (١- ٢ -١٩٩٠م) على النحو التالي:
«من أنكر استقلال السنة بإثبات الإيجاب والتحريم، فهو منكر لشيء اختلف فيه الأئمة، ولا يعد مما علم بالضرورة، فلا يعد كافراً».
وقد قمت بتقديم هذه الفتوى إلى فضيلة الشيخ الغزالي، فقام بنشرها في كتابه «تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل»، الفصل التاسع، على هامش السنة!!
وأقول: إن (السنة النبوية)، (حقيقة قرآنية)، ولكن كيف؟! بيان ذلك في المقال القادم.
«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ (الْقُرْآنَ) ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ (غَيْرِ اللَّهِ) لَوَجَدُوا فِيهِ (اخْتِلَافًا كَثِيرًا)»!!
محمد السعيد مشتهري
معلومات
* الإيمان الوراثي: هو الإيمان الذي يرثه الأبناء عن الآباء، القائم على التقليد والمحاكاة بغير علم، (بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)، والذي يجب أن يعيد المرء النظر فيه، بعد بلوغه النكاح، واكتمال رشده!!
* فلان (رافضي): مصطلح، يستخدمه علماء الجرح والتعديل، لفرقة أهل السنة، يصفون به من رفض خلافة أبي بكر، ويقصدون به (الشيعة)!!
* فلان (ناصبي): مصطلح، يستخدمه علماء الجرح والتعديل، لفرقة الشيعة، يصفون به من ناصب العداء لعلي بن أبي طالب، ويقصدون به (أهل السنة)!!

(333) 14/5/2015 (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)
عدد المشاهدات : 252
خلق الله تعالى الإنسان بغرائز وشهوات، منها الميل الفطري للنساء، الذي كان له الدور الرئيس في إقامة هذا الوجود البشري، وقد وضعت له الشريعة الإلهية حدودا وضوابط آمنة، تعصمه من الوقوع في دائرة المحرم، يقول الله تعالى:
* « زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ (النِّسَاءِ) وَالْبَنِينَ … »
ومن هذه الضوابط، الأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، والنهي عن إبداء المرأة (زينتها)، إلا ما ظهر منها، بحكم الحاجة والضرورة الوظيفية، كالعينين، والأنف، والفم، وهي مكونات (الوجه)، المحددة لملامح شخصية المرأة، فقال تعالى:
* «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا»
ونلاحظ أن الله لم يقل (إلا ما أظهرته منها)، وذلك لبيان، أن كشف المرأة وجهها، أمر حتمي، لا خيار لها فيه، لذلك أعقب ذلك مباشرة بقوله:
* «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»
وذلك لبيان العلاقة، بين كشف المرأة وجهها، المستثنى في قوله تعالى «إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا»، وضرب المرأة (خمارها) على الجيب.
و(الجيب)، فتحة في لباس المرأة، وغالبا ما تأخذ شكل المثلث المقلوب، تمكنها من إخفاء الحاجات، ووضع حزام حول وسطها، يمنع سقوطها.
لذلك أمر الله المرأة، بضرب (الخمار) على الجيب، حتى لا يظهر جزء من عنقها وصدرها، وكان هذا من تشريعات (عصر التنزيل)، التي نزلت لعلة تعديل عرف كان قائما!!
ثم أعقب ذلك مباشرة، بنهي المرأة عن إبداء زينتها (عموما)، إلا ما استثنتهم الآية، بعد أداة الاستثناء الثانية، حيث يقول تعالى:
* «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ….»
وحسب مشروعي الفكري، في فهم القرآن، فإنني أفهم (الخمار) من مصدرين هما:(اللسان العربي)، و(منظومة التواصل المعرفي).
١- (اللسان العربي):
باختصار، يقول ابن منظور، في لسان العرب، والذبيدي، في تاج العروس:الخِمار: كل ما ستر شيْئاً فهو خماره، ومنه خمار المرأة، وهو ثوب تغطِّي به المرأة رأسها، ومنه العِمامة، لأن الرجل يغطِّي بها رأسَه، فالمرأة تغطي رأسها بالخمار، والرجل يغطي رأسه بالعمامة.
٢- (منظومة التواصل المعرفي):
في علم السياق، عندما يُشار إلي شيء، دون بيان ماهيته، فهذا يعني أن هذا الشيء، من المعارف المتواصلة، التي يتوارثها الناس…، ولقد كان العرب يعلمون، قبل نزول الآية (٣١) من سورة النور، ما هو (الخمار)، وكيفية لبسه!!
ولقد ورث الناس (الخمار)، على أنه غطاء للشعر، بصرف النظر عن اختلاف أشكاله، واختلاف مللهم، بل إن هناك حول العالم اليوم، قرى غير مسلمة، يلبس نساؤها الخمار، كغطاء للرأس دون الوجه.
إن لفظة (الخمار)، ومادة (خمر) في (اللسان العربي)، وفي (السياق القرآني)، تعني تغطية الرأس تحديدا، سواء كانت تغطية معنوية (السُكر)، أو مادية (تغطية الشعر)، ولو كان (الخمار) يعني خلاف ذلك، لوجب إضافة الشيء المراد تغطيته إليه، حتى لا يُترك حكمه الشرعي، الذي يتعلق بالحل والحرمة، لأهواء البشر!!
لقد أباح الله كشف (الوجه)، لأن في ذلك تفعيل لمهمته التي خلقه الله من أجلها، ثم أمر بضرب (الخمار) على الجيوب، لبيان أن (الشعر)، و(الأذن)، و(الرقبة)، خارج دائرة المباح كشفه، استنادا إلى مفهوم (الخمار)، الذي كان معروفا عند العرب، قبل نزول القران!!
فإذا علمنا أن الله تعالى، اشترط على (القواعد من النساء)، وهن النساء اللاتي لا تتحرك الشهوة تجاههن، بل ولم تعد لديهن رغبة فيها أصلا، اشترط عليهن، عدم إظهار زينتهن الخفية، إذا أردن التخفف من بعض الثياب، فقال تعالى:
«وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ – اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا – فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ – أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ – (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) – وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ – وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»!!
إذا علمنا ذلك، فلنا أن نتصور حجم الفتنة التي يعلمها الله تعالى، إذا أظهرت المرأة زينتها التي أمرها الله أن تخفيها؟!!
فأنت إذا نظرت إلى فتاة ترتدي خمارها فأعجبتك، وتقدمت لخطبتها، ثم تزوجتها، فخلعت الخمار، وظهرت لك بشعرها وعنقها، فإنك سترى امرأة في حسنها، غير التي عرفتها فترة الخطوبة، ويومها ستعلم الحكمة الإلهية، في إخفاء هذا الجزء المكمل لحسن النساء.
«وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ» – «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»
ملاحظة:نظرا لحساسية هذا الموضوع، بالنسبة لكثير من أصحاب القراءات القرآنية المعاصرة، وحتى لا نُشغل أصدقاء الصفحة، بـ (كلام مرسل)، لا برهان عليه، أرجو من أصحاب التعليقات، الالتزام بما جاء في المنشور، ومناقشة الحجج والبراهين التي وردت فيه.
(334) 16/5/2015 (عقد النكاح على كتاب الله، وسنة رسوله)
عدد المشاهدات : 3٬750
مشكلة كبيرة جدا جدا، وأزمة (عقدية) تُفسد معظم عقود النكاح، التي تمت وتتم، بين أتباع الفرق والمذاهب المختلفة، أن يقوم عقد النكاح، على قاعدة باطلة أصلا، حذر الله تعالى المسلمين من إقامة دينهم عليها، وهي قاعدة (التفرق في الدين)، يقول الله تعالى:
«مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ – وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ – وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» – «مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا -كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»
إن هذا النص القرآني، قطعي الثبوت عن الله تعالى، قطعي الدلالة، لا خلاف على فهمه مطلقا بين العقلاء، فهل فعلا فرّق المسلمون دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون؟!
نعم، بإجماع العقلاء الذين يسكنون هذه الأرض، وبدون أدنى شبهة!!
وهل إذا مات أتباع الفرق والمذاهب الدينية اليوم، ولم يخلعوا ثوب (الفُرقة والمذهبية)، ماتوا مشركين؟!
نعم، بشهادة الله تعالى، وبشهادة الرسول الذي أمره الله قبلها فقال له:
«فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا – فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا – لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ – ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ – وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»
إن تاريخ الصراع الدموي، بين الفرق والمذاهب الإسلامية، يجب أن يعلمه كل من أراد (أرادت) الزواج، وأن يعلم، أن المذاهب الفقهية التابعة لكل فرقة من الفرق الإسلامية، قامت أصلا على اختلاف المحدثين، حول صحة (الحديث) وضعفه، فالذي صح عنده (حديث)، أقام عليه فتواه بالحرمة (أو الحل)، والذي لم يصح عنده ذات (الحديث)، أقام عليه فتواه بالحل (أو الحرمة)!!
إن هذه (الأحاديث)، التي نسبها الرواة إلى النبي، يقول فقهاء المذاهب المختلفة، إنها مرجعيتهم في الإفتاء، لأنها التي حملت (السنة النبوية) واجبة الاتباع، وعلى هذا، فإذا قام عقد النكاح على (كتاب الله)، و(سنة رسوله)، ومذهب (أبي حنيفة)، أو غيره…، فهذا معناه أن الزوجين قد أتما دراسة كتاب الله، وسنة رسوله، ومذهب أبي حنيفة، قبل عقد النكاح، وبصفة خاصة الأحكام الشرعية التي وردت في هذه المصادر!!
لماذا؟!
لأن عقد النكاح مثل باقي العقود المدنية، يجب الالتزام ببنوده وشروطه، فأين عقد النكاح هذا، الذي درس أطرافه (الكتاب)، و(السنة)، و(مذهب) الآباء؟!
وماذا لو أننا ألغينا (مذهب الآباء)، واكتفينا بـ (الكتاب والسنة)، فهل بذلك يكون الخوف من الوقوع في دائرة الشرك قد زال؟!
الحقيقة، التي يعلمها من وقف على حقيقة (السنة النبوية)، وأنها ليست سنة النبي، وإنما سنة الرواة والمحدثين…، أن الخوف لن يزول، لأن هذه المذاهب، تستقي أدلتها من نصوص هذه السنة (المذهبية)، وما صح منها عند مذهب لم يصح عند آخر، ونظل نحرث في الهواء، باسم اتباع (السنة النبوية)!!!
قلت لأحد المقربين مني، إن الشرط الأساس لعقد النكاح هو «الإيجاب والقبول»، والإيجاب هو اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، فإذا تم الإيجاب والقبول، بأية صيغة، وبدون خطبة نكاح، وبدون صيغة (على كتاب الله وسنة رسوله)، فالعقد صحيح، والنكاح صحيح!!
ولم يطمئن قلبه لهذا الكلام، فذهب إلى أحد المشايخ، وسأله: هل يصح عقد النكاح، إذا كانت صيغته هي:
زوجتك ابنتي، على ما أمر الله به في كتابه، بدون ذكر (وسنة رسوله)؟!
قال له: إذا تزوجها على هذا الأساس، فقد وقعا في (الزنا)!!!
إن المسلمين يعيشون حالة من (التغييب العقلي)، و(العشوائية الفكرية)، و(الجهل الديني)، و(الامبالاة) …، واللافت للنظر، أن من أنصار (القرآن وكفى)، من استسلموا للعرف القائم، وعقدوا الأنكحة لأبنائهم على (كتاب الله وسنة رسوله)، في الوقت الذي لا يوجد في كتاب الله، ولا في (سنتهم)، نصا واحدا، يفرض هذه الصيغة، عند عقد النكاح، ومن عنده دليل من الكتاب أو من (سنتهم) يخرجه لنا!!!
والعجيب، أن أكثر شيوخ الإفتاء تشددا، وهم شيوخ السعودية، لا يشترطون صيغة (الكتاب والسنة) عند عقد النكاح!!
فها هو (ابن باز)، على موقعه، يعرض صيغة عقد النكاح على النحو التالي:
(يقول الأب للزوج زوجتك ابنتي، ويقول الزوج قبلت هذا الزواج، إذا قال ذلك تم العقد).
وهذا هو الرابط: https://www.binbaz.org.sa/node/19618
وكذلك (ابن عثيمين)، يقول: على المأذون أن يقول للأب:
(زوِّج الرجل، فيقول: زوجتك بنتي فلانة، ولا حاجة أن يقول: على سنة الله وسنة رسوله، صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن الأصل في المسلم أنه على سنة الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ويقول الزوج: قبلت، ثم يقال للزوج: بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير).
وهذا هو الرابط:
فمتى سيعلم المسلمون، أتباع الفرق والمذاهب المختلفة، وأتباع التوجهات الفكرية المختلفة، أن الإسلام ليس (فكرا) سلفيا، ولا مستنيرا، ولا قرآنيا معاصرا…، فكلها لم تخرج إلى واقع الناس، سلوكا عمليا، ومؤسسات اقتصادية واجتماعية…، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور!!
إن أصحاب الفكر القرآني، عندما يقبلون عقد النكاح (على كتاب الله وسنة رسوله)، فإنهم بذلك، يخرجون (عمليا) من النور إلى الظلمات!!
«الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ»
(335) 19/5/2015 (الإسلام، مجتمع إيماني، وعمل جماعي)
عدد المشاهدات : 227
«كُنتُمْ خَيْرَ (أُمَّةٍ) أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه»
والأمة: جماعة من الناس، يعيشون على أرض واحدة، تحكمهم شريعة واحدة
ولا فرق في «الإسلام» بين السلوك والعبادة، كعمل جماعي:
«(وَأَقِيمُوا) وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ (مَسْجِدٍ) وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»
ولا فرق في «الإسلام» بين السلوك والعبادة وأحكام الشريعة، كعمل جماعي:
«شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ … أَنْ (أَقِيمُوا) الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ»
إن إقامة الدين، وتفعيله في حياة الناس، (ملة وشريعة)، عمل جماعي، ودليل ذلك: «وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ»
ومنذ أن أفسدت القراءات الشاذة للقرآن، الفكر الإسلامي، وحرّف أصحابها مفهوم الإسلام و(الإيمان) عن المعنى الذي أنزله الله في كتابه، ووجد المقلدون بغير علم هواهم في اتباعها، ليعيش كل فرد منهم:
– الإسلام بغير (الإسلام) الذي ارتضاه الله للناس!!
– والإيمان بغير (الإيمان) الذي فرض الله أصوله على الناس!!
– والشريعة بغير (الشريعة) التي فرض الله أحكامها في كتابه الحكيم!!
منذ أن أفسد هؤلاء الفكر الإسلامي، أصبحنا نعيش في عالم التقليد الأعمى، في عالم الفكر العشوائي، في عالم التسول الفكرى، يقتطف منه أدعياء العلم أفكارهم، ومشاركاتهم، وتعليقاتهم…، على شبكات التواصل الاجتماعي، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!!!
«قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً» – «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً»
(336) 22/5/2015 ( السنة النبوية، حقيقة قرآنية، في عصر النبوة)
عدد المشاهدات : 231
السنة (النبوية)، حقيقة قرآنية، في عصر (النبوة)
(قبل ظهور الفرق والمذاهب المختلفة)
«إن الدارس لكتاب الله تعالى، يعلم علم اليقين، أن الذي بلّـغ نصوص آياته، هـو رسول الله محمد، ومن خلال تدبر هذه الآيات، يرى الإنسان رسول الله، وهو يقـيم كل آية من آيات هذا الكتاب، سلوكـا عمليا في واقع حياتـه، الخاصة والعامة. وإذا كانت «السنة» هي الطريقـة المطـردة، التي لا تتخلف، كما أجمعت على ذلك معاجم اللغة (مادة سنن)، فيجب أن تكون النصوص التي تستقى منها، أيضا حقا لا تتخلف».
بهذه الفقرة، بدأت مقدمة الجزء الأول من موسوعة «السنة النبوية حقيقة قرآنية – قبل ظهور الفرق والمذاهب المختلفة»، (٢٠٠٥م)، تقديم الأستاذ/ الدكتور عبد الصبور شاهين، حيث قال في مقدمته:
«إن الجهد الذي بذله الدكتور محمد مشتهري في تأليف هذا الكتاب، طبقا لفكرته عن «تفعيل النص القرآني»، لم يسبق أن بذل مثله مؤلف صاحب فكرة بناءة كهذه الفكرة، وإنه ليستحق أن يهنأ بما حالفه من توفيق الله وعونه».
وسأهتم في هذا المقال، بتحرير مصطلح «السنة»، من كل لبس أصابه، أو انحراف عن معناه القرآني واللساني.
إن (السنة)، طريقة أداء ثابتة، لا تتخلف، وسلوك وتصرفات عملية، تحدث في واقع الحياة…، وليست نصا يُتلى على الناس، ويُدوّن في الكتب!!
* فإذا أضيفت كلمة (السنة) إلى الله تعالى، فإنها تعني القوانين الثابتة التي قامت عليها فاعلية الرسالات الإلهية، وفاعلية أسماء الله الحسنى في هذا الوجود، يقول الله تعالى:
– «مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ (سُنَّةَ اللَّهِ) فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ»
– «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ، وَيَهْدِيَكُمْ (سُنَنَ) الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ، ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»
إن الله تعالى هو الذي يُبيّن للناس شريعتهم: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ)، وهو الذي يهديهم إلي سنن الأولين: «وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ»، ويستحيل أن يخترق (بيان الله) الباطل، ويتحول إلى (مرويات) مذهبية، تخضع لتصحيحات البشر وتضعيفاتهم!!
* وإذا أضيفت كلمة (السنة) إلى (الرسول)، فإنها تعني البلاغ الدائم الثابت لـ (رسالته)، الذي يستحيل أن يخترقه الباطل، ويتحول إلى روايات مذهبية، لأن (الرسول) وهو في مقام البلاغ عن الله، يكون في مقام (العصمة)، فالله تعالى يقول:
«يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ، (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ)، وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ (رِسَالَتَهُ)، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ».
إن (الرسالة) التي أمر الله (رسوله) أن يبلغها للناس، وأمر الناس اتباعها، محفوظة بحفظ الله لها، وهذه (سنة الله) مع رسله، أن يعصمهم من الناس، يقول الله تعالى:
«وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا» – «(سُنَّةَ) مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن (رُّسُلِنَا) ۖ وَلَا تَجِدُ (لِسُنَّتِنَا) تَحْوِيلًا».
إن (سنة الرسل)، لا تتبدل، ولا تتحول، عن (سنة الله): «وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا»!!
فهل يمكن أن تتحول (سنة الله) مع رسله، وبلاغ (الرسل) عن الله، إلى بلاغ المحدثين عن الرواة؟!
* أما إذا أضفنا كلمة (السنة) إلى (النبي)، فإنها تعني فاعلية (النبوة)، أي (الوحي)، مع أحداث ومواقف (عصرالتنزيل واكتمال الدين)، هذه الفاعلية المرتبطة ارتباطا وثيقا ببشرية (النبي)، هذا المقام الذي يخضع فيه (النبي) للعتاب، والتوجيه، والتصحيح…، فتدبر:
– «مَّا كَانَ عَلَى (النَّبِيِّ) مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ، (سُنَّةَ اللَّهِ) فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا».
«وَمَا كَانَ (لِنَبِيٍّ) أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
مَا كَانَ )لِنَبِيٍّ( أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ»
يَا أَيُّهَا (النَّبِيُّ) لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ»
ومن تشريعات (النبوة)، الخاصة بأحداث ومواقف عصرالتنزيل، إباحة الجمع بين الأختين، في نكاح واحد، قبل نزول آية التحريم: «وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ»!!
إن ما شاء الله أن يعلمه الناس، من تشريعات ومواقف وأحداث عصر (النبوة)، نزل به قرآن، كان هو المرجعية التي يستقي منها (النبي) سنته المصاحبة له دوما، سلوكا عمليا على أرض الواقع!!
إنه لمن الجهل، والعبث بدين الله تعالى، أن تُوظف الآيات القرآنية، التي أمرت بطاعة الرسول، واتباعه، والاقتداء به، والتحاكم إليه…، لإثبات حجية (مرويات) الفرق المختلفة، وإعطاء شرعية لها، كمصدر ثان للتشريع، ومن هذه الآيات قوله تعالى:
«فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»
فهل يعقل، أن يتساوى من عاصروا الرسول، وسمعوا منه مباشرة، مع من جاؤوا من بعده، وقال لهم الناس، إن الرسول قال؟!
وهل يعقل، أن يتساوى من وجد في نفسه حرجا من حكم الرسول، بعد أن سمعه منه مباشرة، مع من وجد في نفسه حرجا من اجتهادات أئمة السلف، فقهاء ومحدثين ومفسرين؟!
إن غياب المنهجية العلمية في التفكير، جعل أنصار (الفُرقة والمذهبية)، يحرّفون مفهوم (السنة النبوية) عن معناه القرآني واللساني، ليصبح كل ما صدر عن (النبي) من قول أو فعل أو تقرير…، حسب اجتهادات أئمة الجرح والتعديل، (العقدية والتشريعية)، فهم الذين يُقرّرون، ما هو سُنة، وما ليس بسنة، مما نسبه الرواة إلى (النبي)!!
إننا لو بحثنا في القرآن كله، عن آية واحدة، تأمر الناس، باتباع كتاب تشريعي مستقل عن كتاب الله، يرثه المسلمون بعد وفاة (النبي)، باسم (السنة النبوية)، أو باسم (الحديث النبوي)، فلن نجد، وسنجد آيات كثيرة، تثبت أن المسلمين لا يرثون إلا كتاب الله وحده، ومنها قوله تعالى:
«وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ (الْكِتَابِ) هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ» – «ثُمَّ أَوْرَثْنَا (الْكِتَابَ) الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا…»
إن الله تعالى يقول: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ»، وأنصار ودعاة (الفُرقة والمذهبية) يقولون: «ثم أورثنا الكتاب والسنة»، فإذا لم يكن ذلك تقوّلا على الله ورسوله بغير علم، فماذا يكون؟!
إنه لمن الخطر الكبير على ملة (الوحدانية)، وعلى قدسية (النبوة)، وعلى حكمة (الشريعة)، وعلى أمن البلاد والعباد…، أن يتبع المسلمون مصادر تشريعية، لم يحفظها الله تعالى، ولم يشهد رسول الله تدوينها، ولا الخلفاء الراشدون من بعده، ويعتبرها أئمة السلف، من ثوابت الدين التي يحرم المساس بها، ويكفر من ينكرها، فكانت خير سند للجماعات الجهادية، التي تسعى في الأرض فسادا، وتسفك الدماء بغير حق، تحت راية التمسك بـ (الكتاب والسنة)!!
لقد شاهدت حفل تكريم للمتفوقين في حفظ القرآن، تقيمه بعض مدارس اللغات سنويا، وتُعرض فيه مسرحيات، أبطالها من تلاميذ هذه المدارس، ومعظم هذه المسرحيات، تقوم على تدعيم وترسيخ مفهوم (الفُرقة والمذهبية)، في قلوب التلاميذ وأولياء الأمور، بسبب توجهات أصحاب هذه المدارس، الدينية السلفية!!
آخر هذه المسرحيات، مسرحية تعكس ما حدث مؤخرا، من هجوم المؤسسات الدينية علي حرية الفكر الديني، وقولهم إن هذه الحرية مشروطة بعدم المساس بأئمة السلف، لأن ذلك يُعد مساسا بثوابت الدين، وبما هو معلوم من الدين بالضرورة…، فيقوم فريق من التلاميذ بتمثيل دور أئمة السلف، وفريق آخر يقوم بتمثل دور المفكرين، وتنتهي المسرحية بالاستهزاء بالمفكرين، والحكم عليهم بدخول مستشفى (المجانين)، وسط تصفيق حار من أولياء الأمور!!
فهل يعلم هؤلاء التلاميذ، وأولياء الأمور، وأصحاب ومديروا هذه المدارس، أن هذا (القرآن) الذي يحتفلون بتكريم المتفوقين في حفظه، بريء من هذا التراث الديني، ومن هذه المفاهيم التخاصمية التكفيرية، وأن ثوابت الدين التي يدّعونها، ثوابت مذهبية، وتاريخ المذاهب (العقدية)، التي دمرت خير أمة أخرجت للناس، خير شاهد على ذلك، ولكن لقوم (يعقلون)، لقوم (يعلمون)!!
طبعا، سيخرج علينا أنصار (الفُرقة والمذهبية)، رافعين سلاح (إنكار السنة)، مستندين إلى شبهة واهية تقول: إن مرويات (السنة)، هي التي جاءت بتفصيلات الصلاة، فإذا أسقطناها، أسقطنا ركنا رئيسا من أركان الإسلام، وهي شبهة واهية، سيأتي الرد عليها في المقال القادم.
إن (السنة النبوية)، ليست تراثا روائيا مذهبيا، تتخذه كل فرقة لتدعيم توجهاتها (العقدية والتشريعية) المختلفة، وإنما هي (حقيقة قرآنية)، قامت على تفعيل (الرسول) للنص القرآني، في «عصر التنزيل»، وتفعيل كافة المسلمين لذات النص القرآني، على مر العصور، وفق إمكاناتهم العلمية والمعرفية.
«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ (الْقُرْآنَ) ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ (غَيْرِ اللَّهِ) لَوَجَدُوا فِيهِ (اخْتِلَافًا كَثِيرًا)»!!
معلومات:
* مقام (العصمة): مقام حفظ ووقاية، يضمن تبليغ رسالة الله للناس، دون المساس بها، أو بالرسول، وكما حفظ الله الرسول، حفظ رسالته، القرآن الكريم، فهل حفظ الله كتابا تشريعيا غير القران؟!
* إنكار (السنة): مصطلح هلامي، لا تستطيع أن تمسك به، يرفعه أتباع كل فرقة، في وجه المخالف لها، إذا أنكر (حديثا) من أحاديثهم، التي نسبوها إلى رسول الله، أو أساء إلى سيرة صحابي، من الذين شهدوا لهم بالعدالة!!

(337) 23/5/2015 (أشهد أنه لا إله الا الله، وأن محمدا رسول الله)
عدد المشاهدات : 199
يعتقد البعض، أن قول المسلم، (أشهد أنه لا إله الا الله، وأن محمدا رسول الله)، يكون بذلك قد جعل محمدا شريكا مع الله، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى في سورة آل عمران (١٨):
(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
فيقولون إن الآية قد خلت من ذكر الشهادة بأن محمدا رسول الله، وفي هذا دليل على أنه لا أصل لهذه الشهادة في الإسلام، فهل حقا عندما يقول المسلم (وأشهد أن محمدا رسول الله)، يكون قد أشرك بالله تعالى؟!
الشهادة: علم يقيني، بشيء حدث، وأدركته وسائل الإدراك فور حدوثه، ويتحمل مسئوليته أمام الله تعالى الشاهد وحده، فور الإدلاء بهذه الشهادة.
وفرق بين الشهادة التي تقوم على وسائل الإدراك، والمتعلقة بعالم الشهادة (الحسي)، وتلك التي تقوم علي البراهين العلمية، المتعلقة بعالم الغيب (المعنوى)!!
والآية السابقة، (يخبرنا) الله تعالى فيها، أن الكون كله يشهد شهادة علمية، بالوحدانية، وبفاعلية أسمائه الحسنى، وكل ذلك من عالم الغيب، الذي لا نراه بأعيننا، وإنما بـ (البراهين العلمية)، التي بدونها لا نستطيع فهم قوله تعالى:
«قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ (شَهَادَةً) – قُلْ اللَّهُ (شَهِيد)ٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ – وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ – لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ – أَئِنَّكُمْ (لَتَشْهَدُون)َ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى – قُلْ لا (أَشْهَد)ُ – قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ – وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ»
إن وجود (شاهد) يقتضي وجود (مشهود)، وقد أقسم الله بهما في سورة البروج (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)…، وذلك لبيان مدى حجيتهما في الاستدلال القائم على العلم الحضوري اليقيني المتعلق بالحدث.
والله تعالى ليس بحدث، وليس من عالم الشهادة (مشهودا)، فهو سبحانه من عالم الغيب، الذي نؤمن به على أساس دلائل الوحدانية، والبراهين العلمية المثبتة لذلك، فشهادتنا أنه (لا إله إلا الله) شهادة علمية.
ورسول الله بالنسبة لنا اليوم من عالم الغيب، ومعلوم أن (الشاهد) يستحيل أن يكون (شاهدا) وهو لم ير (المشهود)، ونحن لم نر رسول الله، لذلك نؤمن بوجوده على أساس البراهين العلمية المثبتة لذلك، ومصدر هذه البراهين هو (الآية القرآنية) التي بين أيدينا اليوم في عالم الشهادة.
إذن فنحن عندما نشهد (اليوم)، أنه (لا إله الا الله)، وأن (محمدا رسول الله)، فشهادتنا هذه شهادة علمية، تقوم على البراهين المثبتة لموضوع الشهادة، والمتعلقة بدلائل (الوحدانية)، وبصدق (النبوة).
لقد أعلن المنافقون شهادتهم أن محمدا رسول الله، وأخبر الله رسوله أن المنافقين كاذبون، لماذا؟!
تعالوا نتدبر قوله تعالى:
«إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا (نَشْهَدُ) إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ (يَعْلَمُ) إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ (يَشْهَدُ) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ»!!
تدبر الحكمة من وجود مقام (العلم): «وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ»، في سياق (الشهادة): «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ»!!
لقد (شهد) المنافقون بوجود شخص محمد، فكانوا صادقين في شهادتهم (الحسية)، ولكنهم كاذبون في شهادتهم (القلبية)، لأنهم لا يعترفون أصلا بـ (نبوة) محمد، عليه السلام، القائمة على البراهين (العلمية) التي حملتها (آيته القرآنية)!!
«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ – أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ- إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً – وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»
(أشهد أنه لا إله الا الله، وأن محمدا رسول الله)
(338) 24/5/2015 (على هامش الشهادتين)
عدد المشاهدات : 171
إن منهجي في فهم القرآن، الذي حمله مشروعي الفكري، يقوم على أدوات مستنبطة من ذات النص القرآني، وتستلزم المنهجية العلمية في الدراسة والبحث، أن يدرس من يريد التعليق على الأفكار والآراء التي وردت في هذا المشروع، أن يدرس أولا هذه الأدوات، حتى لا يتحول الحوار (العلمي) إلى جدل (عقيم)!!
إن الذين يتعاملون مع القرآن، باعتباره كتابا إلهيا فقط، كالتوراة والإنجيل…، هؤلاء لا يملكون أصلا البرهان (الآية) المثبت لصحة نسبة هذا القرآن إلى الله تعالى!!
لقد أيد الله موسى وعيسى، عليهما السلام، بالبراهين (الآيات) الحسية الدالة على صدق نبوتيهما، فما هي (الآية) الدالة على صدق (نبوة) محمد، والتي بدونها لا تثبت (نبوته)، وبالتالي لا تثبت حجية القرآن على العالمين؟!
الجواب: (الآية) الدالة على صدق (نبوة) محمد، ليست (آية حسية)، وإنما هي (آية عقلية)، قائمة بين الناس إلى يوم الدين، وهي (الآية القرآنية).
إن تفعيل وإثبات حجية (الآية القرآنية)، لا يكون إلا بأدوات، حملها النص القرآني، وفي مقدمتها (اللسان العربي المبين)، الذي هو المحور الأساس لفاعلية هذه الآية!!
فعندما ينقلب المسلمون على أعقابهم، ولا يقومون بدورهم في تعليم الناس (اللسان العربي)، الذي هو مفتاح الدخول إلى (الآية القرآنية)، التي هي البرهان الوحيد الذي يملكه المسلمون على صدق (نبوة) رسولهم محمد..، إذن فكيف نطلب من الناس، الدخول في الإسلام، وهم لا يحملون مفتاح دخوله أصلا؟!!
لذلك، فليس غريبا أن يخاف الناس من الإسلام، الذي عرفوه من تدين المسلمين!!
وليس غريبا أن نجد من ينادي بترجمة القرآن، قياسا على تعريب كثير من برامج الكومبيوتر!!
وليس غريبا أن نجد من يقول: إن القرآن تم تحريفه بعد وفاة النبي!!
وليس غريبا أن يظهر أصحاب القراءات الشاذة للقرآن!!
وليس غريبا أن نجد من يقول: إن محمدا قد مات، فكيف نجمع في الشهادة، بين الله، الحى الذي لا يموت، ورسوله الذي مات؟!
وليس غريبا أن نجد من يعتبر الشهادتين (شعارا) محليا مؤقتا، كانت تقتضيه ظروف عصر الرسالة!!
إن كل هؤلاء، يتعاملون مع القرآن، ككتاب من كتب التراث الديني، يمكن أن يأتيه الباطل، ويمكن ترجمته بالمعنى، ويمكن اعتباره كتابا لغويا، نفهمه بالمنهج اللفظي الترتيلي، أو بالقرءات المعاصرة!!
لقد غاب عن هؤلاء أن القرآن (آية إلهية)، جمعت في ذاتها جميع آيات (الآفاق والأنفس)، وجميع آيات الرسل السابقين، التي شاء الله أن يبينها للناس.
لقد غاب عن هؤلاء، أن الإسلام يقوم على التصديق بـ (الوحدانية)، والتصديق بـ (النبوة)…، وأن التصديق بـ (الوحدانية)، هو أن نشهد شهادة (علمية) أنه لا إله إلا الله..، وأن التصديق بـ (النبوة)، أن نشهد شهادة (علمية) أن محمدا رسول الله…، ولا علاقة لهاتين الشهادتين، بتصرفات المسلمين المنحرفة عن حقيقة هاتين الشهادتين!!
لقد غاب عن هؤلاء، أن (الشهادة)، لا علاقة لها بالماضي، وإنما بالحاضر، وأننا عندما نشهد أن محمدا رسول الله، فذلك بعد أن أثبتنا بالبراهين العلمية المعاصرة، (اليوم وليس الأمس)، أنه حقا رسول الله، وذلك بناء على تصديقنا أصلا بـ (آيته القرآنية)!!
وأيضا (الآية القرآنية)، لا علاقة لها بـ (الماضي)، ولا علاقة لها بالأمس القريب، ولا حتى بالساعة القريبة…، فقط (الآن)…، فنحن عندما ننظر إلى (آية الشمس)، لا ننظر إليها بمنظار الأمس!!
لقد طلب المشركون أن ينزل الله على رسوله (آيات حسية)، تراها الأعين، كالتي أيد الله بها الرسل السابقين، فقال تعالى:
«وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ»
ثم بيّن الله تعالى بعدها، أن من لم يكفه، أن يكون القرآن (آية) في ذاته، دالة على أنه (لا إله إلا الله)، وأن (محمدا رسول الله)، في عصر الرسالة، وإلى يوم الدين، فليس بمؤمن أصلا، فقال تعالى:
«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ – أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ – يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ- إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً – وَذِكْرَىٰ – لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»
(339) 26/5/2015 (عندما تكون الصلاة حجة من يسفكون الدماء بغير حق)
عدد المشاهدات : 201
«طبعا، سيخرج علينا أنصار (الفُرقة والمذهبية)، رافعين سلاح (إنكار السنة)، مستندين إلى شبهة واهية تقول: إن مرويات (السنة)، هي التي جاءت بتفصيلات الصلاة، فإذا أسقطناها، أسقطنا ركنا رئيسا من أركان الإسلام..، وهي شبهة واهية».
بهذه الفقرة ختمت مقالي السابق: (السنة النبوية حقيقة قرآنية – في عصر النبوة).
لقد أمر الله المسلمين بإقام الصلاة، ولم يرد تفصيل لكيفية أداء الصلاة في القرآن، ولم يُبيّن الله تعالى أن العرب ورثوا هذه الكيفية عن إبراهيم، عليه السلام، فقد بُعث النبي في قوم، لم تكن لهم عبادة ولا تكليف ولا صلاة…، قال تعالى في سورة السجدة، وسورة يس:
«لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ» – «لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ»!!
إذن فالصلوات الخمس، التي يؤديها المسلمون، منذ عصر الرسالة وإلى يومنا هذا، لا شك أن النبي قد تعلم كيفية أدائها، ثم علمها لأصحابه، ونقلها عنهم المسلمون جميعا، دون أي خلاف حول كيفية أدائها، ولا حول أسمائها، ولا مواقيتها…، مع تفرقهم وتخاصمهم!!
فكم كان عدد المسلمين الذين صلوا مع رسول الله (الصلوات الخمس) في عصر الرسالة؟! ثم كم عدد المصلين الذين يُصلونها، على مستوى جميع الفرق والمذاهب الإسلامية، وهل لجأ أب أو أم إلى كتاب، يُعلم منه أطفاله كيفية الصلاة؟!
لقد تعلم المسلمون كيفية أداء الصلاة، بالتقليد والمحاكاة، عبر «منظومة التواصل المعرفي»، قبل أن تولد أمهات كتب (الأحاديث)، وقبل أن تظهر أمهات كتب (المذاهب الفقهية) المختلفة، لذلك كان من المستحيل، أن تُخترق هذه المنظومة الأممية التعبدية، عبر رحلتها من عصر النبوة، وإلى يومنا هذا!!
ولكن أنصار (الفُرقة والمذهبية)، وجميع المؤسسات والجماعات والأحزاب الدينية، التي قامت على أساس أن مرجعية الإسلام (كتاب وسنة)، وأن مرويات (السنة)، هي الوحي الثاني المبين والمكمل لأحكام القرآن…، هؤلاء يستحيل أن يتخلوا عن هذه (المرويات)، وإلا سقطت توجهاتهم العقدية والتشريعية من قواعدها!!
لقد ذهبوا يرفعون سلاح التكفير، في وجه كل من تسول له نفسه إنكار مروياتهم (المذهبية)، واجتهاداتهم الفقهية، بدعوى أن هذه (المرويات) هي التي أتت بكيفية أداء العبادات، وعلى رأسها الصلاة، فمن أنكرها أنكر الصلاة، وخرج من ملة الإسلام!!
فهل فعلا هذه (المرويات) هي التي جاءت بتفصيلات الصلاة، فإذا أسقطناها أسقطنا الإسلام؟!
أقول:
أولا: إن كل ما أجمله (النص القرآني) من أحكام العبادات، وأجمع المسلمون على كيفية أدائه، عبر (منظومة التواصل المعرفي)، واجب الاتباع، وما عداه فهو من مباح، ولا يصح أن يكون محل خلاف بين المسلمين، ما لم يخالف نصا قرآنيا، أو مقصدا من مقاصده، كأصول الصلاة، من قيام وركوع وسجود…، التي لا تصح الصلاة إلا بها.
ثانيا: إن كيفية الأداء العملي للصلاة، ليست فى ذاتها نصاً تشريعياً مستقلاً عن النص القرآني (أقيموا الصلاة)، وإنما هى الصورة العملية، لما أجمله هذا (النص) من أحكام، تعلمها المسلمون (جميعا) بالتقليد والمحاكاة، وليس بدراسة أمهات كتب (الحديث) المذهبية، أو بـ (التواتر العملي) المذهبي، وتفصيل ذلك في كتب الفقه المقارن!!
ثالثا: لقد بلغت (مرويات الصلاة) فى مسند الإمام أحمد (ت 241هـ) 1749 رواية!!
وبلغت في جامع الأصول لابن الأثير، (ت 606هـ) 1140 رواية!!
وفي كنز العمال، لابن حسام الدين الهندى، (ت 975هـ) بلغت 4701 رواية.
فلاحظ تاريخ الوفاة، والتباين فى عدد الروايات، والذي يعني أن هذه (المرويات) المذهبية، قامت على مدارس الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف، عبر القرون…، فهل هذه هي (السنة النبوية) التي يكفر منكرها؟!
إن الرواية الوحيدة، التي يعتبرونها حجة في بيان كيفية أداء الصلاة، هي رواية (المسيء في صلاته)، والغريب أنها جاءت لتنصر مذهبا فقهيا على مذهب آخر، فالمذهب الحنفي يرى عدم وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، والمذاهب الأخرى ترى وجوبها، فجاءت هذه الرواية لتنصر المذهب الحنفي…، فهل هذه هي (السنة النبوية)، التي يكفر منكرها؟!
إذن فأين نجد (السنة النبوية)، المبينة لأحكام الصلاة، وسط هذه الصراعات والخلافات والفتاوى الفقهية التكفيرية، إلا إذا كان النبي، عليه السلام، قد وزع حديثه على المحدثين، والفقهاء، وأعطاهم حرية التعامل معه، واختيار ما يوافق توجه كل واحد منهم، (العقدي والتشريعي)!!
إن كل مرويات (الصلاة)، عند جميع الفرق والمذاهب المختلفة، ما هي إلا أخبار استفاضت بين رواة هذه الفرق، خلال ما لا يقل عن قرن ونصف قرن من عصر الرسالة، حتى جاء عصر التدوين، بعد أن ظهرت المذاهب الفقهية المتخاصمة المتقاتلة، والفتاوى التكفيرية للمخالفين للمذهب!!
لقد سأل ابن تيمية (في كتاب الفتاوى):
* عن أقوام يؤخرون صلاة الليل إلى النهار لأشغال لهم من زرع….، إلى آخره؟!– فأجاب: يجب قتلهم عند (جمهور العلماء)، بعد أن يستتابوا، فإن تابوا والتزموا أن يصلوا فى الوقت ألزموا ذلك، وإن قالوا لا نصلى إلا بعد غروب الشمس، لاشتغالهم بالصناعة أو الصيد أو غير ذلك فإنهم يقتلوا.
* وعن رجل جار للمسجد، ولم يحضر مع الجماعة الصلاة، ويحتج بدكانه؟!
– فأجاب: «فإن كان لا يصلى فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل».
* وعن رأيه فى من خالف مذهبه الفقهى، فى مسألة صلاة السفر؟!– فأجاب: «يستتاب قائله، فإن تاب وإلا قتل».
أنا لست مع تأخير الصلاة عن موعدها، ولا مع الانشغال بغيرها عنها، ولكن الله تعالى لم يرتب على ذلك عقوبة دنيوية!!
ثم انتقل ابن تيمية إلى دائرة أوسع، فحكم بإراقة دم الداعى إلى (البدع فى الدين)، فعند حديثه عن الجهاد قال:
«ومن لم يندفع فساده فى الأرض إلا بالقتل، قُتل، مثل «المفرق لجماعة المسلمين»، و«الداعي إلى البدع فى الدين»!!
إن هذه الفتوى، هي مستند كل من اعتقدوا أنهم (جماعة المسلمين)، وأن إمامهم هو إمام المسلمين، وأن مذهبهم هو المذهب الحق، وأن فرقتهم هي (الفرقة الناجية)…، من المؤسسات والجماعات والأحزاب الدينية، (الجهادية وغير الجهادية)، فكلها تسعى إلى هدفواحد، هو تحقيق حلم الخلافة الإسلامية في الأرض!!
لذلك إذا تمكنت إحدى هذه الجماعات من حكم بلد من البلدان، ستسارع باقي الجماعات إلى الانضمام إليها، وإلى نصرتها، ثم تبدأ أزمة التخاصم والتكفير المذهبي تسري في دمائهم، وتشتعل الطائفية بينهم، وتُسفك الدماء بغير حق، كما حدث من قبل في أفغانستان!!
عندما تعتقد كل جماعة أنها (جماعة المسلمين)، وغيرها من الجماعات تستحق القتل، يصبح الصراع ليس صراعا سياسيا، من أجل الوصول إلى كرسي الحكم، وإنما لعدم تمكين المخالف في المذهب من حكم البلاد، وما يحدث اليوم في العراق، وسوريا، وليبيا، واليمن…، خير شاهد على ذلك!!
أما عن قتل «الداعي إلى البدع فى الدين»، فهذه هي (الشماعة) المذهبية، التي تعلق عليها (السلطة الدينية) الحاكمة للبلاد، على مر العصور، مبرراتها لاضطهاد وتعذيب وقتل المخالفين لها في المذهب..، واقرؤوا جيدا تاريخ المذاهب الفقهية، لذلك يستحيل أن تتنازل هذه (السلطة الدينية) عن مروياتها، ولا عن الأحكام الفقهية المستنبطة منها، وإلا سقطت!!
إن منظومة الأحكام الفقهية، التي قامت على مرويات السنة (المذهبية)، حملت أحكاما ما أنزل الله بها من سلطان، وعقائد مقدسة لا أصل لها في كتاب الله، وكلها تأويلات باطلة لبعض آيات الذكر الحكيم، محكومة بمرويات هذه (السنة)، وبفتاوى أئمة المذاهب الفقهية!!
إن عقيدة المهدي المنتظر، وبعثة عيسى، والجهاد من أجل عودة الخلافة الإسلامية (بحكمها العضود)، ورجم الزانية والزاني، وقتل المفارق لجماعة المسلمين، والتفجيرات الانتحارية في مساجد المخالفين للمذهب، كما يحدث اليوم، وغيرها من مئات الفتاوي التي ما أنزل الله بها من سلطان…، خطوط حمراء يحرم الاقتراب منها!!
طبعا، سيخرج علينا أنصار (الفُرقة والمذهبية)، رافعين سلاح (إنكار السنة)، ولكن هذه المرة ليس بسبب (حجة) الصلاة، وإنما بسبب هم أنفسهم لا يعلمونه، ذلك أن (المذهبية) غشاوة على القلب، لا تجعل صاحبه يُبصر الحق!!
لذلك أقول: سواء دوّن المحدثون (مرويات الصلاة) في أمهات الكتب، أم لم يدوّنوها..، وسواء دوّن فقهاء المذاهب المختلفة أحكام الصلاة أم لم يدوّنوها..، فإن المسلمين كانوا يُصلّون، كما صلى رسول الله وصحبه، وسيُصلّون إلى يوم الدين!!
«هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا – إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ – وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ»
معلومات:
* منظومة التواصل المعرفي: أقصد بها، المعارف، وكيفيات الأداء العملي، والخبرات …، التي تواصلت حلقاتها عبر العصور، من غير خلاف ولا انقطاع بين المسلمين جميعا، بشرط وجود نص قرآني مجمل، يُحيلنا على هذه المنظومة.
* التواتر العملي: ليس تواصلا (أمميا)، وإنما تواصل (مذهبي)، بين أتباع فرقة من الفرق، أو مذهب من المذاهب، كمسألة رفع اليدين في الصلاة..، وكل أحكام الصلاة التي تواترت مذهبيا، فهي محل خلاف بين المحدثين والفقهاء!!

(340) 27/5/2015 (عقوبة تارك الصلاة في الآخرة)
عدد المشاهدات : 202
إن من شهد شهادة علمية بـ (الوحدانية)، وأقر بأن (القرآن) كلام الله، وأنه (الآية) الدالة على صدق رسوله محمد، وأن نصوص هذه الآية لا يأتيها الباطل (مطلقا) إلى يوم الدين…، هذا (المسلم)، يستحيل أن يتخذ غير القرآن مرجعا لمعارفه الدينية، ولأحكام شريعته، ولا أن يتقول على الله بغير علم، ولا أن يجعل هواه حاكما على فهم النص القرآني، وإلا يكون قد نقض شهادته من قواعدها!!
إن (العبادة) هي جوهر (الدين الإسلامي):
«وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)»
و(العبادة)، تقوم على (الوحدانية)، ووجوب الالتزام بأحكام (الشريعة الإلهية)، التي نص عليها القرآن الحكيم، ومنها:
«وَاعْبُدُوا اللَّهَ (وَلَا تُشْرِكُوا) بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا»
وأحكام (الشريعة الإلهية)، منها ما نص القرآن على عقوبة لتاركها في الدنيا، ومنها ما لم ينص، وسواء نص القرآن على عقوبة في الدنيا أم لم ينص، فإنه قد بيّن أن المصر على ترك أحكام الشريعة، ينتظره (العذاب الأليم) في الآخرة، يقول الله تعالى:
– «أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ (شَرَعُوا لَهُم) مِّنَ (الدِّينِ) مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ (عَذَابٌ أَلِيمٌ)»
– «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ (ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ»
– «وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ (الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)»
إن شريعة (الصلاة) تأتي دائما في مقدمة أحكام الشريعة القرآنية، ويليها إيتاء الزكاة..، ولم ينص القرآن على عقوبة لتارك الصلاة، وإنما نص على عقابه في الآخرة، بـ (العذاب الأليم)، لا لإصراره على ترك الصلاة، وإنما لأنه بإصراره هذا قد (أشرك بالله)، وليس بعد (الشرك) ذنب، فيقول الله تعالى في سياق الحديث عن المشركين:
«فَإِنْ تَابُوا (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) وَآتَوْا الزَّكَاةَ (فَإِخْوَانُكُمْ) فِي (الدِّينِ) وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ (يَعْلَمُونَ)»
إن أحكام (العبادات)، قواعد رئيسة، قام عليها (الدين الإسلامي)، هذ الدين الذي ارتضاه الله للناس جميعا، لا الدين الذي يريد أصحاب القراءات الشاذة للقرآن، أن يبتدعوه للناس، بدعوى ان هذه العقوبات، تخالف الرحمة الإلهية، وحرية الاعتقاد، وحقوق الإنسان!!!!
إن أحكام (المواريث)، على سبيل المثال، من أحكام (الشريعة الإلهية) التي ارتضاها الله للمسلمين، لا تتغير ولا تتبدل إلى يوم الدين، وإن لهذه الأحكام حدودا يحرم تعديها، ولمن تعداها عذاب مهين في الآخرة، فقال تعالى بعد بيان أحكام المواريث:
«وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) يُدْخِلْهُ نَارًا (خَالِدًا فِيهَا) وَلَهُ (عَذَابٌ مُّهِينٌ)»
وعندما حذر الله تعالى المسلمين من كيد الشيطان، بيّن لهم أن من مكائده أن يصدهم عن (الصلاة)، فقال تعالى:
«إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ (الصَّلَاةِ) ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ»
فهل يمكن أن يترك الله تعالى (أولياء الشيطان) دون عقوبة؟!!
«وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ – إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ – وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ»«وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ – إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي»«فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ- مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ»«إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا (أَشْرَكْتُمُونِ) مِن قَبْلُ ۗ- إِنَّ (الظَّالِمِينَ) لَهُمْ (عَذَابٌ أَلِيمٌ)»
(341) 29/5/2015 (منظومة العبودية، واختراق الشرك لها)
عدد المشاهدات : 179
لا يعلم معظم المسلمين، المفهوم الحقيقي لمعنى قوله تعالى «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»، وإلا ما وصلوا إلى هذا الحال، من الضنك، والتخلف، والعشوائية الفكرية!!
— إن مفهوم العبادة، في السياق القرآني، وفي اللسان العربي، هو الخضوع، والتّذلّل، والتعظيم، والطاعة المطلقة، لـ (المعبود):
* «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ (لِلْمَلَائِكَةِ) أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ»
* «قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (الْجِنَّ) ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ»
* «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا (الشَّيْطَانَ) ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ»
* «قَالُوا نَعْبُدُ (أَصْنَامًا) فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ»
— ولقد (حَرّمَ) الله تعالى أن يكون هناك (معبود)، في هذا الوجود، إلا (هو):
* «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا (لِيَعْبُدُونِ)»
* «وَيَعْبُدُونَ مِن (دُونِ اللَّهِ) مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ ….»
* «وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا (اللَّهَ) وَاجْتَنِبُوا (الطَّاغُوتَ) …..»
— فكيف نعبد الله تعالى؟!
أن نجعل (بوصلة) حياتنا كلها في سبيل الله، وهذه هي أعلى مراتب الطاعة والخضوع لله تعالى:
* «قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» – «لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ (وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ) وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ»
— وبدون (الحب)، لا يكون (العبد) عابدا خاضعا لله (بإرادته)، لذلك كان (الحب) هو القاعدة التي يقوم عليها إخلاص (العبودية) لله تعالى.
* قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ – وَأَبْنَاؤُكُمْ – وَإِخْوَانُكُمْ – وَأَزْوَاجُكُمْ – وَعَشِيرَتُكُمْ – وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا – وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا – وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا – (أَحَبَّ إِلَيْكُم) – مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ – وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ -فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ – وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ (الْفَاسِقِينَ)!!
— والذي (أحب) الله، لا (يشرك) به شيئا، (مطلقا).
* «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ (وَشُرَكَاؤُكُمْ) فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا (تَعْبُدُونَ)»
— والذي (أحب) الله، لا يجعل (عبادة الله) قاصرة على أداء الشعائر والفرائض الوقتية، ولا يفصل بين الشعائر ومنظومة الشريعة القرآنية المتكاملة.
* «وَ(اعْبُدُوا) اللَّهَ – وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا – وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا – وَبِذِي الْقُرْبَىٰ – وَالْيَتَامَىٰ – وَالْمَسَاكِينِ – وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ – وَالْجَارِ الْجُنُبِ – وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ – وَابْنِ السَّبِيلِ – وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ – إِنَّ اللَّهَ (لَا يُحِبُّ) مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا»
— والذي (أحب) الله، لا يجعل (عبادته) لله، تقوم على افتراء (الكذب) على الله تعالى، وعلى (الشرك) به، فيحصر (عبادة الله) في (الوصايا العشر)، التي وردت في سورة الأنعام (١٥١-١٥٣)، بدعوى أن الشعائر الدينية ليست واردة فيها!!
— إن استنباط الأحكام القرآنية، ليس عملا عشوائيا، يقوم على قاعدة (القص واللصق)، إنما هو (منهجية علمية)، تحمل أدوات، لفهم السياق القرآني!!
– والسياق القرآني، لآيات سورة الأنعام، يبدأ بالآية (١٤٨،) وليس (١٥١)، فيقول الله تعالى:
* سَيَقُولُ الَّذِينَ (أَشْرَكُوا) لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا (حَرَّمْنَا) مِن شَيْءٍ … قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ (عِلْمٍ) فَتُخْرِجُوهُ لَنَا – إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا (الظَّنَّ) – وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا (تَخْرُصُونَ)!!
ثم قال تعالى (١٤٩):
* «قُلْ فَلِلَّهِ (الْحُجَّةُ) الْبَالِغَةُ – فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ»
ثم قال تعالى (١٥٠):
* «قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ (حَرَّمَ) هَٰذَا….»
ثم قال تعالى في الآية (١٥١):
* «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا (حَرَّمَ) رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ – أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا – وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا …. ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ (تَعْقِلُونَ)»!!
— فهل من تصوروا أن الآيات (١٥١- ١٥٣)، قد حصرت كل ما أمر الله به من أحكام الشريعة..، هل هؤلاء (يعقلون)؟!!
– لقد قال الله تعالى في الآية (١٥٣): «وَأَنَّ هَذَا (صِرَاطِي) مُسْتَقِيماً (فَاتَّبِعُوهُ) وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ (وَصَّاكُمْ) بِهِ لَعَلَّكُمْ (تَتَّقُونَ)»
– فهل من (التقوى) أن يعتقد المسلم أن اتباع الصراط المستقيم، هو فقط اتباع الأحكام التي وردت في آيات سورة الأنعام (الوصايا العشر)؟!
– إن الله الذي قال في سورة الأنعام: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا (حَرَّمَ) رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ»، هو الله الذي قال أيضا في سور أخرى:
* «قُل (لَّا أَجِدُ) فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ (مُحَرَّمًا) عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ (إِلَّا) أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا….»
* «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ (وَحَرَّمَ) الرِّبَاوَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا»
* «وَ(حُرِّمَ) عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا»
* «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ……»وغير ذلك من المحرمات الكثير!!!
— لقد غرق معظم المسلمين في أوهام الفهم العشوائي للنص القراني، وحصروا (عبادة الله) في أداء الشعائر فقط، وحصر بعضهم (المحرمات) في الوصايا العشر…، فتقوّلوا على الله بغير علم!!
— فكيف تكون (الصلاة)، التي هي (منظومة الصلة) بالله تعالى، والتي يخرج تاركها من ملة الإسلام، وعقوبته تنتظره في الآخرة، هذه الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر…، كيف لا تكون هي المحور الأساس، في مفهوم (العبادة)، التي فرضها الله على الناس جميعا؟!!
* «أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم – مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ – وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ – وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ – وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا – إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ – خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا»
* «فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ – أَضَاعُوا (الصَّلَاةَ) – وَاتَّبَعُوا (الشَّهَوَاتِ) – فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا»
– إن الدين الإلهي (عبادة)، والعبادة هي (الدين الإلهي)
«قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» – «لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ» – «وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ» – «وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ» – «وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ»- «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»
(342) 30/5/2015 (هل الطاعة للرسول، أم للمحدثين؟)
عدد المشاهدات : 177
إن حُجية الرسالات الإلهية، لا تقوم على الادعاء، وإنما على البرهان الإلهي المثبت لصدق هذا الادعاء. ولقد بعث الله خاتم النبيين محمدا بـ «آية قرآنية»، تثبت صدق «نبوته»، وبلاغه عن الله، وهذه (الآية) هي كتاب يُتلى بين الناس، قام (النبي) بتفعيله في عصر الرسالة، وكان من الطبيعي أن يأمر الله المعاصرين لـلنبي أن يطيعوه، لأنه القائم على تنفيذ أحكام هذا الكتاب بينهم.
فهل كانت المرجعية المدونة في عصر الرسالة، التي تستمد منها أحكام الشريعة الإلهية، والتي أمر الله المؤمنين بطاعة الله ورسوله فيها..، هل كانت كتابا واحدا، هو القرآن الذي بين أيدينا اليوم، أم كانت كتابين: القرآن، و(الأحاديث النبوية)، الموزعة اليوم بين أمهات كتب الحديث، الموجودة عند أتباع الفرق والمذاهب المختلفة؟!
إنه لا خلاف على وجوب (طاعة الرسول) في حياته، فهو المبلغ عن الله رسالته، وإنما الخلاف حول مفهوم (طاعة الرسول) بعد وفاته، فتعالوا نتعرف على حقيقة هذا المفهوم، في السياق القرآني.
لقد جاء الأمر بـ (طاعة الرسول)، في السياق القرآني، على النحو التالي:
الأول: «(أَطِيعُوا) اللَّهَ وَالرَّسُولَ»، فالله تعالى هو منزل الكتاب، والرسول المبلغ لآيات الكتاب.
الثاني: «(أَطِيعُواْ) اللّهَ وَ(أَطِيعُواْ) الرَّسُولَ»، فالله تعالى هو منزل الكتاب، والرسول هو القائم على تنفيذ أحكام الكتاب، يقول الله تعالى في سورة النساء (٥٩):
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ …».
إنه يجب التفريق بين طاعة (الله) المشرع، وطاعة (الرسول) القائم على تنفيذ شريعة الله، وذلك على النحو التالي:
المرجعية التشريعية: «أَطِيعُوا اللَّهَ»، وتعني الإيمان والتصديق بحجية (كتاب الله) على العالمين.
والمرجعية التنفيذية: «وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ»، وتعني القائمين على تنفيذ أحكام الكتاب.
ونلاحظ عدم إضافة الطاعة لـ (أولي الأمر)، لأنهم تابعون للرسول في إدارة شئون البلاد، باعتبارهم الجهة التنفيذية والرقابية.
ولذلك عند التنازع، يكون الرد إلى الله، لأنه سبحانه المشرّع، (وَالرَّسُولِ) لأنه القائد العام، القائم على تنفيذ شريعة الله، ولم يقل (وإلى الرسول)، حتى لا يُفهم أن للرسول شريعة مستقلة عن شريعة الله، يُطاع فيها!!
الثالث: «(وَأَطِيعُوا) الرَّسُولَ»، يقول الله تعالى في سورة النور (٥٤):
«وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»
هذه هي الآية الوحيدة، التي أمر الله فيها بـ (طاعة الرسول) وحده، وذلك لأن السياق الذي
وردت فيه، يتحدث عن موقف المنافقين من رسول الله، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى:
«وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ»
فقال تعالى (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ)، ولم يقل (ليحكما بينهم)، لبيان أن المنفذ لأحكام الشريعة الإلهية، على أرض الواقع، هو رسول الله!!
والسؤال: هل يستوي تحقق (طاعة الرسول)، وهو يعيش بين قومه، والتي يتوقف عليها إسلام المرء أو كفره..، مع طاعة الرواة و(المحدثين)، فيما نقلوه من (مرويات) الفرق والمذاهب المتخاصمة، كل حسب ثقافته ومعارفه وتوجهاته العقدية والتشريعية؟!
إن الأمر بـ (طاعة الرسول)، في السياق القرآني كله، يخص المعاصرين للرسول، هؤلاء الذين كان بإماكانهم (السماع) منه، وتنفيذ أمره، تدبر قوله تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ»
إن قوله تعالى: «وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ»، هو البرهان القاطع، على أن الأمر بطاعة الرسول خاص بمن عاصروه، لأنه لا يُعقل أن يكون المقصود: وأنتم تسمعون الرواة والمحدثين!!
ثم يقول الله تعالى في الآية (٦١) من سورة النساء:
«وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً»إن قوله تعالى: «إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ»، يحصر موضوع الطاعة في «المنزل»، أي في القرآن، لأنه لا دليل في كتاب الله، يثبت أن الله تعالى أنزل على رسوله كتابا غير القرآن.
وقوله تعالى: «وَإِلَى الرَّسُولِ»، يشير إلى (السلطة التنفيذية) القائمة على تنفيذ أحكام الكتاب بين الناس، كما يشير إلى أن (طاعة الرسول) طاعة حضورية، وهذا ما بينه قوله تعالى بعدها (الآية ٦٣): « فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ »!!
فكيف يُعرض رسول الله عن المنافقين بعد وفاته؟! وكيف يكون المعرض، أو المنكر لـ (الأحاديث) التي نسبها رواة الفرق المختلفة إلى الرسول، يكون معرضا أو منكرا أو عاصيا لأمر الرسول في حياته؟!
إن جميع (الأحاديث) المنسوبة إلى الرسول، والمدونة في أمهات الكتب، كان مصدرها الرئيس، هو (الرسول وصحبه)، ثم عندما جاء عصر التدوين، بعد قرن ونصف قرن من وفاة النبي، لم يكن هذا المصدر موجودا، ليراجع هذه (الأحاديث)، ويحذف منها ما افتراه الرواة على الله ورسوله!!
إذن فكيف يدّعي (المحدثون) أن تعالوا «إِلَى الرَّسُولِ» تعني تعالوا إلى (المحدثين)، وأمهات كتب (الحديث)، و(الجرح والتعديل)، للفرق والمذاهب المختلفة!!
ثم تعالوا نتدبر هذه الجمل، التي وردت في سياق الآيات (٦٢- ٦٥):
« ثُمَّ جَاءُوكَ »، « فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ »، « وَعِظْهُمْ – وَقُلْ لَهُمْ »، « وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ »…، ثم قال تعالى بعدها:
« فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً »
هل يمكن أن تحل مرويات (المحدثين)، محل شخص الرسول، المخاطب في هذا السياق القرآني؟!
هل يمكن أن يمتد ضمير الخطاب (يُحَكِّمُوكَ)، و(قَضَيْتَ)…، ليشمل الحكم الذي قضي به (المحدثون)، بصحة أو عدم صحة (الأحاديث)، حسب مذاهبهم في الجرح والتعديل؟!!
ثم كيف يتحقق قوله تعالى: « وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً »، أمام هذا الكم الهائل من (المرويات) المنسوبة إلى رسول الله، التي إن صحت عند فرقة، لم تصح عند أخرى!!
لقد أراد أئمة الفرق والمذاهب المختلفة، أن يُوظّفوا الأمر بـ (طاعة الرسول)، لخدمة توجهاتهم العقدية والتشريعية، وأن يعطوا قدسية لـ (المحدثين)، بدعوى أن الأمر بـ (طاعة الرسول)، هو أمر بـ (طاعة المحدثين)، لأنهم هم الذين نقلوا عن الصحابة (الأحاديث)، فإذا كانت (طاعة الرسول) من (طاعة الله)، فكذلك طاعة (المحدثين) من طاعة (الرسول)!!
ولكن الذي غاب عن أئمة الفرق والمذاهب المختلفة، أنهم أصلا يعيشون داخل دائرة « الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً »، فهل يمكن أن نقبل، أن تكون مصادرهم التشريعية، هي التي حملت (الأحاديث النبوية) واجبة الاتباع، والتي يكفر من ينكرها…، وقد أمر الله رسوله، أن يتبرأ « مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً »، فقال تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)، إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ»؟!
إننا إذا عدنا إلى عصر الرسالة، وإلى السياق القرآني، فسنجد نصا قرآنيا يُبيّن أن معصية الله ورسوله، (كفر)، يخلد صاحبها في النار، وقد جاء هذا البيان، في سياق بيان أحكام (المواريث)، فقال تعالى في سورة النساء:
«وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ»!!
إذن، فطاعة الله ورسوله، من أصول الدين، التي يتوقف عليها إسلام المرء أو كفره، الأمر الذي لا يتحقق بالنسبة لـ (طاعة الرسول) إلا في عصر الرسالة، وهذه هي الحقيقة التي تجاهلها (المحدثون)، حتى تصبح مسألة الطاعة والمعصية في أيديهم، هم الذين يقررون متى تكون (طاعة الرسول)، ومتى تكون (معصيته)، حسب مذاهبهم في الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف!!
إن تفعيل (النبي)، للنص القرآني، كان قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، عن (النبي)، في عصر التنزيل، ولا يُعقل، أن يتحول ما كان قطعي الثبوت عن (النبي)، إلى ظني الثبوت عن (الرواة)، ثم يأتي (المحدثون)، ويتخذوه مصدرا تشريعيا إلهيا ثانيا، يكفر من ينكره!!
ومجمل القول: إن علماء المسلمين جميعا، لا يملكون دليلاً قطعي الثبوت عن الله تعالى، يثبت أنه عز وجل أنزل على رسوله كتابا تشريعياً ثانيا، يستكمل به ما نقص من أحكام القرآن!!
إن مسألة (طاعة) الرسول، أو (معصيته)، يتوقف عليه إسلام المرء أو كفره…، لذلك يستحيل أن تكون لها فاعلية إلا في حياة (النبي)، أما بعد وفاته، فإن الفاعلية تكون في اتباع (النور) الذي أُنزل معه، وبرهان ذلك قوله تعالى:
« فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ »
معلومات:
* أمهات كتب الحديث: مصطلح يُطلق علي كتب (الأحاديث)، التي دوّنها أئمة كل فرقة حسب مذاهبهم في الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف، والتي اشتهرت، وتأثر بها، أتباع الفرقة إلى يومنا هذا!!
* عصر التدوين: هو العصر الذي سمحت فيه الخلافة الإسلامية، بتدوين التراث الديني، الذي لا يخالف توجهها العقدي والتشريعي، بعد أن نقل الرواة والإخباريون مادته شفاهة، خلال ما لا يقل عن قرن من الزمن، من وفاة النبي.

(343) 3/6/2015 (الفرقان والوصايا العشر.. 1-٢)
عدد المشاهدات : 273
هناك من يدّعون أن كلمة (الفرقان)، تنقسم من حيث المعنى، إلى فرقان (عام) وفرقان (خاص)!!
وأن (الفرقان العام)، هو (الوصايا العشر) التي أنزلها الله على موسى، وورد ذكرها في الآيات (١٥١-١٥٣) من سورة الأنعام، وهي ما يجب على الناس الإلتزام، ليصبحوا من (المتقين) ويدخلوا الجنة بسلام!!
أما (الفرقان الخاص)، فهو الذي ورد في الآيات (٦٣-٧٤) من سورة الفرقان، وليس مما يجب على الناس جميعا اتباعه، وإنما هو على سبيل الاستحسان، ومن اتبعه يكون (إماما للمتقين)!!
ولكنهم عندما وجدوا أن (الفرقان العام)، الواجب على الناس جميعا اتباعه، لا يتضمن الفرائض الرئيسة في منظومة الشريعة القرآنية، ومنها الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج..، ووجدوا أن هذه الفرئض، لا تخرج عن منظومة (التقوى)…، ذهبوا إلى تقسيم (التقوى) إلى ثلاثة أنواع، حتى يضعوا كل نوع في السياق الذي يخدم هواهم، وهي:
١- التقوى الفردية / ٢- التقوى الاجتماعية / ٣- التقوى التشريعية
هذه (عينة)، من المناهج الفكرية العشوائية، التي تنحرف بأتباعها عن المنهجية العلمية لتدبر القرآن، استنادا إلى منهج أصحابها (التجميعي)، الذي يقوم على قاعدة (القص واللصق)، وليس على المنهج (التحليلي)، الذي يقوم على تفعيل آليات التفكر والتعقل والتدبر….، آليات عمل القلب!!
فأقول، باختصار:
إن الفرقان، والحكمة، والنور، والضياء، والميزان..، كلها (صفات بيان) للكتاب، وليست في ذاتها كتابا، ولا بعض آياته، يقول الله تعالى في سورة البقرة (٥٣):
«وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ»
ويقول تعالى في سورة الأنبياء (٤٨):
«وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ»
ومعلوم أن (هارون) كان مصاحبا لموسى، ولم يتلق وحيا خاصا به، اسمه (الفرقان)، وإنما مجموع ما أوتيه موسى وهارون، في مواجهة فرعون، هو الكتاب (التوراة)، و(الفرقان)، أي (الآيات البينات)، التي تفرق بين الحق والباطل، والدالة على أن موسى رسول الله!!
إن (الفرقان)، في اللسان العربي، مصدر بوزن فعلان، وهو مشتق من (الفرق)، ويستخدم في السياق القرآني، للتمييز بين الحق والباطل، يقول الله تعالى في سورة الأنفال (٤١):
«…. إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ – وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا – يَوْمَ الْفُرْقَانِ – يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ»إن الذي أنزله الله على محمد، عليه السلام، هو القرآن، و(يوم الفرقان) هو يوم انتصار الحق على الباطل، (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)!!
كما تأتي كلمة (الفرقان) صفة بيان للكتاب، وليست هي الكتاب، ولا بعض آياته، يقول الله تعالى في سورة البقرة (١٥٨):
«شَهْرُ رَمَضَانَ – الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ – (هُدًى) لِّلنَّاسِ – وَ(بَيِّنَاتٍ) مِّنَ (الْهُدَىٰ) وَ(الْفُرْقَانِ )»
فالقرآن كتاب هداية، ولابد أن يحمل للناس (البينات)، أي البراهين الدالة على أنه من عند الله، وهذه (البينات) تهدي الناس إلى (الفرقان)، أي إلى التفريق بين الحق والباطل.ولذلك وصف الله تعالى (القرآن) بـ (الفرقان)، وأنزل سورة باسمه، فقال تعالى:
«تَبَارَكَ الَّذِي (نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ (نَذِيراً)»
ولا يوجد دليل في هذا (القرآن)، يثبت أن (الفرقان)، هو الآيات (١٥١-١٥٣) من سورة الأنعام، التي يدّعون أنها (الوصايا العشر)، التي أنزلها الله على موسى!!
لقد ذكر الله تعالى، في نفس السورة، أن (الفرقان)، هو وصف بيان لـ (القرآن)، وليس لبعض آياته، فقال تعالى (الآية ٤):
«وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا – إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ – وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ»
إن اسم الإشارة، في قوله تعالى: (إِنْ هَذَا) يعود إلى (الفرقان) المشار إليه في أول السورة، ولا يُعقل أن يكون اتهام المشركين للنبي، يتعلق فقط بجزء من القرآن، هو آيات سورة الأنعام!!
وعندما اتهموا الرسول، بأن هناك من يُملي عليه (أساطير الأولين)، يستحيل أن يكون هذا الاتهام موجه فقط للآيات (١٥١-١٥٣) من سورة الأنعام، أى للوصايا العشر، فتدبر (الآية ٥):
«وَقَالُوا (أَسَاطِيرُ) الأَوَّلِينَ – (اكْتَتَبَهَا) – (فَهِيَ) تُمْلَى عَلَيْهِ – بُكْرَةً وَأَصِيلاً»
ثم تدبر قوله تعالى بعدها (الآية ٦):
«قُلْ (أَنزَلَهُ) الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ»
فهل يُعقل، أن يكون (الفرقان) المنزل، «لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً»، هو (الوصايا العشر)، التي وردت في آيات سورة الأنعام؟!!
لقد أيد الله جميع الرسل بـ (الآيات البيّنات)، التي تفرق بين الحق والباطل، أى أيدهم بـ (الفرقان) الدال على صدق بلاغهم عن الله، فقال تعالى في سورة آل عمران (٣-٤):
«نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ – مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ – وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ – والإِنْجِيلَ» – «مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ – وَأَنْزَلَ (الْفُرْقَانَ) – إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ..»
لقد أنزل الله على محمد، (القرآن)، وعلى موسى (التوراة)، وعلى عيسى (الإنجيل)، وبدون تأييدهم بالحجج والآيات البينات، الدالة على صدق بلاغهم عن الله، لا تكون هناك فاعلية للرسالات، وهذا هو (الفرقان)، الذي أنزله عليهم!!
وكذلك، أنزل الله (الميزان)، وهو أيضا صفة بيان للكتاب، ليقوم الناس بالقسط، فقال تعالى:
«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ (الْكِتَابَ) و(الْمِيزَانَ) لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ»
إذن فما الفرق بين (الفرقان) المنزل، و(الميزان) المنزل، و(الحكمة) المنزلة، و(النور) المنزل…، ولماذا لا تكون كل هذه الصفات البيانية للكتاب، هي (الوصايا العشر)، يا أولي الألباب؟!
(يتبع)
(344) 4/6/2015 ( الفرقان والوصايا العشر [2-2)
عدد المشاهدات : 222
أين نجد في كتاب الله، تعريفا للفرقان، وأنه هو الوصايا العشر عند موسى، ومحمد، والحكمة عند عيسى، والصراط المستقيم في (التنزيل الحكيم)؟!
ثم من قال إن الأحكام والوصايا، التي وردت في سورة الأنعام، الآيات (١٥١-١٥٣)، هي الفرقان، وهي الوصايا العشر، والصراط المستقيم؟!
إنه لا يوجد في كتاب الله، دليلا واحدا، يثبت صحة ما سبق من ادعاءات، فكتاب الله، (منظومة علمية)، لها قواعدها، وأصولها، ومنهجها، وأدواتها، في الدراسة والبحث والاستنباط!!
إن الله تعالى عندما ذكر في سورة الإسراء، بعض أحكام الشريعة (٢٢ – ٣٨)، كان منها (تحريم) الاتباع بغير علم، فقال تعالى:
«وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ (عِلْمٌ) إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ (كُلُّ أُوْلَئِكَ) كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً»
والقفو: الاتباع، والمحرم هو الاتباع بغير علم، فهل أصحاب هذه الادعاءات، يحملون علما، يثبتون به صحة ادعاءاتهم؟!!
الحقيقة: لا، وبرهان ذلك (باختصار) ما يلي:
أولا: تعالوا نفهم أهمية كلمة (من) التبعيضية، في علم (السياق القرآني)!!
بعد أن ذكر الله في سورة الإسراء، جانبا من أحكام الشريعة (٢٢ – ٣٨)، أتبع ذلك بقوله:
«ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ (مِنْ) الْحِكْمَةِ»
إن الله تعالى لم يقل إن هذه الأحكام، هي (الحكمة)، التي أوحاها الله لنبيه محمد، وإنما قال إنها (من) الحكمة، لبيان أن هذه الأحكام ليست هي أحكام الشريعة كلها، الوجب على المسلمين جميعا اتباعها، فهناك أحكام، لا تقل في وجوب الاتباع، موجودة في آيات وسور أخرى!!
إن مفهوم (الحكمة)، في هذا السياق، يعني ما حمله كتاب الله من (أحكام الشريعة)، وعلى هذا، يستطيع أي مسلم، يملك آليات التفكر والتعقل والتدبر..، أن يقول على أي حكم ورد في كتاب الله، إنه من (الحكمة) المنزلة، سواء وردت هذه (الحكمة) في آيات سورة الأنعام (١٥١-١٥٣)، أو في آيات سورة الفرقان (٦٣-٧٤)، أو في غيرها!!
إذن، فمن المنطق، عندما نريد أن نصف أحكام الشريعة بصفة، في أي سورة من السور، فلابد أن تكون هذه الصفة، هي التي وصفها الله بها، وهي (الحكمة)، ولم يصف الله أحكام شريعته بـ (الفرقان)، وإنما جاءت هذه الصفة، للكتاب كله!!
إن الآية (١٥٣)، من سورة الأنعام، التي يدّعون أنها (الوصية العاشرة)، في هذا (الفرقان) المدّعى، وهي قول الله تعالى:
«وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً – فَاتَّبِعُوهُ – وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ – فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ – ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ – لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»
إن هذه الآية، لا يمكن أن تُفهم، بمعزل عن علم (السياق)، هذا العلم، الذي يفرض على متدبر القرآن، أن يقرأ السياق الذي وردت فيه الآية (١٥٣)، بداية من قوله تعالى (الآية ١٢٥):
فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ – يَشْرَحْ صَدْرَهُ (لِلإِسْلامِ) – وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ….»
ثم قوله تعالى بعدها ( الآية ١٢٦):
«وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً – قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ»
إذن فـ (صراط الله المستقيم) هو (الإسلام)
لقد تحدث السياق بعد ذلك عن الصراع بين الحق والباطل، وأن الباطل دائما يفتري الكذب على الله ورسله، وذلك لصد الناس عن صراط ربهم المستقيم، وليستحوذ عليهم الشيطان، فينسيهم ذكر الله، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله!!
وفي هذا السياق، يقول الله تعالى (الآية ١٤٤):
«…. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ – إِذْ (وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا) – فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً – لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ – إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»
ثم قال تعالى، الآية (١٤٥):
«قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ (مُحَرَّماً) عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ – إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً – أَوْ دَماً مَسْفُوحاً – أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ – فَإِنَّهُ رِجْسٌ- أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ … الآية»
ثم قال تعالى، الآية (١٤٨):
«سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا – لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا – وَلا آبَاؤُنَا – وَلا (حَرَّمْنَا) مِنْ شَيْءٍ…. قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ (عِلْمٍ) – فَتُخْرِجُوهُ لَنَا – إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ (الظَّنَّ) – وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ»
ثم جاءت الآية (١٥١)، وما حملت من أحكام ووصايا، قال الله بعدها:
«ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»
ثم جاءت الآية (١٥٢)، وما حملت من أحكام ووصايا، قال الله بعدها:
«ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»
ثم جاءت الآية (١٥٣)، فيقول الله تعالى:
«وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»
انظر، كيف تتناغم هذه الآية، مع أول السياق، الذي ذكرناه (الآية ١٢٥ – ١٢٦)!!
إن اسم الإشارة (هذا)، في قوله تعالى: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ»، لا يعود إلى سياق الآيات (١٥١-١٥٣) فقط، وإنما إلى (الدين الإسلامي) كله، الذي وصفه الله بالصراط المستقيم، في أول السياق، فقال تعالى:
«فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ – يَشْرَحْ صَدْرَهُ (لِلإِسْلامِ)…»
ثم قال بعدها:
«وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً – قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ»
إن (الصراط المستقيم)، في السياق القرآني كله، هو (الدين الإسلامي)، هو أحكام (الشريعة القرآنية) كلها، وإليك برهان ذلك:
يقول الله في سياق الحديث عن (الواحدانية):
«إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ (فَاعْبُدُوهُ) ۗ هَٰذَا (صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)»
ويقول تعالى في سياق الحديث عن حجية كتاب الله:
«فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ (صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)»
ولقد بيّن الله ماهية هذا الوحي، فقال:
«وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ»
والسؤال: أين (الوصية العاشرة)، يا أولي الألباب؟!!
أفيدونا يرحكمك الله!!!
«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ – أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»
(345) 5/6/2015 (الحكمة المنزلة …. والمذهبية المُصَنّعَة)
عدد المشاهدات : 216
منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، وخلال رحلتي من الإيمان (الوراثي) الظني، إلى الإيمان (العلمي) اليقيني، وخلال عدة لقاءات مع أئمة وعلماء الفرق الإسلامية المختلفة، عن حجية ما يدّعون أنها (السنة النبوية)، كنت أطلب منهم النص القرآني، الدال على حجية هذه (السنة)، غير آية (النساء ١١٣)، وآية (الأحزاب ٣٤)، وذلك رحمة بهم، لعلمي أن استنادهم إلى هاتين الآيتين، يدخلهم دائرة (الشرك) بالله تعالى، لأنهم يفترون على الله ورسوله الكذب، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!!
وعندما كان يسألني أحدهم: ولماذا تشترط هذا الشرط، كان الجواب:
ألم يحذر الله رسوله، والذين آمنوا معه، من (الشرك)، إذا هم تفرقوا في الدين، فقال تعالى:
«مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)» – «مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»
ألم يتفرق المسلمون في الدين، بعد (الفتن الكبرى)، وأصبحوا فرقا ومذاهب متخاصمة متقاتلة، وكل فرقة تدّعي أنها (الفرقة الناجية)، في الوقت الذي أمر الله رسوله أن (يتبرأ) من هؤلاء الذين فرقوا دينهم، فقال تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا (لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ»؟!!
فهل يُعقل، أن تصبح (السنة النبوية)، التي هي (حقيقة قرآنية)، فقط في عصر التنزيل واكتمال الدين، وأن تصبح مرويات (مذهبية)، إن صحت عند فرقة، لا تصح عند أخرى، وإن صحت عند مذهب من مذاهب الفرقة الواحدة، لا تصح عند باقي المذاهب، فإذا أردنا أن ننقب عن المرويات الصحيحة، ونكتشفها، سند هذه المهمة إلى (الجهابذة) من علماء كل فرقة؟!!
هذا بالنسبة لحال أتباع الفرق والمذاهب المختلفة، الذين انقلبوا على أعقابهم بعد وفاة النبي!!
أما بالنسبة لحجية (السنة النبوية)، التي هي المحور الأساس، في هذا الموضوع، فلا يوجد (مطلقا) في القرآن، دليل واحد، يثبت أن هناك (أحاديث نبوية)، كانت تتنزل على النبي، لبيان وتفسير واستكمال ما نقص من أحكام القرآن، واجبة الاتباع، بعد وفاة النبي!!
فماذا عن الآيتين، (النساء ١١٣ – الأحزاب ٣٤)، اللتين لا يملك أنصار (الفُرقة والمذهبية) غيرهما، لإثبات حجية (سنتهم) المذهبية؟!
يقول الله تعالى في سورة النساء (١١٣):
«…. وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ (وَالْحِكْمَةَ) وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا»ويقول تعالى في سورة الأحزاب (٣٤):
«وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ (وَالْحِكْمَةِ) إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا»
فما هي (الحكمة) المنزلة، التي أوحاها الله لنبيه محمد، عليه السلام، والتي كانت تتلى في بيوت نساء النبي؟!
إن الذي لا يملك منهجا علميا، يحمل أدوات لفهم (النص القرآني)، ولا دراية له بعلم (السياق القرآني)، ولا بمنظومة (التدبر)…، كيف سيفهم القرآن؟!!
إن من له أدنى دراية بعلم (السياق القرآني)، ويريد أن يفهم معنى كلمة وردت فيه، عليه أولا، وقبل أن يجتهد ويفتري على الله الكذب، أن يبحث عن هذه الكلمة، في القرآن كله، لعله يجد معناها!!
لقد وردت (الحكمة)، في السياق القراني، بأكثر من معنى، ولكن الذي يهمنا في هذا البحث، هو المعنى المتعلق بالحكمة (المنزلة)، و(المتلوة)!!
فإذا تدبرنا آيات سورة الإسراء، (٢٢- ٣٨) وجدناها تحمل بعض أحكام الشريعة، ثم عقب الله بعدها بقوله (٣٩):
«ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ (الْحِكْمَةِ) – وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ (إِلَٰهًا آخَرَ) – فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا»
فالحكمة المنزلة، والمتلوة، التي أوحاها الله لنبيه محمد، هي أحكام الشريعة (الحكيمة)، التي وردت في كتاب الله، ولذلك جاءت (من) التبعيضية (مِنَ الْحِكْمَةِ)، في هذا السياق، لبيان أنه أحكام سورة الإسراء، ليست هي كل أحكام الشريعة المنزلة، فهناك أحكام أخرى في باقي السور!!
إن عطف (الحكمة) على الكتاب، في سورة النساء: (الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، وعطف الحكمة على الآيات في سورة الأحزاب: (آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)، هو ما يُعرف في (علم السياق) بعطف الخاص (أحكام الشريعة) على العام (الكتاب) كله!!
لقد دعا إبراهيم، عليه السلام، ربه فقال: «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ (الْكِتَابَ) وَ(الْحِكْمَةَ)…»، فهل كان إبراهيم يقصد، أن يعلم النبي محمد قومه، المصدر التشريعي الثاني، الذي وسمه أئمة الفرق المختلفة باسم «السنة النبوية”، والذي دوّنه (المحدثون) بعد وفاة النبي، بقرن ونصف قرن من الزمن، على أقل تقدير!!
هل كان إبراهيم، عليه السلام، يقصد، أن يعلم النبي محمد المسلمين، أتباع الفرق والمذاهب المختلفة، (الذين لم يولدوا بعد)، كيف يستخرجون (الحكمة) الصحيحة، من مرويات (السنة النبوية)، عن طريق (علوم الحديث)، حسب اجتهادات أئمة وعلماء الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف، عند كل فرقة من الفرق الإسلامية؟!
إن (المذهبية) غشاوة على القلوب، تجعلها لا تفكر، لا تعقل، ولا تتدبر…، لذلك لا تتعجب، عندما ترى حال المسلمين المؤسف، بين سني وشيعي، معتزلي وأباضي، حنفي ومالكي…، إلى آخر عشرات الفرق، والمذاهب، والجماعات المتفرعة عنها، بما في ذلك التنظيمات الإرهابية، التي تسعى في الأرض فسادا..، وكل هذه الطوائف، تحمل راية التمسك بـ (الكتاب والسنة)، وتتخذ (مرويات السنة) دليلا على حجية توجهها (العقدي والتشريعي)، بدعوى أن هذه (المرويات) توافق القرآن، ولا تخالفه، حتى لو كانت عند المحدثين ضعيفة أو موضوعة!!
ولذلك لم تعد (المذهبية) غشاوة على القلب فقط، وإنما (ختم) على القلوب!!
«وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ – فَأَعْرَضَ عَنْهَا – وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ – إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ – وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا – وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ – فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا»



تعليقات